أثر الجنس في العقل الباطن للسارد قي رواية -آخر الحصون المنهارة-

رائد الحواري
2016 / 11 / 12

أثر الجنس في العقل الباطن للسارد

الراوي وضع مقدمة للرواية تتحدث عن موقفه من عائلة "نسيم" والتي قال فيها : "نسيم يريدني ثورا في مزرعته، وسارة تريدني فحلا في فراشها، ودوريت ترفضني بكلتي، ودوف أيضا لا يخلو من نزوات، فهو لم يكن يتقبلني بدرجة كافية، إلا وهو مأسور بسلطان الحشيش، والبقية من الناس يريدون أن أطأطئ رأسي ساعة يمرون من أمامي" ص152 هذا القول الذي يجمل موقف "بشار" من عائلة "نسيم" لا يتوافق وموقف "دوف" من "بشار" فهو الأقرب إلى الإنسانية، ووضعه في ذات الخانة التي وضع فيها أفراد العائلة غير سليم، لا يتوافق وذلك الدفاع والحرص الذي أبداه اتجاه "بشار"، لكن ما الذي جعل الراوي يضعه في ذات الخانية؟، هل نظرة الراوي السلبية أتجاه اليهود؟، هذا يتنافى مع ما جاء في من سرد للأحداث، فالراوي كان منصفا تماما "لدوف" وكان موضوعيا عندما تحدث عنه، والذي يتتبع طريقة تعامل "دوف" مع "بشار" يجده كان يقف إلى جانبه، في كافة المضايقات التي قامت بها "دوريت" وصديقها "شالومي" وقد كان متواضعا عندما كان يزوره في حجرته ويلعب معه الشطرنج، وهذا ما يجعلنا نتوقف عند موقف "بشار" من "دوف" ولماذا جعله يضع "دوف" في خانة السلبيين.
أعتقد أن ما قام به "دوف" وصديقته "كوخافا" من ممارسة الجنس أمام "بشار" والذي مهد لتقبله للمارسة الجنس لاحقا مع "سارة" وتطور الأمور إلى أن تكتشف "دوريت" الأمر وتقوم بتهديده بالقتل إذا رفض القيام بما تأمره به، ومن ثم موتها بين يديه هو يحاول أن يمنعها من الصراخ، كل هذا جعل الراوي يضع "دوف" الذي مهد ـ بطريقة غير مباشرة ـ إلى تطور الأحداث سلبيا، ومن ثم قلب الحالة الطبيعية ـ نسبيا ـ إلى ما هو سيء جدا، كل هذا جعل الراوي يضعه في خانة السلبيين، الذي اسهموا فيما وصل إليه.
الصور الفنية
في رواية "آخر الحصون المنهارة"
مشهور البطران

