سرد الوقت في رواية -آخر الحصون المنهارة-

رائد الحواري
2016 / 11 / 14

سرد الوقت في رواية
"آخر الحصون المنهارة"
يبدأ لراوي حديثه في الفصل الأول عن السجن الذي زج فيه، نظير اتهامه بالقتل العمد وعلى اساس دوافع قومية، فالمكان الذي يحاصر الجسد والروح والأحلام، ويحجب الشمس لا بد أن يلقي بظلاله على الوقت، فيمسي رتيبا، بليدا، وحتى كسيحا، هذا هو واقع السجين، خاصة إذا كان هذا السجين مظلوما، فما بالنا إن كان "بشار" مظلوم إنسانيا، بمعنى أنه لم يقتل عمدا، وكان في حالة الدفاع عن النفس، ويضاف إلى هذا بأن من يسجنه هو المحتل العنصري، الذي ينظر بعين واحدة، ولا يرى في الفلسطيني سوى ارهابي قاتل، ومبرر وجوده يكمن في خدمة الأسياد اليهود.
من هنا وجدنا الراوي منفعل ومتوتر، ويتكلم بعصبة، فحالة السجن ترمي بظلالها عليه وعلى طريقة حديثه، فنجده ناقم على الوقت فيحدثه وكأنه كائن بشري، بحديث أقرب إلى الجنون: "الزمن وحش كاسر، يضربني بمخلبه الدامي صباح مساء،...زمن فاجر متواطئ يستفزني في كل هنيهة، يمر وئيدا لزجا كبصاقة، ...يخاطبني أنا قدرك، جئت لأصفعك على قفاك أو على وجهك، سيان" ص5، المتلقي يشعر بأنه أمام حالة إنسانية تعيش في ظروف غير طبيعية، وقع عليها الظلم من الآخرين، من هنا وجدنا الفاظ قاسية وغاضبة "وحش كاسر، مخلبه الدامي، زمن فاجر متواطئ، لزجا كبصاقة، لأصفعك" هذه الألفاظ وحدها كافة لتوضيح نفسية الراوي، فهي شخصية ـ في هذا الظرف ـ غير سوية، تعاني الألم والقهر، ولهذا هي متوترة وغاضبة.
يقدم لنا الراوي تفاصيل بسيطة عما يمر به من خلال تحديثه عن الساعة التي يرميها في المرحاض، "ومنذ رميت ساعتي في المرحاض في هذا المنعزل الرهيب ذات يوم بارد من شتاء عام 1988، طننت أني سأتجاوز الزمن، لكن هذا القواد الخرافي ظل يعضني في قلبي وعقلي على السواء" ص5، للوهلة الأولى يبدو أن هذا الفعل مجنون، ليس له معنى، ما معنى أن ترمي ساعة في مرحاض؟، فعل لا يشير إلى شيء، شخص لا يريد ساعته، وأراد التخلص منها في هذا المكان، ليس إلا، لكن يعد أن نعرف سبب رمي الساعة في المرحاض، والظرف والطريقة والوقت والمكان الذي قام به "بشار" بهذا الفعل، نعي المعنى والهدف والغاية التي أراد إيصالها للمتلقي وللآخر.
إذا تم تفصيل المقدمة ـ الفصل الأول ـ نجده لا يتعدى الصفحة الواحدة، نعلم بأن الراوي يتحدث فيه عن الوقت الذي يأخذ أكثر من نصف الصفحة، بينما حديثه عن عائلة "نسيم" لا يتعدى أربعة اسطر، وحديثه عن مواطنيه سطرين، وثم نجده يكيل الشتم على الكل دون استثناء، مفرغا عما فيه من غضب وألم، بهذه الشتائم "كفى أيها القوادون لقد آن الأوان لكي أبصق في وجوهكم المطلية بمساحيق العدالة الزائفة" ص6 وهنا نطرح سؤال، لماذا تحدث الراوي عن الوقت بأكبر عدد من الأسطر؟، بينما تحدث عمن ظلمه وحكم عليه بالسجن ثلاثين عاما أربعة أسطر فقط؟ هل هناك سبب ما؟ هل عدو الراوي هو الوقت وليس المحتل العنصري؟، ومن هنا تحدث عنه بتفاصيل أدق من حديثه عن المحتل.
النص الجيد هو الذي يقدم فكرة غير صريحة، غير مباشرة، فكرة تحفز المتلقي على البحث والتفكير، وهذا الأمر ـ التفكير والبحث ـ يمثل احترام للقارئ ولعقله، فالراوي لا يستهين بقارئه، بل يجعله هو من يكتشف مداخل النص ومخرجاته، هذا ما فعله "بشار" بنا، فعندما تحدث عن الوقت أثناء محاولته إخفاء جثة دوريت" وأثناء فترة التحقيق كان الوقت بالنسبة له هو العدو الاول، هو من يرفض أن يتحرك، وكان ثقيل عليه، "الأيام تمضي ثقيلة تكتم الأنفاس، ومعها تمضي جلسات التحقيق المستعرة، ... كان دائي في تلك الأيام العصيبة الزمن الميت، وشعرت بمسيس الحاجة إلى خلطة شافية للعلاج من هذا الداء العضال" ص141، إذن الراوي من خلال هذا الظرف/الحالة عرف كيف يكون ثقل الوقت على الإنسان الذي ينتظر شيء قادم، وعندما تم الحكم عليه ثلاثين عاما، تأكد له بأنه سيعاني الأمرين في هذا الزمن الطويل والثقيل، فهو عرف أيام عصيبة مرة عليه كسنين، فما بالنا بالثلاثين عاما؟ بالتأكيد سيكون الموت أهون منها.
لهذه الأسباب وجدنا الراوي يضع (الفصل الأول) يتحدث بشكل أساسي عن الوقت أكثر من أي شيء آخر، وعندما رمى ساعته في مكان نجس حقير ـ المرحاض ـ أريد به أن يهين الوقت، يشتم الوقت، يتمرد على الوقت، ولهذا جاءت آخر فقرة في الرواية بهذا الشكل، "...في هذه اللحظة وقفت، كنت مضطرا لرؤية عينيه وأنا أنطق أصعب جمله نطقتها في حياتي:
"ـ لقد آن الأوان لكي أرمي ساعتي في المرحاض" ص159، هذا الربط بين ما جاء في بداية الراوية ونهايتها يمثل ابداعا اضافيا، يضاف إلى محاسنها وتألقها.