تعرية المحتل في رواية -آخر الحصون المنهارة- مشهور البطران

رائد الحواري
2016 / 11 / 10

تعرية المحتل في رواية
"آخر الحصون المنهارة"
مشهور البطران
من سمات العمل الأدبي الجيد سهولة تناوله من المتلقي، والاستماع بمادته اللغوية والفكرية، في هذه الرواية يمكن للمتلقي أن يلتهمها في وجبة واحدة، حيث تبدأ الراوية بالحديث عن الشاب "بشار" الذي تجبره الظروف ـ وفاة الوالد ـ على ترك/تأجيل الدراسة الجامعة والذهاب إلى العمل في فلسطين المحتلة عام 48، لتوفير متطلبات الأسرة ولتأمين اقساط الجامعة التي تم تأجيلها لحين تحسن أوضاع الأسرة المادية، يذهب للعمل في مزرعة عند عائلة يهودية ليبية، وهناك تبدأ الاحداث في التطور الايجابي، بعد ان ينقذ "بشار" حياة اليهودي "نسيم" بعد أن يصاب بوعكة صحية، والذي بدأ يفقد فحولته أمام زوجته "سارة" والتي تتخذ من "بشار" متنفس جنسي لها ولرغباتها الجامحة، "دوف" ابن "نسيم" شباب يخدم في الجيش يتعاطى الحشيش، يكفر بكل ما تقوم به دولة الاحتلال ويتسم بالطابع الإنساني، على النقيض تماما من أخته "دوريت" التي تعيش في حالة من العنصرية اتجاه العرب، رغم أنها عربية الأصل، لكن نظام دولة الاحتلال يعمل على تعميق هذه الفجورة بين اليهود والعرب، معتمد على مفاهيم توراتية تغذي هذه النظرة الفوقية.
تكتشف "دوريت" العلاقة الجنسية بين أمها "سارة وبشار" فتقرر أن تمارس ساديتها الجسدية عليه بعد أن تنفرد به في غرفته، وتخاطبه قائلة " أريد أن اغتصبك" ص83، وتقوم بتهديده بالمسدس لكي يخلع كامل ملابسه، وعندما تقترب منه وتطالبه بأن يقوم بما كان يفعله مع أمها يستطيع أن يجعلها تلقي المسدس أرضا، عندها تبدأ "دوريت" بالصراخ لكن كانت يد "بشار" تضغط على فهمها وأثناء محاولته كتم صراخها تفقد الحياة بين يديه، يقرر أن يذهب بالجثة إلى أحدى الحفر في القرية العربية المهجرة ويدفن الجثة، تأخذ الأجهزة المعنية في عملية البحث عن "دوريت" المفقودة إلى أن يتم كشف جثتها، وبعد ربط المعلومات يتم التعرف الفاعل، هذا ملخص لأحداث الرواية.
العناصر التشويق حاضرة في الرواية، حتى أن المتلقي يجد في نهاية الفصل الثاني "10" والفصل الثالث سرد لأحداث قصة بوليسية أكثر منها قصة نضال إنسان يعمل ليلبي احتياجات أسرته، في ظل دولة محتلة عنصرية، وهذه النقلة تحسب للراوي الذي غيرة وتيرة السرد، مما أعطا النص الروائي فضاء جديد مستخدما عناصر السرد والتشويق والترقب، وهذا ما جعلنا نقول: "أن الرواية يمكن التهامها في وجبة قراءة واحدة" فتعدد اساليب السرد، وتقديم احداث جديدة غير متوقعه، واستخدام عناصر التشويق يجعل المتلقي ينجذب للنص ويصر على معرفة نهاية الأحداث.
قبل الدخول إلى تفاصيل الرواية علينا التوقف قليلا عند اختيار الراوي لعائلة يهودية عربية ليبية، وليس عائلة غربية يهودية، فهذا الاختيار مقصود منه معرفة الكيفية التي يتم من خلالها بناء المجتمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، وهذا ما أكده الراوي عندما جعل "نسيم" الليبي يحدثنا عن الكيفية الي أجبر بها على ترك وطنه ليبيا والقدوم إلى أرض غريبة عليه، فالعائلة العربية الليبية اليهودية المحصنة بالفكر العربي المحافظ على حرمة النساء، يتم انهيارها أمام شهوة "سارة" والنظرة الدونية العنصرية التي زرعتها الدولة الصهيونية اتجاه العربي الفلسطيني أيضا يتم انهيارها أمام الشاب "بشار" الذي كان متألقا في عمله وأنيقا جذابا في هيئته.