قدرة الراوي على رسم مشاهد استثنائية للأحداث تمنح النص رونقا أدبيا، مما يجعل المتلقي يستمتع أكثر بالعمل الأدبي، فالصور الفنية تمثل الفاكهة التي نتناولها بعد وجبة دسمة، ولهذا يكون لها تأثير خاص على القارئ.
الراوي يقدم لنا العديد من هذه الصور، فعندما يتحدث عن موت الأب وأثر ذلك على أمه يقول: "أن جرح أبي ما زال أخضر في ذاكرتها" ص12، ومثل هذا التصوير الذي يستخدم الفاظ بيضاء "ما زال أخضر" في التعبير عن مأساة سوداء، موت الأب، يشير إلى ما يحمله الراوي من مخزون ايجابي وعلى الأمل الذي يطغى على نظرته للحياة. ـ رغم بؤس الحال ـ
وعندما يحدثنا عن موقفه/سلوكه أثناء خضوعه لتهديد "دوريت" بالاقتراب منها لمداعبتها جنسيا وهي تمسك المسدس، رسك لنا هذا المشهد، " بدأت أجوس بأصابعي الراجفة على الجسد المرتبك في مهمة عسيرة أشبه بعبور حقل من الألغام لا احد يدري متى ينفجر، وعبرت لحظات عصيبة انتهت بارتخائها بين يدي وبدأت أنفاسها المحمومة تزفر لذة مريضة" ص83، استخدام لفظ "حقل الغام" يتماثل تماما مع حالته، فأي خطأ منه يمكن أن يؤدي إلى الموت، فكانت اللفظ موفق تماما، ويعمق الفكرة التي أراد طرحها، وعندما تحدث عن الانفراج في سلوك "دوريت" "تزفر لذة مريضة " أيضا كانت متماثلا مع وضعيتها، فهي كانت تعيش حالة من الصراع بين الانتقام من "بشار" وما تعيشه من لذة، ولهذا جاء وصفها بهذا الوصف.
وبعد أن تموت "دوريت" بين يديه ويعرف بأنها فارقت الحياة، وصف لنا حالته بهذه الصورة، "وتراءت لي الدنيا على رحبها كسجن كبير يبتلعني في جوفه المظلم، وتحولت حجرتي إلى وحش فاغر فاه يكاد يلتهمني في كل لحظة" ص84 و85، جعل الدنيا، والتي تعنى الحياة والجماد والحالة النفسية والمادية بهذا الضيق يشير إلى الأزمة العميقة التي يمر بها الراوي، وعندما وصف الحجرة بالوحش كان يوضح حجم المأساة التي وقع فيها.
وعندما تبدأ عملية التحقيق معه، نجده بهذا الوضع، "..مكث لحظات هو مستغرق في التفكير، حتى خيل لي أنني كنت أسمع هدير أفكاره وهي تتخابط في رأسه" ص103، بهذه الصورة يمكننا أن نعرف وقع التأثير الذي أحدثه المحقق على الراوي، فرغم أنه كان يتأمل "بشار" أنه أن هذا التأمل كان له تأثير قوي وعنيف علليه.
وعندما تقوم المحققة التي أخذت صفة "المرشدة الاجتماعية، في مداعبة "بشار" الذي كان يشك بدورها، وصف لنا حالته بهذه الصورة، "...أنفاس حارة تتدفق من فمها الكرزي، يدها الأخرى تمتد إلى صدري، تيار كهربائي مرعب يلسعني قادما من نهايات أصابعها المدببة الرفيعة، ...تمهل وانظر جيدا في تينك العينين، أي بحر عميق وراء هذا الاخضرار، وأي نار حارقة تخالط هذه الأنفاس، لا تسقط في البحر، لا تدع النار تلتهمك"ص116، مشهد يوضح حالة الصراع بين الرغبة بهذا الجسد الناري، وبين الخوف من أن يكون الخوض به يكشف أنه قد قام بهذا الفعل مع "دوريت" من هنا كان استخدام لفظ النار والماء، كحالة الصراع بين نقيضين، بين ما يريده الجسد، وما يريده لعقل.
وعندما يتم مطاردة "بشار" من قبل "بنوعام شالومي" وينزوي في مختبئا عنهم يكون بهذه الصورة، "تمضي الثواني مسربلة بالخوف والجنون والقنوط، وتنتهي الشمس رحلة الألف عام، ..وما بين اليوم والغد ثمة حبل مشنقة يتدلى من عنق الليل يتأرجح من ضربات الرياح العاتية، ولكن في المنعرجات الشائكة ثمة بصيص أمل ينسرب من القلب الغاص بالمرارة" ص125، مثل هذه الصورة التي توضح ما يمر به الراوي من الحالة النفسية، تجعل المتلقي يشعر/يعيش الظرف القاسي والصعب الذي يعيشه "بشار" وهذا يجعله يتعاطف/ينحاز لموقف الراوي.
الحكم
الراوي يضع بين ايدينا رؤيته لواقع الكتابة فيقول عنها: "ـ ليس ثمة طعم للكتابة في غياب الحرية" ص146، كتأكيد على أهمية الحرية للكاتب.
وعندما يحدثنا عن محاكمته من قبل دولة الاحتلال التي تنحاز بشكل دائم ومطلق لليهود بقول: " من هو في موقع القوة يستطيع أن ينعت خصومه بالأوصاف التي يريدها، وما على الآخرين إلا أن يصدقوا ويصفقوا" ص148.
يتحدث محامي "يشار" أمام المحكمة بضرورة الجمع بين سلوكيات الإنسان فيقول عن "بشار": "إن من يرفض أن يسرق أموال الناس من الطبيعي جدا إلا يسرق حياة الناس" ص156.

التأثر بالقرآن الكريم
في رواية
"آخر الحصون المنهارة"
دائما تضمين النص الأدبي آيات قرآنية يخدم النص ويفتح أبواب أمام المتلقي لينهل من جمالية القرآن اللغوية والتصويرية، أول ذكر جاء للقرآن الكريم من خلال مشهد العمال وهم يتزودوا بما يحتاجونه قبل الذهاب إلى العمل "...وما أن ختم المؤذن تراتيل الفجر حتى بدأت أقفال المحال التجارية تقرقع، وانبعثت الحياة في الأزقة الخاشعةـ وعبق الجو برائحة الفلافل المقلي على صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد هو يرتل قرآن الله في الفجر بصوت عذب مغسول بندى الصباح" ص13، ما يحسب لهذا التناول الجميل القرآن الكريم أنه ربط بعث الحياة بعد ختم التلاوة، وكأن القرآن هو من نبه/أيقظ الناس ليقوموا لعملهم، للحياة، وهذا الأمر فيه شيء من الرمزية، التي تتمثل بربط الحياة والعمل بالنداء القرآني.
الصورة الجميلة الثانية ربط سماع القرآن برائحة شهية، رائحة الفلافل الساخن، وجعل الفجر نقي، صافي غير ملوث، وهذا الربط بين ترتيل القرآن والرائحة الشهية والصباح الجميل ما كان ليكون لولا وجود الباعث الأول، المحرك لكل هذا الجمال القرآن الكريم.

