ديمقراطيّة عالم اليوم!

شاكر الناصري
2016 / 11 / 8

رغم حدة الصراعات بين مرشحي الرئاسة الأمريكية، ترامب وكلينتون، والتي وصلت حد تبادل الإتهامات والشتائم والتسقيط السياسيّ، والأخلاقيّ وكشف سجلات الفضائح، وبما يزيد من حيرة وإرتباك الناخب الأمريكيّ الذي عليه أن يختار بين السيء والأسوء، إلا أنها قدمت صورة صادقة عن حقيقة الديمقراطيّة التي تتفاخر المؤسسات الأمريكية بها، فيما يعتبرها البعض العلامة الفارقة والحاسمة، لجهة صدقها، وشفافيتها، ودقتها، في مسيرة أمريكا وتاريخها وسياساتها. وكشفت عن حجم التهويل والإدعاءات حول هذه الخرافة المتهالكة التي يتم الكشف، يوم بعد آخر، عن هزالها وتحولها إلى أداة في تحريف الرأي العام وقناعات المواطن الأمريكيّ الذي تعصف به أزمات كبيرة وكثيرة من فقدان العمل، ومعظلة الحصول على مقعد دراسيّ في أحدى الجامعات، وصولا إلى فقدان البيت بسبب أزمة الرهن العقاريّ وإنحياز السلطات الأمريكية لصالح البنوك على حساب أصحاب المنازل. وكذلك حين تسعى أمريكا إلى تصدير تجربتها الديمقراطيّة، عن طريق الحروب والاحتلال والتدمير إلى دول، وشعوب تحكمها أنظمة دكتاتوريّة وتستباح فيها الحريات والحقوق الإنسانيّة.

من أمريكا، وأوربا، استراليا ودول أمريكا اللاتينيّة، والشرق الأوسط. السعوديّة، وإيران، وإندونيسيا، والسودان، وأفغانستان...وصولا إلى دول تغرق في أزمات كبيرة وتحول سكانها إلى أشباح بسبب الفقر والجوع وفساد السلطات...الخ يتحدثون عن الديمقراطيّة وكأنها سفينة النجاة التي ستنقذ العالم المضطرب والمحكوم بالإستبداد والإكراه ومصادرة الحقوق. حتّى أنَّ البعض لايتوانى عن تحويل الديمقراطيّة إلى نشيد يردده، بغبطة وتهدج، أينما حل: الديمقراطيّة!!

ولعل التجربة الديمقراطيّة في العراق، هي المثال الحيّ على النموذج الديمقراطيّ الذي فرضته أمريكا، وبات يعكس مدى الإستخفاف الذي يمارس بحق العراقييّن ورغباتهم بالعيش بحريّة وكرامة. الديمقراطيّة التي نتحدث عنها هو أن تقوم مجموعة قوى سياسية بتصميم نظام سياسيّ وفق دستور وضوابط وقوانين للإنتخابات تحمي مصالحها، ونسب تمثيلها، وتقسيم المجتمع إلى طوائف وقوميات وأن يتم حساب الأصوات ومقاعد مجلس النواب وفق هذه التقسيمات واتفاق المحاصصة السياسيّة والطائفيّة، ثم يقولون لنا: هذه هي الديمقراطيّة، وهذه هي التجربة العراقيّة الفريدة!!.
حين يتحدث اقطاب الإدارة الأمريكية التجربة العراقيّة، فانهم لايتحدثون عن فساد النظام السياسيّ والسلطة، ولاعن البطالة، والفقر والأميّة التي تعصف بالعراقيّين، ولاعن الصراعات السياسية التي أصبح العنف، والإرهاب، وتطاير الجثث بفعل المفخخات والأحزمة الناسفة وسيلة حاسمة في حلّها. لكنّهم يتحدثون عن تبادل السلطة، كممارسة ديمقراطيّة حاسمة، بين قوى إرتكبت أبشع الفضائع من أجل مصالحها وسلطتها!!.

إنّ ما يحدث في عالم اليوم من توسع رقعة المجتمعات ما بعد الصناعيّة، التطور المتسارع لتقنيات الاتصال والتواصل، والتطور المتسارع لوسائل الإعلام، تنامي الوعي بقضايا الحقوق والحريات، والرغبة المتزايدة بتحدي الأنظمة والسلطات الحاكمة التي تنتهج الإستبداد والفساد وإهمال مصالح ورغبات من تحكمهم، الهجرة المليونيّة التي باتت تحدث تغيرات ديموغرافيّة واضحة في دول كثيرة، الإرهاب المنفلت والمتنقل، تنامي قوى اليمين العنصريّ من أمريكا وصولاً إلى أوربا، إنفلات قوى الرأسمال والشركات الكبرى عابرة القوميّة والحدود وتحطيم القوانين التي تحد من حركتها، تنامي الوعي بمخاطر السياسات الأمريكية على العالم والسعي الدؤوب لتفتيته وإستغلال ثرواته ومصادر الطاقة فيه....الخ، كلّها عوامل تدعو لمراجعة حكاية الديمقراطيّة التي استنزفت وتحولت إلى شماعة تعلق عليها أزمات العالم، والبحث عن سبل جديدة تجدد الأمل بإمكانية العيش بحريّة وسلام.