الأب والأم
القليل من الكتاب يقدمون الأب بصورة ايجابية، ومنهم "مشهور البطران" فهو رغم أنه غيب الأب من خلال وفاته، إلا أن حضوره كان ايجابيا، يعطي الصورة الناصعة للأب، استذكار كلمات الأب المعطاء كان صداها ما زال مدويا في أذن "بشار" : " سأشقى إلى النهاية حتى أجنبك ذل العمل في إسرائيل" ص8، المتلقي لم ينتبه إلى أهمية هذا القول الذي جاء في بداية الرواية، ولم يلقي له بال، لكن بعد أن يذهب "بشار" للعمل هناك عند المحتل يعرف القارئ معنى هذه الكلمات، ويعرف حجم العطاء والمحبة التي يقدمها الأب لأولاده.
فهذا الأب المعطاء يذكره "بشار" لنا بعد أن يتم القبض عليه من قبل اجهزة الاحتلال بهذا الشكل: "كان أبي يخاف علي من نسمة الهواء، لم أسمع مكنه كلمة جارحة، كان يعمل من أجلب أن يوفر لي ولإخوتي حياة كريمة" ص150، إذن رب الأسرة الفلسطينية يعمل بكل طاقته الجسدية والعاطفية والروحية، ويجلد أمام الذل والتعب مقابل تأمين حياة كريمة لأسرته.
أما الأم التي تقدم بشكل شبه مطلق بصورتها الايجابية، يوكد الراوي على هذه الايجابية من خلال هذه المشاهد، "وفاة أبي أقسى ضربة منيت بها في حياتي، علقت في رقبتي مصير عائلة بلا سند إلا أمي التي تكابد على مكنة خياطة طول النهار، نها بحق أكثر جلدا مني في تحمل تبعات الوضع المأساوي" ص8، بهذا المشهد الأم تتحمل ضغط ـ عاطفي وجسدي ـ بعد فقدان الزوج، وتتحمل عبء اقتصادي يتمثل في تأمين متطلبات الأسرة، فهي تبدي قدرات غير متوقعة منها، قدرات مخزنة داخلها، لا تظهرها إلا عند الضرورة.
بعد أن يقرر "بشار" تأجيل دراسته الجامعية لتأمين مصاريف الأسرة وأقساط الدراسة، نجدها.. "جن جنونها كما توقعت" ص12، نحلل هذا الفعل، امرأة بلا زوج وبلا مورد اقتصادي، ومع هذا تنفعل وتغضب عندما يقرر ابنها القادر على العمل والانتاج ترك/تأجيل الدراسة، فهي تريد أن تقوم بالعبء الاقتصادي وحدها، لا تريد من أحد أن يساعدها، ويريد أن تكمل دور الأب الذي رحل، فأي عطاء هذا الذي تقدمه الأم؟
إذا تتبعنا ما ينشر من أدب، خاصة الأدب الروائي، نجد حضور الأم يلازم الراوي وقت الشدة، وقت الضغط الزائد عليه، هذا ما وجدناه في أدب السجون خاصة، فاستذكارها، أو حضور طيفها يخفف من وطأة الضغط الواقع على الراوي، وهذا الأمر أكده "بشار" عندما قال: "تراءت لي في لحظات الانتظار اليابسة كل محطات حياتي السالفة، وتربع وجه أمي في ذاكرتي على نحو مسيطر، وجه عابس لائم، كأني بها تقول: لماذا لم تتعظ بسيرة أبيك؟" ص130، إذن الأم شيء استثنائي في حياتي، لا يتكرر ولا يماثله أي شيء/إنسان آخر.
فلسطينية المكان والرمز
الصراع الفلسطيني الصهيوني يأخذ أوجه عديدة منها الصراع على الأرض، الأرض بالنسبة الكاتب فلسطيني مهمة جدا، ولا يمكنه تجاوزها، المرور عنها مرور الكرام، فهي من المقدسات التي يعظمها، هذا ما جاء في رواية "آخر الحصون المنهارة".
