قراءة نقدية في كتاب -توهج الياقوت- للكاتبة اللبنانية أحلام الدردغاني

محمد طلعت
2016 / 11 / 11

يتصدر المشهد الأدبي الراهن فنا إبداعيا جديدا قوامه النثر دون النظم، ليطرح بطبيعة الحال-على الساحة- الحكاء العربي في حكاياته/ نصوصه النثرية التي حُرم منها الأدب العربي، لانحيازه للشعر (قديمه وحديثه). ليست حركة إحيائية بقدر منها حركة تجددية لها سماتها الجديدة وأساليبها المعبرة عن الواقع العربي المعاش بتفاصيل حوادثه وأيامه وخلجاته، ومن هذه النصوص النثرية الجديدة كتاب"توهج الياقوت" للمبدعة اللبنانية " أحلام الدردغاني"، صدر عن دار نشر البداية لسنة 2016م، القاهرة.

ثمة إبداع في نصوص"توهج الياقوت" مستوحاة بطانة الحكمة والوعي بمأزقية الواقع وعبثه وسمره وخيالاته ورؤيته للوجود على غرار نص قُسُّ بن ساعدة، وسجع الكهان وأساطير الأولين مرورا بفن المقامة والمنامة والنوادر الساخرة والحكايات الوعظية وأخبار العشاق والحمقى، والتحف النثرية لأبي حيان التوحيدي، والنوادر الجاحظية، لتعبر عن حاضر ملتبس مراوغ ببريق السرد النثري كفن راسخ يعبر عن مطلب نفسي يعيد تشكيل الدنيا وواقعها المريب من منظور أنثوي أراد حكاؤه أن يصوغ عالما جديدا برؤية مبتكرة.

وعليه فقد نهلت الدردغاني من منظومة النثر العربي ككل، وقامت بعملية حياكة حفنة من درر الصيغ والتراكيب اللغوية والاستعارات ما بين روح القديم وتوهج الحاضر، لتقدم نوعا مبتكرا يحسب لها. وعلى الرغم ما يحاول صناع كتاب "توهج الياقوت" من إيهام القارئ وتقديم الكتاب بصفته الشاعرة إلا أن "توهج الياقوت" فن يندرج داخل بوتقة جذر الفن النثري الذي قدمته الدردغاني خليطا إنسانيا بين روح القديم وثوب الحاضر الممزق في طوره السياسي والنفسي.

وعلى ذلك جاءت النصوص الخمسين لـ"توهج الياقوت" ملتمسة الواقع، وأحيانا متغلغة فيه سواء واقع سياسي أو اجتماعي، لينتج نصا أدبيا متفردا لبوح النفس البشرية في أزمتها المتعثرة في ماهية البحث، كما تقول الدردغاني على لسان الساردة:"أبحث خلف جدار العزلة عن كسرة خبز"، لتعلق عملية البحث على طلل المشهد الحزين لواقع محموم بالهذيان. حيث تقدم رؤية جديدة للحرب:" والحرب معزوفة تصدح كل صباح"، وهو تأريخ نسبي للواقع العربي واللبناني بشكل خاص في حربه التي اعتاد عليها العرب مع حديث القهوة الدافئة في كل صباح، لعله بهذا:" أن يهزم النصر الموت لسلالات تعشق المطر". رؤية ناعمة وخيالية للحرب والموت والهزيمة والنصر كي تؤسس حالة من اليقظة فوق جدران هذه الحروب: " تتنامى فوق جدارات اليقظة ". إذن نحن أمام رؤية متسقة مع الروح الناعمة الساردة في فضاءات الدردغاني.

تميل الساردة إلى جنوح –رؤيتها- نصوصها إلى ما تريد هي، لا إلى ما يريد النص أن يأخذها، وكأنها في حالة وعي كاملة بكل ما تسبب في تلويث واقعها الجميل والمتخيل والمشتهى، فعلى صعيد المشاعر الإنسانية اليقظة من حالة تحريم كل ما هو حلال في العالم العربي، تذهب الساردة في تعرية:" منعطفات محدبة تعرج بأذرع خشبية محفوفة بسلاسل محكمة.. حشود ضخمة تتكئ على عكاكيز الأمس... ذهول الأحداق صولجانها وعرشها صفقات أقزام وأعمدة صديد... تنثر الفوضى..."، في هذه التعرية لدونية الصفقة التي تتجلي في:"خضم واقعك العبثي... في وجود يزدري وجودك... وتزدريك كالعفن في سلال الوجود المهملة.. ". لتضع كل هذا في أزمة النفس المغتربة:" والغربة ائتزرت وشاح فرحها تلتهم الوافدين.. كأن الحياة ارتحلت وانزوي الدفء"،" بنيت على الرمل منفاي". وتتوج الوهج في نص عرافة إذ تخرج بحكمة من هذا البحث عن معنى جديد للحرية:" حيث لا فائدة ولا مكسب سأرمي النرد: "المستقبل يجذبني ضوءه، والواقع يثقلني ثوبه.. من أنا لأكون؟ عصفور في حقل، أم قيد وهم؟". لكنها حكمة العاجز المرتجى شفاعة أو دليل يقوده نحو حريته:" أيتها العرافة أصدقيني القول.. وامضي بي إلى نسائم من حرية ودعيني أرتع في حقول بغير قيود، أتنفس حياة ، إني أعشق الحرية"، أو في قولها:" متى تصدأ الأقفال وتشرع أبواب الحرية؟!". ولكن قد غاب عن الساردة أن الحرية حق يقتنص لا يُطلب.

