أمريكا تُراقِّصُ العالمَ العربيَّ

سامي عبد العال
2016 / 11 / 13

قيل إنَّ غبياً كُلَّما مرَّ بقشرة موزٍ انزلق فوقها أرضاً. وتكرر الانزلاقُ مرات ومرات. حتى عندما كان يصادف قشوراً أخرى يذهب للتزلق عليها. فباتت صورته مثاراً للسخرية بين الناس. وفي يوم قرر الامتناع عن فعله المضحك. لكنه وهو يسير متيقظاً ذات مرة رأى قشرة موز جديدةً... فضرب جبهته بيده قائلاً: يا إلهي سأنزلق ثانيةً. حيث سقط متزلجاً عليها كأنَّه قد فعل ذلك لأول مرة!!
هذا حال العالم العربي إزاء رؤساء أمريكا الواحد تلو الآخر. لا يتكلم أحدُّهم إلاَّ لماماً عن وضع دولة عربية هنا وأخرى هناك. بينما ينفرط العرب كحَبِّ الرمان مُقبِلِّين الأنامل الممتدة عبر المحيط الأطلنطي. ولم تكفهم المسافات الطوال مع أمريكا حتى يطوونها ضماً لجبهة ساكن البيت الأبيض. ولولا حُمرة الخجل لأرسل زعماء العرب(المؤيدون والمعارضون) المواكب لتقديم القرابين لصاحب الأمر والنهي. وقد تعاملوا معه كزعيم قبيلة كونيةٍ يُؤمر فيُطاع. ويخبئ المؤامرات للإغارة على القبائل المناوئة بأساليب الثقافة البدوية. وكأنَّهم في انتظار نصيبهم من لعنة أو بركة أمريكا الرب.
وتلك هي سياسة "الضحية المبكرة" من الوهلة الأولى. كل نظام عربي كان ومازال مشروع ضحية قادمة لأية رئاسة أمريكية. لأنَّ المواقف -سواء المعارضة أم المؤيدة- كلاهما يضحي بنفسه سلفاً. فلو كان معارضاً فهو يردد: ألم أقل لكم... ها هو أسوأ رئيس أمريكي يقتحم دوائر السياسة الدولية؟ أيضاً تلك دعوة ضمنية لا لاتخاذ موقف أكثر حنكةً. والعمل على تجنب الخنوع الذليل للإدارة الجديدة. إنما سيكون الموقف نوعاً من التنازل المباشر عن أي استقلال مضاد. وهو تبرير انهزامي كي يكون نظاماً عربياً تحت الطلب في أي وقت. ولا حائل دون العمل على أنغام الرئاسة الأمريكية المنتخبة. وقد يأخذ نوتتها الموسيقية ليجعلها دستوراً وقرآنا له ولشعبه المقهور.
وحتى موقف النقد تجاه فوز ترامب لم تبده دولة عربية واحدة. لكنه(أي ترامب) هو الذي بادر بمراقصة دولة آل سعود على كافة الأنغام. اعتبرها "بقرة حلوباً" تجلب الخير من ألبان وقشدة وأجبان للشعب الأمريكي. وهو– الضليع بالصفقات والمؤامرات والابتزاز الاقتصادي- يعلم معنى أن يغازل البقرة البترولية بأسلوب التخويف. إذ ذاك ستذهب فوراً إلى وضع ضروعها الممتلئة بين أنامل "الحالب الجديد". لأنَّ ذلك سيأتي بنفس الأثر الذي يقود آل سعود وغيرهم إلى تجديد البيعة لحامي ممالك الرمال الخالية. مؤكد لم يأخذ ترامب أية خطوات بعد تجاه السعودية لكنه لوح بإمكانية تعرية تلك الممالك. يقول: "علينا حلب المملكة العربية السعودية السمينة قدر الإمكان. وحين يصبح المشايخ الأثرياء عديمي الفائدة، يتوجب علينا مغادرة الشرق الأوسط".
وحينما يقول رأسمالي ذلك فليس أكثر من عمل اللص الذي يقرر أن التهديد سيدر ربحاً دونما عناء. وهو اشارة إلى الدور الأمريكي في صمود دويلات العائلات في وجه الأعاصير السياسية. وأنه ما لم تدفع الاتاوات لن تقف بمنأى عن الاهتزاز.