بعد أن يذهب "بشار" إلى الأرض المحتلة عام 48 ليعمل في مزرعة اليهودي الليبي يجد المكان الفلسطيني ما زال حاضرا وفاعلا ومعطاء، "على الأطراف البعيدة للقرية من جهة الشرق تتناثر أطلال بيوت عربية قديمة وشجيرات رمان وتين متناثرة وبقايا كروم لوز" ص15، إذن الأرض الفلسطينية رغم احتلالها ـ كل هذا السنوات ـ تبقى الفلسطينية نابضة وحية فيها.
بعد أن يتأخر إحضار الطعام "لبشار" ويبدأ الجوع ينهش معدته يجد خلاصه من هذا الجوع بما زرعته اليد الفلسطينية قبل قيام دولة الاحتلال، فالمزروعات الفلسطينية ما زالت تعطي ثمارها "هدني الجوع والعتب فاضطررت أن أذهب إلى كروم العرب القديمة وأكلت ما يسد جوعي من الرمان والتين والصبار" ص29، رغم أن هذا المشهد واقعي تماما، إلا أنه فيه رمزية في ذات الوقت، وكأن الراوي يقول لنا: "المستوطن الصهيوني يجوعني ويرهقني بالعمل، والأرض الفلسطينية تطعمني وتريحني"
وبعد أن يجد "بشار" المخمسية الذهب" والتي تحمل اسم "حليمة السفطي" يوكد فلسطينية الأرض، فأصحابها مازالت آثارهم حاضرة على الأرض وهم ما زالوا حاضرين، وبعد أن يتم البحث عن اسم "حليمة السفلي" التي يجدها تعيش في المخيم وبعد أن يعطيها المخمسية، أيضا أراد الراوي أن يكون هناك رمز محمول على الحدث الواقعي، فالمرأة العجوز التي تركت وطنها هربا من الموت تلقت بفرح غامر مخمسيتها، وكأنها تنتظرها، تعيش على اكمال فرحتها بالرجوع إلى ما أجبرت على تركه.
ومن الاحداث الواقعية التي تحمل الرمزية موت "دوريت" الذي تم في احدى المساكن العربية التي أجبروا على تركها، وأيضا مكان دفنها "مطمورة سبق لي أن رأيتها عدة مرات، ألقيت الجثة فيها" ص88، وكأن الراوي يقول بأن موت هؤلاء المستوطنين سيكون في بيوتنا التي أجبرونا على تركها، وسيدفنها في الأرض التي هيأناها.


الفلسطيني
الراوي يقدم لنا صورة الفلسطيني المثالي، الفلسطيني الذي يناضل على أكثر من صعيد، الفلسطيني الإنساني، الذي لا يقوى على ذبح حمامة، والذي يتأذى من نظرة، وتقتله كلمة، وتحيه ابتسامة، فهو إنسان مرهف العاطفة، معطاء، يعمل بجد واتقان، متفاني في كل شيء، هكذا كان "بشار" في رواية "آخر الحصون المنهارة"
فهو يقوم بعمله على هذا النحو، " أكملت العمل ذلك اليوم، .. وجدت الحجرة أفضل شأنا من الأمس، باشرت طلاء جدرانها من الداخل والخارج بما تبقى من كلس، وما أن هل المساء حتى صارت مثل حمامة بيضاء" ص27، فبعد أن أنعى يوم عمل لم يخلد للراحة، بل أكمل العمل في الحجرة التي سينام فيها، فهو مجد ويستمتع بما يقوم به، فعلاقته بالعمل علاقة حب، يعشق العمل، ولهذا وجدناه يصف لنا الحجرة التي كانت وكر للفئران والحشرات أصبحت "حمامة بيضاء".
اهتمام الفلسطيني لم يقتصر مكان نومه، فالعمل في الأرض أيضا يسعده ويجعله يشعر بالنشوة، فهو يعشقها ولهذا يعمرها، يزرعها بكل ما هو متاح أمامه، "..وزرعت في محيطها أحواض نعناع وأشتال ميرمية" ص28، رغم أن "بشار" يسكن في مكان ليس له، ويمكن أن يغادره في أي وقت ومع هذا نجده يهتم به، ويعمره بما هو متاح، وهذه اشارة إلى العطاء والاخلاص والانتماء الذي يتمتع به الفلسطيني.