وعلى مدار النصوص الخمسين في"توهج الياقوت"، كان ثمة صوت معبر عن ضعف وهزائم المشاعر الإنسانية، وما يدور في الذهن من قلق، وما تعج به الروح من شفقة على المصير الإنساني كما ورد في"نهر رحيق"،"فراغ"، "سربال الوحدة"، "على هامش الفصول"، " مجامر حريق". لتختتم الساردة نصوصها بحالة من:" غياهب وأقنعة"، لرفض الأقنعة التي تحطمت في " انكسار". لتؤكد الساردة على ثمة" شرايين هادرة"، إذ ترصد:" في ثناياه تنطوي أرواح ثائرة.. لن نتخاذل، لن نستسلم، لا مكان للضعف في ضعفنا..". لتضع حدا لنهايات هذا التوهج في" رتوش" النص الأخير أو قل العشاء الأخير على مائدة الهروب من النفس إلى النفس.!

تقافزت النصوص بين قمم التمرد من حيث الفكرة وصياغتها وخروجها من زمكنية الرومانسية التي غلبت على إطار النصوص العام. وعلى الجانب الآخر قد تعثرت النصوص في إتباع معجمية بعض المفردات والقوالب الفنية القديمة.

وعلى الرغم من ذلك، تبقى حالة التمرد في نصوص"توهج الياقوت"هي الأبرز، والصيغة الأعم التي صبغت الشكل والمحتوي لرؤية الساردة لعالمها، مع عدم الالتزام الفني الصارم بالقواعد النثرية أو بنهج خيالات المدرسة الرومانسية. وقد اتسقت النصوص بالواقع المعاش المتشابك في دواخل الحس الأنثوي للساردة ذات الصوت الأقوى والمعبر والواعي عن قضاياها الحياتية، فقد سجلت ورصدت كل ما يدور في نفس وقلب الإنسان من أفكار وخواطر ومشاعر وانفعالات ناتجة من إحساسها بمساحة وحدود الزمان والمكان في إطارية متخيلة مع التماسها بحافة الواقع.
هذه الواقعية لم تقدمها الدردغاني جافة أو نقلتها نقلا فوتوغرافيا، بل جاءت متقولبة بهيكل الجمالية الفنية مما أثرى العمل ككل. وأتاح للمبدعة أن تنتقل من بساطة الفكرة إلى تعميقها على مستوى القيمة الجمالية لمضمون النص، وبالتالي وسع هذا التعميق دوائر التأويل والتفسير.
بدا ذلك في عنونة الكتاب بـ"توهج الياقوت" ومن المعروف أن للياقوت توهجا خاصا يتميز به من بين الأحجار الكريمة والثمينة والنفيسة، فيتميز الياقوت بلونه الثابت، فلا يعكس ألوانا مختلفة عند تعرضه للضوء. يعكس فقط لونه /نفسه، ويتصف بالشفافية. فضلا عن الاختيار المنمق والعميق ذات الدلالات الكثيرة والموحية باختزال كم من الصور والتعابير في عنونة النصوص الداخلية. وليس بغريب أن تبدأ النصوص بـ"توهج الياقوت" وتختتم بـ"رتوش"، أي اللمسات الأخيرة لوضع الفنان رتوشه على لوحته. وما بين الياقوت والرتوش تلك الحالة من الوهج الذي بدأ بالتأكيد على صحة جوهر الياقوت بقوة وأصالة معدنه الكوروند:" كوروند أرجواني في عمقه أسرار" ثم تتوالي كشف وتعرية هذه الأسرار بثبات الياقوت المزركش بثمة رتوش يزين النفس وينقيها من الظل والرماد ببعض من العطر الذي يدوم.