الحقيقة أنَّ تعبير "البقرة الحلوب" milch cow ليس مقتصراً على السعودية فقط بل على كافة البلاد الخليجية. فإذا كان الأمر يقصد كبيرتهم مساحةً وقدرات فإن صغارها تحتاج نفس العمل. وبالطبع ستفهم أنظمة تلك الدول قول ترامب جيداً. فليس معقولاً ألا تدرك الفريسة شيئاً من آكلها ومن الاستفراد بها بعيداً عن العيون. يبدو كلام ترامب لكل دويلة خليجية على حدة دون سواها. وقد باتت أنظمتها كالخراف المذعورة في ليلة مطيرة ومظلمة. يروحون ويجيئون بين مفترسين: إيران من جهة وأمريكا من الجهة الأخرى. كما استعمل إحدى مفردات "خطاب الكاو بوي" cowboy، هذا الأمريكي المغامر الذي يروض الخيول ويصارع الأخطار و يستولي على ثروات الأرض بلا حساب.
بالأمس عندما تولى أوباماً السلطة كانت الدول العربية مهللة بإمساكه عرش الدولة الأعظم في العالم. وفي ضربة مقامرة اعتبره البعض مسلماً. لكنه لم يكشف اسلامه خوفاً من فقدان منصبه الأسمى!! واعتبره البعض الآخر أقرب الرؤساء إلى العرب اسماً وسحنة وطباعاً. كأننا سنزوجه للنساء العربيات وسنجعل من أمريكا أماً رؤوماً!! وقد قيل عن تأويل اسمه بالحرف العربي إنه: بركات أبو عمامة... وليس باراك أوباما كما أضح معمر القذافي آنذاك. حيث كان يعده ابنه الحميم في أكثر من سياق مخاطباً إياه باتخاذ الموقف السليم من بعض الملفات العربية.
وعلى ذات الصعيد جاء أوباما ليلقي أول خطاباته خارج أمريكا من داخل جامعة القاهرة. على خشبة أعرق المسارح حيث وقف لطفي السيد وطه حسين وزكي نجيب محمود. وكيف قال أوباما السلام عليكم بلكنة مكسرة. وأشار إلى أهمية المنطقة العربية لأمريكا وأهمية الصداقة الأمريكية العربية. وأن الشراكة بين العرب والأمريكيين أكبر من أية كوارث ولو كانت تدميراً لدولة عربية بحجم العراق مهد الحضارات العريقة.
وكان عندما يزور مملكة السعودية يلقى ترحاباً قلَّ نظيره. حيث تحاط عنقه بالقلائد والانتيكات العربية باهظة الثمن. وتمزق كل المعلقات السبع سدى بعد أنْ ملأت الخيال العربي حماسة وفخراً. وتتساقط الهدايا على البعثات المرافقة للرئيس الأمريكي بحكم الكرم العربي الطائي القديم. ويرسم المشهد كما لو أن رئيس أمريكا يخطب ود العائلة المالكة. وأنه لا يستغنى قيد أنملة عن وجودها.
ومن قبل أعطى الملك عبدالله بن عبدالعزيز سيفاً عربياً لبوش الابن في مشهد دراماتيكي. والسيف العربي أحد ادوات الذكورة في زمن الانهزامات الساحقة. يظهر أنَّ الذكور انتهوا فلم تبق إلاَّ سيوفهم. فقد كان بوش خارجاً لتوه من قتل مليوني عراقي وتشريد أضعافهم. وتحطيم كل النخوة العربية فوق رؤوس أصحابها. وفي الديوان الملكي شرب فنجاناً من القهوة العربية الأصيلة على صحة كل المغتصبات والأرامل واليتامى. أليست تلك مراقصة ميلودرامية انتهت إلى ما انتهت إليه؟
وعودة إلى اوباما فقد ورط آل سعود في حرب اليمن منتظراً فشلهم الأكيد. ومن حين لآخر يضغط عليهم استدراراً لمليارات وتريليونات من الدولارات. حتى ذهب الملك سلمان طوعاً إلى نيويورك لوضع بضعة تريليونات في خزينة أمريكا. ذلك تحت بند الاستثمار الأمريكي في المملكة. ولا نعرف كيف لدولة أن تذهب طلباً للاستثمار من المستثمر في بلدها؟!! بدلاً من أن يحدث العكس كحال كل البلاد المحترمة. وأن يتم ذلك بناء على مناقصات ودراسات اقتصادية دقيقة. ولم تقل المملكة حينذاك أية قطاعات صالحة لاستثمار أكبر قوة عسكرية في العالم.