وبعد أن تقتل "دوريت" غير قصد، بغير عمد، ويتم الحكم على "بشار" بالسجن ثلاثين سنة، نجده يتعاطى مع هذا الحكم بطريقة مذهلة، يرد بها على دولة الاحتلال وكأنه يركلها بقدمه من خلال هذا القول: "ـ لقد آن الأوان لكي أرمي ساعتي في المرحاض" ص159، بهذه الايجابية المطلقة كان "بشار" ومن قبله أبوه وأمه، وإذا ما أخذنا حديث "نسيم" عن جاره "يوسف" الفلسطيني: "طلبت منه طاحونة فلم يبخل بها، وفيما أهداني حمارا، كنت أركبه كل صبح،... إنني مدين ليوسف بحياتي، لولاه ربما قتلنا الجوع" ص62، إذن الفلسطيني ليس مجتهد في عمله وحسب، بل أيضا هو إنساني، كريم، معطاء، يقدم العون لكل محتاج.
اليهودي
يحدثنا "بشار" عن عائلة "نسيم جابي" التي عمل عندها بهذا الملخص: "نسيم يريدني ثورا في مزرعته، وسارة تريدني فحلا في فراشها، ودوريت ترفضني بكلتي، ودوف أيضا لا يخلو من نزوات، فهو لم يكن يتقبلني بدرجة كافية، إلا وهو مأسور بسلطان الحشيش، والبقية من الناس يريدون أن أطأطئ رأسي ساعة يمرون من أمامي" ص152، هذا رؤية "بشار" عن العائلة اليهودية التي عمل عندها وعن المحيطين به من اليهود.
احدى مشكلة الاحتلال أنه يربى اليهود على العنصرية، ينظرون إلى الفلسطيني نظرة دونية، رغم أن العديد منهم من عرب، يتكلمون العربية وربوا في مجتمعات عربية، كما هو حال "نسيم" لكن دولة الاحتلال تقوم بتخريب العقول والسلوك، فتجعل من اليهودي آلة قتل،
"ـ يا عربي
ـ اسمي بشار ويحسن بك أن تناديني بهذا الاسم
ناولتني الصحن ورمتني بنظر باردة وقالت:
ـ آمل أن لا احتاج أن أناديك مرة أخرى
ـ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا دعوتموني للعمل عندكم
ـ هذه هي المشكلة، أنكم شر لا بد منه" ص30، هذا الحوار ينم عن التربية التي تشكل العقل الصهيوني، فجولة الاحتلال مختصة في تحويل اليهود إلى صهاينة، تحويلهم من بشر إلى آلات، ليس لها أي علاقة بالإنسانية.
هناك مشهد آخر في الرواية يطلعنا على الكيفية التي ينظر بها الصهاينة إلى أنفسهم، فهم (السوبر) وغيرهم عادي، ولهذا يريدون حتى في الرياضة أن يفوزوا على الآخرين، فهم وجدوا للفوز وللنصر، لأهم خلق (سوبر) ليس له علاقة بالبشر،
"ـ كوخافا ما الأمر؟
ـ كارثة
ـ ماذا حدث بالضبط؟ أرجوك أخبرني
ـ هزم المكابي أمام الإيطاليين.
ـ وما هو المكابي؟
ـ إنه فريقنا القومي لكرة السلة
ـ وماذا يعني أن يهزم المكابي، إنها مجرد لعبة لا أكثر ولا أقل
ـ أنت رجل بلا قلب، لا تهمك هزيمة المكابي، المكابي ممنوع أن ينهزم" ص42و43، هذه العقلية التي تتحكم بطريقة تفكير اليهود الصهاينة.
رغم ما يحمله الصهيوني من تمجيد لذاته الصهيونية، والنظرة الدونية للفلسطيني، إلا أنه يمارس سلوك متناقض مع اليهودي عندما يتعلق الأمر بالمصلحة المادية، فنجده يضع مصلحته المادية أولا، ويتجنب التعاطي مع النظرة الفوقية مع الفلسطيني، يتحاوز "نسيم" وابنته "دوريت" حول تشغيل عمال يهود بدل العرب:
" ـ لا أريد أن أرى هذا العربي، قلت لك ألف مرة لا أريد عربا في هذا البيت
ـ كل العمال الذين استأجرناهم فروا من هذا البيت بسبك، أرجوك فكري قليلا إننا بحاجة إلى عامل.
ـ ليس بالضرورة أن يكون عربيا، ثمة عمال يهود.