كشف التنوع في النصوص الخمسين عن مدى القدرة الذاتية لارتقاء النص الأدبي ليصبح مصدرا للإدهاش من خلال لغة مكثفة موجزة بالرمزية لتوظيف مكونات العالم ما بين حلمه وتعاسته. سعادته وشقائه. كما عرضت هذه النصوص لوعة الخاطر وتدفق المشاعر، وإرادة الساردة وثباتها أمام كثافة الخيال ومعاناة اللاشعور، حيث اصطخاب أصوات الذوات الاجتماعية التي تتصارع سياسيا لتجميل العالم القبيح من حولها.

تقف النصوص الخمسين نصا تلو الآخر تحاكي أزمة المكان وتأثيره النفسي على الروح البشرية التي تسعي لمكان أفضل، فهي تخرج من الغرفة العفنة إلى شمولية المدى والطبيعة كمعادل للمكان الذي لا يحده جدران، فالساردة ترفض حدودية المكان الذي جسدته بمفردة"الغرفة "، وقد ذكرتها مرة واحدة على مدار النصوص الخمسين، ولكنها تغازل فضائية طبيعة المكان المفتوح، فتارة تغازل الساردة البحر، وتارة أخرى النهر. حيث ورد ذكر البحر عبر نصوصها (3 مرات)، والنهر ورد (5مرات)، لما يعكس تغلب النهر بعذوبته على ملوحة البحر، وهذا يؤكد على أن رغبة الساردة في اللاوعي في تحلية الواقع فتغازل النعومة. لكنها مغازلة بلا جدوى

ويتبقى مأزق النصوص في صوره الفنية سواء المباشرة أو الرمزية التي تشير إلى أفكار الدردغاني أو إلى شحناتها العاطفية والنفسية التي تقوقعت- أغلبها- داخل المعني المعجمي للمفردات المعبرة عن زمن ماض، وليس عن الآنية بزخم مفردات العصر الأكثر حيوية.
وعلى الرغم من نمطية المفردات التقليدية القديمة الآتية من عالم الزمن الرومانتيكي إلا أن هذه المفردات التقليدية شكلت سياجا نفسيا أحاط برمزية الأمكنة في نصوص"توهج الياقوت"، لتشكل عالما خاصا للدردغاني، لتقدم سردية فنية تحسب للفن النثري وقدرته على محاكاة الواقع وبثه رؤية جديدة تأخذ بيديه.

تغامر الدردغاني بنصوصها النثرية القيمة في التوصيف الذي طبع على كتابها باسم "قصائد من النثرية الشعرية". وهو اسم لقيط لا جدوى منه سوى التمسح أو محاولة إثبات نسب النص لكائن هلامي اخترعه ضعاف المواهب النقدية والإبداعية. تناقضية المسمى هنا تضرب نصوص الدردغاني في مقتل حيث تضعها في خانة التناقض. هذه النصوص قصيدة أم نثر، وأي شعر هذا الذي يجمع بين المتناقضين؟! النثر بيِّن والشعر بيِّن. كلاهما مبدع. ما جاءت به الدردغاني هو نصوص نثرية مبدعة، وإن اتخذت القالب الشكلي لتوزيع النثرية في ثياب الشعر الحر.
وعلى الرغم من سوء التنسيق وألوان الغلاف وحجم ونوع الخط والطباعة إلى باقي التجهيزات الفنية للنشر والتسويق التي ظلمت النصوص غاية الظلم.. إلا أن النصوص ومتنها تقف شامخة تعبر عن نفسها دون وساطة النشر المنمقة. ولا أعرف سببا لربكة التصنيف هذه التي اعترت صناع كتاب"توهج الياقوت"، فعلى صدر الغلاف -السيء- كتبوا "ديوان" وبالداخل كتبوا "قصائد نثرية شعرية"، فبدا الأمر على غرار "سمك لبن تمر هندي". هذا السخف والتهريج في التصنيف الأدبي مرده بكل تأكيد حالة "السبوبة" التي تغلب على أغلب دور النشر الحديثة التي يهمها في المقام الأول الحصول على المبلغ المالي الضخم دون التدقيق فيما تنتجه وتصنفه.

وأرى أن أزمة التصنيف الأدبي التي يقع فيها أغلب من يظنون أنفسهم نقادا أو ناشرين أو مبدعين، ترجع إلى سوء نية مبيتة لإفلاس الأدب العربي وتسطيحه في ظل غياب المعيار الموضوعي والنقد الحق. وأكرر، لا عيب أن نتخلى عن إقحام الشعر/ الديوان/ الشاعر على صدور إبداعتنا- حين يصعب التصنيف- فالإبداع الحقيقي وحده يصل بلا وصاية من أحد، والفن كفيل بأن يرسخ نوعه ومذهبه الجديد.

ويمكن القول، إن الكاتبة قد نجحت بمفردها، وصناع كتابها قد فشلوا في تقديمها.!