نبذ الحداثة أم المساهمة فى تطويرها؟

سمير أمين
2016 / 11 / 13


يئول نقد مفهوم ثبات الثقافة وكذلك مفهوم الاصالة الذى تناولناه فى المقالين السابقين الى فتح نقاش موضوع ذى الاهمية المركزية، ألا وهو ما العمل المطلوب فى الظروف الراهنة؟

أبدأ بالتآكل الذى طرأ فى مجال التحالفات الاجتماعية، وأشكال التوافق التى رافقتها فى مرحلة التوسع الرأسمالى خلال العقود التى تلت الحرب العالمية الثانية. ودون العودة الى تفاصيل التطورات التى أدت الى انهيار النظم المعتبرة (دولة الرفاهية فى الغرب، السوفيتية فى المنظومة الاشتراكية، الدولة الوطنية المستقلة ومشروع التحديث فى العالم الثالث)، أزعم أن هذا التطور قد أدى الى ترجيح ميزان القوى لمصلحة رأس المال الذى تحرر من جميع القيود المفروضة عليه نتيجة معادلات القوى للمرحلة السابقة. وفى هذه الظروف الجديدة تستهدف استراتيجيات رأس المال اخضاع الجميع لمقتضيات مشروع أعتبره طوباوياً بسبب طابعه الأحادى الجانب، اذ ان مفاده هو فرض منطق الربحية المالية فرضاً مطلقاً دون اعتبار آخر.

وانطلاقاً من هذه الفرضية كنت قد توصلت الى أن هذه الاستراتيجيات تستهدف هدفين اثنين متكاملين، هما تعميق العولمة الاقتصادية، أى سيادة السوق عالمياً وتدمير قدرة الدول والقوميات والشعوب على المقاومة السياسية. وألخص هذه الاستراتيجيات فى مقولة بسيطة مفادها ادارة العالم كما لو كان سوقاً الأمر الذى يتطلب بدوره تفكيك القوى السياسية الى أقصى حد ممكن، حتى يكاد مرادفاً لتدمير سلطة الدولة تدميراً كاملاً. ولذلك يستهدف الاستعمار تفجير الدولة الوطنية لمصلحة جماعات أخرى تحت أو فوق وطنية، من خلال تشجيع الاحساس بالتضامن الاثنى أو الدينى، حقيقياً كان هذا التضامن أو وهمياً فالأمثل بالنسبة الى الاستعمار الحديث هو وضع يتسم بتلاشى سلطات جميع الدول حتى تنفرد الولايات المتحدة بالتحكم عالمياً فى مجال السياسة بينما تنحصر السلطات الأخرى فى وظائف متواضعة تخص مباشرة ادارة السوق يوماً بيوم. أزعم أن هذه الاستراتيجيات الأمريكية تنكر حقوق جميع شعوب العالم ومصالحها، فلا تنحصر فى أطراف المنظومة، بل تشمل أيضاً أوروبا. ففى هذا السياق ينظر الى مشروع الاتحاد الأوروبى نظرة مخفضة، تجعله ادارة مشتركة لسوق مندمجة، لا غير، كما ينظر الى أوروبا الشرقية والجنوب شرقية على أنها مرشحة للتفتيت الى دويلات عاجزة (وهذا هو الهدف الذى يكمن وراء تفكيك يوجوسلافيا والاتحاد السوفيتى وروسيا). وتوظف شعارات ديمقراطية وحقوق الشعوب من أجل اضفاء مشروعية على هذه الأهداف، وتدعيم القوى النابذة، علماً بأن التفتيت المحقق يفرغ الديمقراطية من مضمونها، ويجعلها عاجزة أمام آليات السوق، وهو المقصود. هكذا يوظف خطاب الخصوصية لمصلحة هذا المشروع الاستعمارى الأمريكى. تجد نظرية »صراع الثقافات« مكانها فى هذا الإطار ويعلم الجميع أن صاحب هذه »النظرية« التى لا تنحصر فى الاعتراف بأن هناك ما يبدو عليه »صراعات ثقافية« بل تدعو اليه. أقصد الأستاذ هنتنجتون، موظف مشهور فى خدمة وكالة المخابرات الأمريكية. ثم يقدم الكاتب الأمريكى بديلاً ليحل محل الصراع بين المصالح التى تمثلها سلطات الدولة، ألا وهو »الصراع الثقافى« باسم التعارض الأصلى الذى يدعى أن تتصف به الثقافات. لماذا؟ ومنذ متى؟ ألم تكن الحروب الأكثر دموية التى تمت حتى الآن قد نشأت عن صراعات داخل الأقاليم الثقافية نفسها؟ بين بريطانيا وفرنسا فى القرن الثامن عشر، بين المانيا وغيرها من الدول الأوروبية فى القرن العشرين، بين الصين واليابان؟ ثم اذا اخذنا فى الاعتبار ما سبق تحليله حول الخطاب الثقافوى الاستعمارى الغربى التمركز، لأصبح من الواضح أن تشجيع النزعات الثقافية قد صار أداة من أدوات الاستراتيجية الامريكية فى المرحلة الراهنة.