ـ لقد جربنا العمال اليهود مرات عديدة، أنهم يتقاضون رواتب عالية مقابل القليل من العمل" ص24، من خلال هذا الحوار نستشف تدني انتاجية العامل اليهودي، وتفوق العامل الفلسطيني عليه، ومع هذا يحصل الفلسطيني على أجرة أقل من تلك التي يحصل عليها اليهودي، وهذا طبعا يعود للنظام العنصري الذي يعمل به في دولة تعيش على العنصرية.
الجنس وعائلة "نسيم"
تتكون العائلة من "الزوجة" سارة" ومن الابن "دوف" والابنة "دوريت"
الشاب "دوف" الأقرب إلى الإنسانية، فرغم أنه يخدم في جيش الاحتلال، إلا أنه يفتخر بأنه ليس بقاتل، لم يقتل أحدا، "...حارب في لبنان وخدم في الضفة والقطاع، لكنه فخور بأنه لم يقتل إنسانا طوال خدمته العسكرية" ص38، الراوي لم لك يكن يعمل على جعل الآخر سلبي بالمطلق، بل نجده يراعي الموضوعية، ويحدثنا عن الآخر بشكل مجرد، فهذا الشاب الذي يتوق للحياة والتمتع بها يكره الحرب وما تسببه من آلام للإنسان، فهو يريد الحياة:"ـ خراء على الجيش، خراء على الحروب، لا أريد أن أموت، لماذا يذهب هؤلاء المجانين إلى لبنان،... أتظن أن جنودنا يذهبون هناك ليحاربوا، إنهم يبادلون بنادقهم بالحشيش... وغزة، هذه المدينة البائسة لأي أمر يذهب إليها؟ طز في الأمن، أي أمن يتحقق جراء مطاردة أطفال في الحارات الموحلة؟" ص39، هذه المكاشفة التي يتحدث بها شاب يهودي يخدم في جيش الاحتلال تعري جيش الاحتلال، هذا الجندي لا يجد أي مبرر للعمليات الحربية التي يقوم بها، أن كانت في الضفة أو في غزة أو في لبنان، فالحرب بالنسبة له عبثية، تؤذي الآخرين دون مبرر، وهذا ما دفعه وغيره من الجنود إلى نهج سلوك غير سوي، تعاطي الحشيش، "دوف" يقر بهذا الأمر فهو يعيش على هذا التعاطي ويمارس الجنس مع "كوخافا" أمام "بشار" بدون أي شعور بالحرج أو الخجل، ".. يدخنان الحشيش ويتعانقان، فكنت أخجل وأغادر الحجرة فيمسك بي دوف من يدي ويقول:
ـ ابق هنا، ولكن تصرف وكأننا غير موجودين" ص41، لا يمكننا تعميم هذه الحالة على بقية جنود الاحتلال، لكن الراوي يقول لنا بأن هناك جنود مثل "دوف" يريدون الحياة وملذاتها، ويتصرفون على هذا الأساس.
الشابة "دوريت" صهيونية بامتياز، وتعيش في واقع عنصري بامتياز، فهي تمثل الجهة تربت على الفكر الصهيوني، ولهذا نجدها تعادي كل ما هو فلسطيني، ترفضه لأنه فلسطيني، وليس لأي سبب آخر، "...لم اكن في مأمن من شرها...أذهب من هنا أيا العربي. لا مكان لك بيننا. ووجدت حوض النعناع مخلوعا وأشتال الميرمية والزعتر مهروسة" ص45، هي لا تحمل افكار معادية للفلسطيني وحسب، يل تمارس هذا الأفكار على أرض الواقع، ولهذا وجدناها تقوم بتخريب الأشتال التي زرعها "بشار" وتكتب شعارات عنصرية في حجرته.
وبعد أن تعرف العلاقة بين أمها "سارة" و"يشار" نجدها تقوم بفعل غير سوي لكي تنتقم من "بشار"، تعمل على تعريته من ملابسه كاملة لاغتصابه بعد أن تهدده بالمسدس الذي تحمله، بحيث تقوم بممارسة الجنس بصورة سادية، وهذه الطريقة فيها تعذيب الطرف الآخر، وهي من تشير إلى حالة مرضية عند من يقوم بها، والمتعارف عليه أن الذكر هو الذي ـ غالبا ـ ما قوم بالدور السادي، تعذيب الأنثى، لكن تطرف "دوريت" والتربية العنصرية التي تحملها قلبت هذا الأمر وأرادت أن تقوم هي بدور الذكر.
