ماذا يعني مهرجان الموسيقى العربية؟

فاطمة ناعوت
2016 / 11 / 14

======================

ماذا يعني اليوبيلُ الفضيّ لمهرجان الموسيقى العربية في مصر؟ خمسٌ وعشرون عامًا لم يخلف ذلك المهرجان الرفيع موعده السنويّ، رغم الثورات، ورغم الكبوات التي تعقب الثورات، ورغم السيوف المُشهرَة في وجه الوطن من أعداء الوطن أعداء الحياة خصوم الرقي والتحضر. ماذا يعني؟ يعني الكثير. يعني أولا أننا مازلنا نتنفس. فالغناء تنفّسٌ وحياة. الشدو يكافئ العَيش. حتى الشدو الحزين، الذي يصدح به الطائر وهو مذبوحٌ بنصل حادّ، يعني أن هذا الطائر يريد أن يحيا ولا يُسلمَ روحَه للموت بيُسر. بل يجاهدُ حتى الرمق الأخير ويظل يقول: أنا أحيا، أنا أُغنّي، أنا أشدو حتى وأنا أحتضر.
ماذا تعني خمسة وعشرون عامًا من محاولة التمسّك بالطرب الراقي الذي امتازت به مصر، رغم انهيار الذائقة لدى قطاع عريض من الشعب المصري بدأ منذ الانفتاح الاقتصادي واختلال ميزان الجمال في عيون وآذان المصريين جيلا بعد جيل؟ يعني أننا شعب يحاول أن يتعافى من أمراض الركاكة التي ضربته في مقتل بفعل فاعل مجرم يحاول منذ عقود أن يجرّنا إلى الحضيض، فنستسلم تارةً بفعل اليأس والعجز عن المقاومة، ونتمرّد تارة، لكننا أبدًا لم نُفلت زمام التحضر والرقيّ من يدنا، ولن نفعل. لن نُفلت زمام الجمال والأصالة مادام لدينا دارُ الأوبرا، التي أسميها (دولة الأوبرا المصرية)، ومادامت لدينا معاهد الموسيقى العربية، ومادام لدينا فنانون رفيعو الطراز يمتلكون حناجر مثقفة يضبطون بها إيقاع مسامعنا على راقي المقامات لنعلو مع جواباتهم ونهبط مع قراراتهم فننجو من الإسفاف والركاكة التي شاعات في مفاصل المجتمع.
ماذا يعني أن ماكينة الفن المصري مازالت تضخُّ فنًّا أصيلا وأغاني شجيّة كلماتٍ ولحنًا وصوتًا؟ يعني أن تراثنا الرفيع حيٌّ لا يموت. لماذا لا يموت؟ لأنه لا يريد أن يموت. ولأن مصرَ لم تكتب شهادة وفاته بعد، وكيف تكتبها وهي أمُّ الفنون والآداب والعلوم منذ نشأتها وإلى أبد الآبدين بإذن الله.
وماذا يعني أن ينطلق المهرجان من دولة الأوبرا المصرية العريقة؟ يعني أن يجتمع الحسنيان. الحدث، والمكان. حدثٌ راق يجري في مكان راق، فتكتمل سيمفونية العذوبة والتحضّر. وماذا يعني أن يفتتح المهرجان الموسيقارُ المصري العالمي عمر خيرت، على وقع عصا المايسترو الآسر ناير ناجي؟ يعني أننا طمّاعون في الجمال. نودّ أن نمسك بأطرافه جميعها لا يغيب منه طرفٌ.
وماذا يعني الإقبال الجماهيري المدهش على مدى أسبوعين، مدّة المهرجان؟ يعني أن المصريين، رغم كل الظروف التي تمرّ بها مصرُ ويمرّ بها المصريون، ينشدون الجمال والسموّ، وأنهم دائمو العطش للفن الرفيع، رغم الهزّات الاقتصادية والمحن السياسية وخناجر الإرهاب التي تطعن خصر مصر مع كل نهار جديد، ورغم ضجيج وركاكة بعض الأصوات النشاز التي تسلّلت إلى مسامعنا في غفلة من النقد والرقابة الفنية، إلا أن الأُذن المصرية تظل توّاقة للنغم الحقيقي لا تقبل ما دونه.
كل ما سبق يعني أننا مازلنا سائرين على الكود الفني الرفيع الذي ميّز مصر عبر تاريخها الطويل منذ محمد عثمان وسيد درويش وعبد الوهاب والموجي وبليغ والسنباطي والقصبجي. تحية لروح المثقفة النيّرة د. رتيبة الحفني التي دشّنت المهرجان منذ عقدين ونصف العقد. وتحية للفنانة الجميلة د. إيناس عبد الدايم، مدير دار الأوبرا المصرية، رئيس دولة الأوبرا المتحضرة، التي تسلّمت المشعل من سابقيها وحملته وهّاجًا فتيًّا. وتحية لكل فريق العمل بدولة الأوبرا الذين أخرجوا لنا حفل الافتتاح في ثوب أنيق ناصع الجمال. وتحية لكل المطربات والمطربين والموسيقيين، العرب والمصريين الذين شاركوا ويشاركون في هذا الحدث الفني الجلل الذي يؤكد دائمًا أن الفنّ يرأب الصدوع التي تصنعها السياسة والحروب والمحن في جسد الأوطان.
طوبى لك يا مصرُ بكل ما تملكين من قامات فنية ثرية، وطوبى لك بشعبك الفتيّ الفنان الذي يرفض القبح مهما تعالى صوته، ذاك أن صوتك العذب يا مصرُ أعلى وأصدح.