ثلاث لقطات للضد

توفيق أبو شومر
2016 / 11 / 11

إليكم هذه الصورَ الثلاثة الشائعة جدا، وبخاصة في مجتمعنا العربي، وفي مجتمعات أخرى تُشبهُ المجتمع العربي:
موظفٌ وديعٌ يعمل في دائرة حكومية خدمية، تقدم خدماتها للجمهور طوال أيام الأسبوع، هذا الموظف، يبتسم للجميع ابتساماتٍ وديعةً، تبعث في نفوس المراجعين الراحة والهدوء، وتُخفف عنهم ضائقة الانتظار، يحسُدُه زملاؤه على صبره وتجمُّله، فلا يُغضبه أحدٌ، ولا يُكدِّر صفوَه قولٌ مهما كان، لأنه يحوله إلى ابتسامة.
دائما كان يردد: ما أتفه مشاكل الحياة! وما أتعس الخصام!
كان حكيما، كحكماء الهنود، زاهدا كالمتصوفين، وكان زملاؤه يحسدونه على قدراته في إنجاز المهمات بأقل قدر من حرق الأعصاب .
أما الصورةُ الأخرى، فهي لأحد المدرسين، فهو مُربٍ حليمٌ، يُشغِف الآذانَ بحلو الكلام، ويسحر طلابَه بحلو الحديث، يستشيره جميعُ المحيطين به في أمورهم، فيصيب إذا تحدّث، ويفصل إذا حكم بين المتخاصمين.
أما اللقطة الثالثة، فهي لفتاة شابة، لم يمضِ على زواجها سوى موسم واحد، من مواسم الزيتون، تعمل في مؤسسة خدمية عامة، اعتادت أن تقضي كل صباحٍ أمامَ المرآة وقتا طويلا، في اختيار اللباس، والعطر، وتصفيف الشعر، قبل أن تذهب لعملها.
كانت تُضفي على عملها روح الأنثى، وكان كلُّ العاملين يحترمونها ويحبونها، وكانوا يرددون:
ما أسعد زوجها بها !
فهي في سحرها، تشبه أفروديت، وعشتار، وفينس!
اللقطات السابقة، هي الصور التي يراها الآخرون، أما الصورُ نفسها، ولكن بشكل مقلوبٍ ومعكوس، والتي لا يراها الآخرون للأشخاص الثلاثة أنفسهم، فهي الصور الحقيقية المخبوءة؛ إليكموها:
ما إن ينتهي دوامُ الموظف الأول الوديع، ذي الابتسامة الأخاذة الساحرة، حتى يبتلعَ، وهو في طريقه إلى البيت، كلَّ الابتساماتِ، والكلمات اللطيفة، ويحولها بفعل عملية هضم قسرية، بعد أنْ يُفرز عليها بعض السموم المختزنة في داخله، ويحولها إلى لهيبٍ لافحٍ، ينفثها في وجه أول من يقابله داخل باب بيته، فهو لا يفتح باب بيته، ولكنه (يفُضُّه) بعنف، تهرب زوجته من طريقه، هروب الطريدة من الصياد، أما أولادُه فيوَّقتون برامج وجودهم في البيت، بحيث لا يكونون موجودين ساعة وصوله، تجنبا لنقده اللاذع، وكلماته المسمارية.
أما الصغار، فينكمشون، ويبتلعون بسماتهم السابقة قبل وصوله!
فيشرع في الاحتجاج على النظافة، والأكل، ويوبخ الزوجة بعصبية، ويأمر الأبناءَ بالتزام الصمت والهدوء، ويهددهم بالقبضة واليد، ويضربهم بالحزام والعصا .
أما الصورة الثانية، صورة المربي الوقور، صاحب الرأي السديد، الذي كان يردد قول الإمام الغزالي:
"من كانت نشأته بالعنف سطا به القهرُ"
فما إن يدخل بيته، حتى يصابَ بالجنون، عندما يُضطرُ ابنٌ من أبنائه أن يسأله عما استغلق عليه من الدروس، أو يفشل الابن في اختبارات الأب، فأبناؤه يفضلون جهلهم بالدروس على سؤال أبيهم، لأنه يثور على جهلهم، ويستهجن ألا يفهم أبناؤه شيئا بسيطا، أليسوا هم أبناء العبقري الفذ، هذا المعلم البارع؟
أليس ذلك دليلا على غباء أبنائه؟
فكان أبناؤه يهربون من ألفاظه القاسية: يا غبي، يا جاهل، يا متخلفة!
أما الصورة الثالثة ، وهي صورة الفتاة الجميلة الوديعة الرقيقة، التي تمناها زملاؤها زوجةً لهم لأناقتها، فهي عندما تدخل البيت، تلقي في خزانة ملابسها، وعلى سرير نومها كلَّ النعومة والوداعة، والرقة، وتتخلص منها بسرعة البرق، وترتدي (الأفرهول) حين تدخل ورشة المطبخ، تُزيلُ طلاءَ أظافرها، وكريمات اليدين، بعطر البصل والثوم، وتُجفِّفُ الصحون، حينما لا تعثر على فوطة، في أفرهول المطبخ الذي ترتديه، وتشرع في إذابة المساحيق على وجهها بالأبخرة المتصاعدة من بخار طناجر الأكل، وتتحول من صورتها الجميلة، إلى امرأة المطبخ في انتظار وصول زوجها، الحالم بالورد والريحان!
الضدُّ، عند أمة العرب، وفي أمم كثيرة مقهورة جزءٌ رئيس من أجزاء النفس، يُخبأ في النفوس ولا يظهر أمام الآخرين، ولكنه يظهر عندما يخلو المقهورُ بنفسه، ويعودُ إلى بيته، كما أن للضد أصولا عربية مشهورة، فالشاعر العربي الأموي، جرير بن عطية الخطفى، الذي قال أروع أبيات الغزل، لم يعشق يوما، وكان قبيحا لا يُراعي أبسط شروط النظافة!
أما عن البحترى، فكان أروع الوصّافين، ولكنه كان أثقل الجُلساء ظِلَّا،وكذلك كان الجاحظُ، وبشَّارُ بن بُرد، وهذا غيض من فيض!