بعد هذا الاستمتاع بالقرآن الكريم لا بد أن يترك الفكر الديني أثرا على المستمع، الذي استمتع وتلذذ وشعر بالنشوة والجمال والفرح، فالراوي الذي حدثنا عن القرآن الكريم نجده قد تقدم من الفكر الديني وأخذ يحدثنا بألفاظ وصورة منتقاة من الأحاديث النبوية فيقول عندم شاهد الجمال فلسطين الطبيعية قال: "...بيت جميل غارق في الخضرة، تكتنفه من كل الجهات حديقة أشبه بغابة ورود، فيها من الأزهار ما لم تراه عيني ولم تخطر بقلبي" ص15، فهذه العبارة تناص مطابق للحديث النبوي الشريف عن الجنة الذي جاء فيه، "ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر"، وهذا التعاطي مع الحديث النبوي يأتي عقب سماع الراوي للقرآن الكريم والذي يوكد على حالة الانسجام التي يعيشها الراوي مع نصه، فهو يتأثر بما يسمع ويشاهد من هنا جاء استخدامه للفكر الديني.
وعندما تشتد الأزمة على "بشار" بعد موت "دوريت" نجده يعيش في حالة صعبة جدا، فيستخدم أيضا التراث الديني للتعبير عما يمر به، فيقول: " يا إلهي، هل كل شيء سيعود طبيعيا؟ وهل ستشرق الشمس من مطلعها كعادتها كل صباح" ص89، هذا القول يتماثل مع الفكرة الدينية الإسلامية التي جاءت من خلال قول الرسول (ص) عن نهاية الحياة الدنيا والتي يقول عن علامات الساعة الكبرى "خروج الشمس من مغربها" فحالة "بشار" الصعبة جعلها تتوازى مع نهاية العالم، التي سيتغير فيها مطلع الشمس، وهذا الاستخدام يشير إلى مقدرة الراوي على الاستفادة من التراث الديني لتعميق المشاهد والأحداث التي يريد طرحها.
وكتعبير عن الزمن الصعب الذي يمر به، يستخدم أيضا مقاطع من القرآن الكريم متعلقة بالزمن/بالوقت فيقول: "يمر الوقت بطيئا قاتلا كأنه عقارب تسيح على بطني، أغوص في لجة من أحاسيس غامضة ومتناقضة لا أعرف أيأن منتهاها" ص93، فلفظ "منتهاها" جاء في القرآن الكريم في سورة النازعات "{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44)، ومثل هذا الاستخدام الدقيق للتعبير عن الزمن الوقت، يشير عمق الثقافة الدينية عند الراوي ومن ثم انتقاء آيات قرآنية تخصب الفكرة/المشهد/الصورة التي يريد طرحها.
وعندما يبدأ التحقيق ويسمع "بشار" ما يتحدثون به من تحاليل عن طبيعة القاتل، يصف لنا تأثير ما يسمعه بهذا الشكل: "كانت أحاديثهم مثل شواظ نار تلهبني وتشيع التوتر في أعماقي فلا أقوى على سماع المزيد فأفر منهم لائذا بالصمت والواحدة" ص111، الجحيم الذي يعيشه الراوي جعله يتقدم من القرآن الكريم ويستخدم الفاظا جاءت في الآيات القرآنية، تتحدث عن جهنم التي سيلقى فيها الخاطئون، والتي جاءت في سورة الرحمن "يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ (35)، قدرة استثنائية على استخدام الآيات القرآنية التي تخدم الفكرة وتعمق الصورة المراد طرحها بصيغة أدبية رائعة.
عندما يتم الحديث بين "بشار" والمحققة عن الكتب التي يقرأها ويقول لها كتاب "الغريب" ل "ألبير كامو" ويشعر بأنه قد اقترف خطأ فادحا نجده يعبر عن هذا الخطأ بهذا القول: "في هذه اللحظة شعرت بأن أبواب جهنم فتحت علي" ص114، فهذا الموقف يلامس ما جاء به القرآن الكريم في سورة الزمر والتي تتحدث عن جهنم التي تفتح أبوابها "(70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا،
كل المشاهد الصعبة والقاسية والتي فيها ترقب الخطر القادم استخدم الراوي آيات قرآنية تتحدث عن جهنم، فهو يريد أن يوصل فكرة هول الحالة التي يمر بها، فجاء بالآيات القرآنية التي تتحدث عن يوم القيامة والجحيم الذي ينتظر الظلام.
الراوية من منشورات مركز أوغاريت الثقافي للنشر والترجمة، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2005