لئن أثبتت الحوادث واقع أهمية النزاعات الاثنية والدينية فى عالمنا المعاصر، فهل تتعارض هذه النزاعات مع استراتيجيات الاستعمار أم تفيدها؟ علماً أيضا أن مجرد انتشار نزاعات من هذه النوعية لا يعنى أنها ناتج طبيعى و موضوعى بسبب الصفة الطبيعية المزعومة للتناقض بين الثقافات، ولا أن القوى التى تحركها سوف تستمر بالضرورة تحتل مقدم المسرح. وقد سبق أن أبديت تحفظات فى هذه الأمور؛ فليست الدعوة باضفاء الأولية »للخصوصية« مطلباً ينبع تلقائياً من حركة الشعوب، كلا، نرى فى معظم الحالات أنها مطالب نشأت فى أوساط حاكمة مأزومة، أو فى مجموعات تميل الى الاستيلاء على الحكم، ونرى مفيدا الامتناع عن تعبئة الجماهير على أساس العولمة الاستعمارية. وبالتالى فبدلاً من أن تطرح برنامجاً اجتماعياً واضح الملامح، تركز على أهداف أخرى مثل التطهير الاثنى، أو تطبيق ما نعلنه عن جوهر مبادىء الدين، وهى جميعاً أهداف لا تهم الاستعمار ولا تمس مصالحه.

وبالتالى ليس من الغريب أن القوى السياسية التى تلجأ الى شعارات الثقافوية من نوعية أو أخرى، تظهر بقوة فى المناطق التى تعانى من أزمة فريدة فى احتدامها، وفى المناطق المهمشة فى المنظومة العالمية الحديثة.

وعلى العكس من ذلك نرى المجتمعات التى تواجه تحدى العولمة بقدر من الفعالية لا تلجأ بشكل أساسى الى خطاب الثقافوية. بصفة عامة نرى فى المجتمعات الصاعدة التى لا تخضع لسلطان العولمة غير المقيدة، والتى لاتخضع كلياً له، أن الثقافوية لا تحتل فيها مقدم المسرح الايديولوجى. فهذه المجتمعات تعيش بالفعل تحولات تجعلها عناصر فعالة فى صنع العالم. وبالتالى لا تتساءل عن هويتها أو خصوصياتها بل تقبل تطوير اياها دون مانع ولا خجل. هذا هو وضع الصين على سبيل المثال ذ بيد أن هذه المرونة فى شئون الخصوصية لم تؤد هنا الى وهن الوطنية ذ بل على العكس من ذلك يتم توجيه الوطنية فى هذا الإطار ضد العدو الحقيقى الرئيسى، الاستعمار ذ هذا بينما الدعوات الملحة للاعتماد على أشكال من التضامن الاثنى أو الدينى، أو الطائفى فى البلاد التى تعانى هيمنة الخطاب الثقافوى هى دائماً موجهة ضد شعوب أخرى لا تختلف فى وضعها فى المنظومة العالمية ذ فلا يمانع أصحاب هذه الدعوات للثقافوية او للتعصب الطائفى أو الدينى من أن يتحالفوا مع القوى الكبرى ذ ولا سيما الولايات المتحدة ذ ضد عدو يعتبرونه العدو الأساسى. وهو فى معظم الحالات الجار الخارجى أو الداخلى الضعيف. وثمة أدلة متعددة توضح واقع مناورات الاستعمار الذى يحرك التيارات الثقافوية أو على الأقل يستفيد من مواقفها.

لسنا هنا بصدد نقاش خصوصيات مختلف الثقافات السائدة فى العالم المعاصر، ولا تاريخ وجودها، ونسبية تلك الخصوصيات فى موازاة عمومية اتجاهات التطور العام للمجتمعات، ولا بصدد نقاش ما قد حصل من تحولات فى المجال الثقافى على أثر انتشار الرأسمالية. وذلك لسبب بسيط ألا وهو أن التباين بين المراكز والأطراف فى المنظومة العالمية، لا ينبع بالأساس عن الاختلاف الثقافى. فالمعيار الذى يقوم عليه هذا التقسيم هو معيار اقتصادى لا ثقافى. فاليابان غير الغربية تنتمى الى المركز وأمريكا اللاتينية الى الأطراف، بالرغم من مسيحيتها وثقافتها الأوروبية. وأزعم أن هذا التقسيم هو الذى يلعب الدور الأساسى فى تحديد أهم التحديات التى تتصدى لها الشعوب فى عصرنا، واذا كان اهتمامنا الرئيسى هو توضيح شروط تبلور استراتيجيات تفيد المصالح الشعبية، فان من الضرورى الانطلاق من التناقضات التى يتسم النظام بها. ليس الغرض من البحث طرح استراتيجيات عامة من أجل التحرر. اذ ينبغى أن توافق هذه الاستراتيجيات الظروف الملموسة الخاصة بكل مجتمع فى مرحلة محددة من تطوره. ولسوف أكتفى فيما يلى بطرح أكثر تواضعاً ينطلق مما سبق من تحليل. وفى هذا السياق أقترح أن تدور المناقشة حول النقاط الأربع التالية، وهى النقاط التى يتمحور حولها ما يبدو لى أهم التحديات الحقيقية التى تواجهها الشعوب فى الظروف الراهنة.