الزوجة "سارة" امرأة في الأربعين، زوجها يعاني من مرض يجعله غير قادر على القيام بواجبه بشكل كامل كزوج، فتبحث عمن يلبي احتياجاتها الجسدية، فتجدها في "بشار" الشاب المترع حيوية، وتستغل فترة غياب "دوف ودوريت" في الجيش و"نسيم" في المستشفى أو عند الاصدقاء، وتبدأ تمهد لاستدراجه إلى جسدها البض، "...كانت تأتي بكامل زينتها، امرأة أربعينية تتألق في أردية شفافة، تشف عن جسد يفور بالعطر يجرد الإنسان من كافة الأسلحة التي يقاوم بها... تضع رجلا على لأخرى في حركة تغلف ظاهرها الصدفة البريئة.ـ هل تحب؟ هل عشت تجربة حب؟ هل كنت مع امرأة في فراش واحد؟" ص66، سرد طريقة الاستدراج التي مارستها "سارة" أراد به الراوي أن يشير إلى الطريقة التي تفكر/تتعامل بها العائلة اليهودية، فهذه الزوجة غير قادرة على جلد الشهوة داخلها، وتقوم بخيانة زوجها مع شخص من المفترض أنه ليس بمستوى/بمكانة ليهودي، فهو دون المؤهلات العرقية والدينية التي تجعله يقوم بممارسة الجنس معها فهي امرأة أرقى وأرفع مكانه منه، لكنها تسقط أمام شهوتها، وتقوم بما هو محرم أخلاقيا ودينيا وقانونيا، وهذا ما يتماثل وعنوان الرواية "آخر الحصون المنهارة" فحصن "سارة" منهار قبل قدوم "بشار" ويمكن أن تكون قد قامت بهذا الأمر مع عمال سابقين الذين لم يستطيعوا الاستمرار في هذا العمل، هذا الفعل.
يتعمد الراوي أن يحدثنا عن الطريقة التي استخدمتها "سارة" في الإيقاع بالشاب البكر الذي لم يعرف النساء، "قالت لي وعيونها الجائعة تكاد تثقبني:
ـ أليس في هذا الجسد ما يستحق النظر؟ تعال، يكفيك خداعا للنفس...سريرك مريح للحب.
وبدأت ترمي عنها القميص الناعم الخفيف، وبان صدرها المشبوب الذي لم يعرف الترهل له سبيلا
...وقد استطاعت بمهارتها وخفة حركتها أن تقلص ربع قرن من فارق السن وتحوله من جانبها إلى خبرة في ممارسة سيادتها وسلطانها اللامحدود على الفراش" ص67و68، القدرة على جذب الطرف الرافض المعارض/غير الراغب بالقيام بما يراد منه، يمكن أن يقبل ويؤيد ويحب وبرغبة منه عندما تحضر سلطة الجسد، وهذا من خصائص التي يمارسها الصهاينة، فهم أصحاب خبرة في التعامل مع الجنس، ويعرفون كيف يجذبون/يروضون المعارضين والرافضين لهم، وسارة تسير بهذا الدرب، وتعمل به، لتفريغ شهوتها الجسدية.
إذا ما تتبعنا سلوك أفراد العائلة "نسيم" نجدها تمارس الجنس بشكل غير سوي، "دوف" يمارسه أمام "بشار" وهو من يريده أن يكون حاضرا، فعندما يهم بشار بالخروج من الحجرة نجده يمسكه من يده ويقول له: " ابق هنا، ولكن تصرف وكأننا غير موجودين" من يقوم بهذا الأمر يؤكد بأنه شخص يعاني من أمراض نفسية متعلقة بالجنس، وأيضا نجد "دوريت" التي أرادت أن تغتصب "بشار" وتمارس سادية أنثى على ذكر، وأيضا كانت "سارة" غير قلقة من مشاهدة "دوريت" لها وهي مع "بشار في السيارة وهما يقبلان بعضهما، "حاولت سارة ان تخفف من توتري بمداعباتها السخية.
ـ لا يهمني، المهم أن تكون معي" ص78، كل هذا يؤكد مسألة بأن هذه العائلة/هذه التجمعات البشرية غير متزنة، تعاني من أمراض نفسية متعلقة بالجنس، ولهذا تمارسه بشكل غير سوي، وتتعامل معه وبه بطريقة غير طبيعية.