فعلاً بدت أنَّها كانت إتاوة سعودية باسم الاستثمار. والدليل أنها لم تحُل دون قانون جاستا لمقاضاة المملكة السعودية على خلفية أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ففي عهد أوباما خرج القانون من الكونجرس الأمريكي. قيل إن الرئيس عارض القانون لكنه أُقر في النهاية لاصطياد المليارات والتحفظ على الودائع والمدخرات. وبدت المراقصة شيقة وشبقية على الملأ فوق مسارح دولية. وبدا الأمريكيون عراة يراقصون عراة أمثالهم.
ترامب المتحرش بالنساء يدرك كل ذلك. وهو أيضاً المولع بحلبات المصارعة الحرة واقتناص الفرص للثراء الفاحش. لقد دخل بقبعة محاربة الإرهاب إمام مرشحة(هيلاري كلينتون) تبنت الجماعات الإرهابية صراحة. لكن يبدو أن هذه كانت قبعة الساحر البهلوان لتلقي مزيد من التأييد الاستثنائي. حيث توهمت العراق ومصر والجزائر وتونس أنه سيفكك بنية التنظيمات الاسلامية. فأرسلت له أنظمة هذه الدول باقات التهنئة وآيات العرفات لنجاحه المفاجئ في انتخابات الرئاسة. بل تسابقت في طلب زيارته لتلك الدول في القريب العاجل إحرازاً لقصب السبق(قشرة الموز مرة أخرى).
ومن دواعي المراقصة أنْ قال مقربون من النظام المصري إنَّ ترامب يتخذ السيسي قدوة ومثلاً أعلى يحتذى به!! وأنه ستكون هناك شراكة استراتيجية بين بلديهما لمحاربة الإرهاب الإخواني. وبمجرد توليه المنصب رسمياً سيوقع على قانون اعتبار الإخوان جماعة ارهابية محظورة. وليس هذا فقط بل نوه أحد مستشاري ترامب أنَّ ثناء السيسي على ترامب حينما التقيا بمقر الرئيس المصري بالأمم المتحدث قد أثر على الناخب الأمريكي لصالح ترامب!!!
أليس ذلك اختزالاً هزلياً للتحولات السياسية؟ هل أمريكا دولة بلا مؤسسات؟ فإذا بها تسمع كلاماً عابراً فيكون بمثابة ميزان الثقل لانتخاب رئيسها. كما أن خرافة تصويت الناخبين لصالح السياسة المصرية أمراً لا يقل سخرية من السابق. ألم يكن العكس احتمالاً وارداً إذا فازت هيلاي كلينتون؟ إنَّ العلاقات الخارجية للدول الكبرى إحدى أوراق الانتخابات. لكنها لا تقتنص الفرص كل الفرص.
أما فكرة أن السيسي هو المثل الأعلى لترامب، فهي إشارة تنتمي إلى جراب" أبو لمعة". شخصية الفشَّار والفهلوي في التراث الإذاعي المصري. حينما قال أمام الخواجة" بيجو" إن الرئيس روزفلت دعاه يوما ما لزيارة أمريكا في التوقيت الذي يروق له. فرد عليه الخواجة مذهولاً: أحدث ذلك فعلاً.. وهل ذهبت يا أبو لمعه؟ فقال له طبعاً يا خواجة ..هو أنا شويه في البلد ولا أيه. واستمر أبو لمعة قائلاً: وحياتك يا خواجة أول ما نزلت من الطائرة اصطف الأمريكيون بالجانبين. وقد أخذوا يتصايحون ويلقون تحياتهم وقبلاتهم تجاهي. فقال له الخواجة بيجو.. هل يعرفك الأمريكيون. فرد أبو لمعة واثقاً: أنا أشهر من نار على علم في أمريكا. لدرجة أن الأمريكيين كانوا يلوحون تجاه الرئيس روزفلت قائلين: من هذا الذي يسير بجوار أبو لمعة؟!!
المراقصة لون من الاستربتيز السياسي الفاضح. لأنَّها تجري بلا حوار عقلاني. ولا حتى أطراف متكافئة. كيف إذا راقص الأسد غزالاً؟ هل لجمال الأخير ولمكافئته أم ليكون أول الفرائس المتوقعة؟ قديما قال شاعر العرب: إذا رأيت نيوب الليث بارزةً...فلا تحسبن أنَّ الليث يبتسم. هل سيتعلم العرب من الثعابين. إن لم يتحولوا إلى ثعابين. لكي يفهموا قول الأفعى للفلاح الذي نقض العهد محاولاً قتلها: كيف أعاهدك... وهذا أثر فأسك!! حيث أخطأ الضربة لتترك فأسه شجاً على ذيلها.