أولاً: اشكالية »السوق« تتسم المرحلة الراهنة بهجوم عام تقوم به قوى اليمين، ويستهدف اطلاق الحرية لفعل »الأسواق« والمقصود بالأساس هو اطلاق حرية التحرك للشركات العملاقة المتعددة الجنسية.

بيد أن تفوق رأس المال على القوى الاجتماعية الأخرى لم ينتج رواجاً اقتصادياً، بل دفع النظام فى تأزم مزمن. يثبت ذلك الطابع الطوباوى للفكرة التى تقوم الليبرالية عليها، أى فكرة قدرة الأسواق على أن تنتج من تلقاء نفسها التوازن الاقتصادى والنمو. فالمطلوب هو تأطير عمل الأسواق بواسطة تقنين اجتماعى تتجلى فيه مصالح الطبقات الشعبية، أى بعبارة أخرى تحديد شروط تسوية اجتماعية خاصة بالمرحلة، وقائم على تطوير ميزان القوى لمصلحة الشعوب، الأمر الذى يفترض بدوره تحديد سياسات اقتصادية واجتماعية تستهدف أهدافاً مرحلية ملموسة وحيوية بالنسبة الى الجماهير الشعبية، ومن الواضح أن الدولة الوطنية هى الإطار المناسب من أجل تبلور مثل هذه المشروعات وتنفيذها.

ثانياً: اشكالية »العولمة« فالسمة الثانية الرئيسية التى يتسم بها النظام الحالى هى تغليب المصالح التى تعمل على صعيد عالمى (الشركات المتعددة الجنسية) على المصالح الأخرى التى تنشط تقليدياً فى الاطار الوطنى بالأساس، الأمر الذى يمثل بدورة عائقاً اضافياً فى سبيل فعالية عمل التسوية الاجتماعية فى الاطار الوطنى.

وقد اثبتت تجربة المؤتمرات الدولية التى انعقدت خلال العقود الاخيرة استحالة اصلاح النظام انطلاقا من القمة. فليس ثمة بديل عدا تدشين الحركة انطلاقا من مبادرات على مستوى الدولة الوطنية حتى تجرؤ هى ان تضع قيودا على نشاط الاحتكارات المتعدية الجنسية ومن ثم تفرض شروط مساهمتها فى العولمة تلائم مقتضيات انماء مشروعها الوطنى المستقل.

ثالثاً: اشكالية الديمقراطية يبدو لى واضحاً أن تقدماً ملحوظاً فى مواجهة التحديات الموصوفة فى الفقرتين السابقتين لن يتحقق فى غياب تدعيم الديمقراطية فى مصلحة الطبقات الشعبية قطرياً، وشعوب الجنوب فى مجال العلاقات الدولية. هنا أيضاً لا ريب أن غياب الديمقراطية فى واقع تجارب الاشتراكية التى قامت بالفعل، وفى تجارب الوطنية الشعبوية، قد لعب دوراً سلبياً مدمراً أدى الى انهيار هذه التجارب، فوقف عائقاً صلباً فى سبيل تطوير هذه التجارب وتجاوز حدودها التاريخية. ولكن من الجانب الآخر، من الواضح أيضاً أن الديمقراطية البورجوازية كما نعرفها لا تمثل نهاية التاريخ، وأن انحصارها على المجال السياسى يمثل بالتحديد حدودها التاريخية. فالمطلوب اذن هو تطوير الديمقراطية وتدعيمها بالوسائل التى تضمن احترام مجموعة من الحقوق الاجتماعية مثل الحق فى العمل والضمان الاجتماعى، حتى تصبح وسيلة مشاركة العاملين فى أخذ القرار الاقتصادى على جميع المستويات من المنشأة الى الدولة الوطنية. فالعلاقة بين اشكالية الديمقراطية وتطوير أساليب تأطير السوق هى علاقة وثيقة حتى يتعذر الفصل بينهما.

رابعاً: اشكالية التعددية الثقافية والقومية تأتى هذه الاشكالية تالية، أى بعد حل معضلة الاشكاليات الأساسية الثلاث السابقة، ذلك لأن العنصر القومى أو الثقافى لا ينتج فى حد ذاته نتائج مستقلة عن الاجابات التى يقدمها المجتمع فى مجال تأطير السوق وتطوير الديمقراطية وفرض شروط تقييد العولمة.

يقع هنا خلل جوهرى مع التيارات الثقافوية بالتحديد، مع ملاحظة أن هذه التيارات تمتنع دائماً عن الاجابة على التحديات الحقيقية الموصوفة فى النقاط الثلاث السالفة الذكر.

وتتمتع القوى الديمقراطية والتقدمية بهوامش من حرية التحرك فى كل هذه المجالات، وتختلف سعة من قطر الى آخر لدرجة أنه يتعذر كتابة »وصفة« عمل تلائم الجميع. علماً أيضاً بأن الوسيلة الوحيدة التى يمكن من خلالها توسيع هذه الهوامش انما هى دفع النضال الاجتماعى الى الأمام.