مؤامرة ضد الإنسانية

غسان صابور
2016 / 11 / 8

مـــؤامـــرة ضــد الإنــســانــيــة
أصبحت أكره القراءة والكتابة.. أصبحت أكره الأنباء كلما أطالع عناوين عشرات الصحف العربية والغربية كل صباح.. أصبحت كلها موادا استهلاكية اعتيادية كالهامبورغر والكوكاكولا أو الجنس المعلب بواجهات العديد من المدن الأوروبية... كل شيء بضاعة.. الدين بضاعة.. السياسة بضاعة.. الدفاع عن الحريات بضاعة.. اللاجئون بضاعة.. وخاصة الإعلام الاختصاصي بتغبية الشعوب بكاملها بضاعة... لا تستطيع التمييز بين البلاستيك والطبيعي.. حتى التجميل أصبح تغيير واجهة.. حيث يمكنك تغيير عجوز (أنثى أو ذكر) إلى شباب وجمال (بلاستيكي) مقبول جديد.. حتى كلمة بلاستيك بالفرنسي Plastique, تستعمل بهذه اللغة الواسعة الوصف للدلالة على كلمة جمال جسدي كامل.. بدلا من الاكتفاء بكلمة جمال لوحدها... أصبحت لا أرى سوى قبحا مصطنعا, بغالب كتابات المحترفين الذين يملؤون الصالونات الكلامية الفارغة.. كأنما هناك "مؤامرة" تجهيل واسعة مدبرة ضد الإنسانية... وسوف يضحك أو يغضب العديد من زملائي النائمين بأحضان هذه الوظائف الموجهة من سنين طويلة من كلمة "مــؤامــرة".. ضاحكين متهكمين بهستيرية جماعية.. مطالبين بضرورة إرسالي لراحة طويلة بإحدى المصحات العقلية... تماما مثلما كانت تعمل المنظمات البوليسية السرية السوفيتية.. بالقرن السابق.. لكل من يبدي انتقادا لأساليبها ولا يمكنها إرساله إلى الغولاغ Goulag او قتله.. حماية لقشورها الديمقراطية العالمية...
كما أنني أتساءل اليوم.. هل الدول الغربية التي تدعي أنها ديمقراطية.. هي حقا ديمقراطية؟.. هل الديمقراطية مع الفقر والحرمان والبطالة المبرمجة واحتكار الثروات والخيرات والغنى, داخل حلقات محصورة.. تحتكر السلطة والإعلام وتغبية شعوبها.. هي حقا ديمقراطية... هل رأيتم جولتي النقاش التي دارت بين السبعة مرشحين من نفس حزب واحد بفرنسا, شاركوا بزعامة وأخطاء فرد واحد منهم خمسة سنوات سابقة.. يمثلون عملية مشاجرة.. كأطفال أبرياء بحديقة أطفال.. ولكل منهم عشرات الطناجر من المصنفات التاريخية المقرقعة العتيقة السوداء... ومع ذلك.. يتصدرون كبرى الصحف ومحطات التلفزيون والإذاعة... هل تشاهدون المشادات العلنية بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب.. على مسرح الانتخابات الأمريكية (لأكبر دولة تلعب بمصير الإنسانية) ولكل منهما مــاض, لا تقبله ــ إنـسـانـيـا ــ وظيفة حارس حديقة حيوانات... ومع هذا واحد منهم بعد يوم واحد أو يومين , سوف يهيمن على المنصب الذي يقرر مصير الحروب القادمة... علما أن كل منهما مرتبط غارق حتى عنقه, بتجار الأسلحة الدمارية القاتلة التي تعيش من اقتتال الشعوب التي أغرقها حكامها (الذين خلقتهم هذه المافيات الحربجية) بالغباء.. بين بعضهم البعض.. حتى تغنى بورصة نيويورك ولندن وباريس.. وحتى يزداد ويتضاعف غنى الأغنياء.. وتزداد بلاوي الفقراء الأغبياء... دون أي اعتراض ممن تبقى بالعالم من هذه الأنتليجنسيا الموظفة.. الموظفة بمؤسسات التغبية العامة.. حتى توزع الغباء.. وتكتب وتخنق الفكر الصحيح مبشرة بالدين والغباء.. وأن الليل والعتمة والأعلام السوداء.. هم خلاص البشرية التي أصبحت بكاملها غبية فقيرة... حتى تفجر بالعالم أجواء حرب عالمية شاملة بين الأديان.. بين الحضارات.. بين الأمم.. حتى تزدهر ثروات المافيات الرأسمالية الحربجية المتضامنة بحلقات تسيطر على حياة الإنسانية وموتها... يعني كل ما نكتب هــراء... لنصرخ.. لنصرخ كما نشاء... إنها الديمقراطية التي تسمح لنا أن نصرخ داخل أقفاصنا وفقرنا وجوعنا الفكري... ولكننا نصرخ دوما بالصحاري الفارغة القاحلة الواسعة.. حيث تعود لنا أصداء صرخاتنا المخنوقة... دون أن يتغير أي شــيء.. أي شــيء سوى ازدياد الفقر والفراغ الفكري... وديمومة واستمرار نفس العصابات ونفس المافيات العالمية التي تتشارك الهيمنة علينا... وعلى قرار من يعيش ومن يموت في العالم.. هذا العالم الذي أصبح كله ســوق نخاسة مفتوح... تحت قباب مغلقة.. بلا ســمــاء!!!.........
*********
فور قراءة عنوان مقالي هذا.. سوف يتحرك ــ كالعادة ــ النقاد المحترفون العاملون الخادمون حول موائد الحلقات التي تبيع " الأمل " بماركاتها المسجلة.. حتى نتابع خنوعنا وعبوديتنا وانتظارنا لليلة القدر.. حتى نتابع طأطأة رؤوسنا الفارغة من أي فكر وتحليل.. حتى نتابع استهلاكنا لمخدراتهم السياسية والاجتماعية والدينية التي تجنزرنا بشرائعهم وتفسيراتهم.. حتى نتابع.. ونتابع بالاتجاه الذي حددوه لنا.. يعني أن ندور وندور بحلقات العمى والغباء والعبودية.. وألا نتعدى الحدود التي رسمها لنا أسياد حلقات العولمة العالمية.. هؤلاء... هؤلاء سوف يتهمونني كالعادة بأنني أهاجم قيمهم بتدنية معنوياتهم.. وإحباطها... لأنني بهذا قد أعطل آلة التغبية التي يجب أن تدور وتستمر24 ساعة على 24 ساعة باليوم الواحد.. طيلة السنة.. طيلة السنين.. دون تــوقــف... وهذه الآلة يجب ألا تتوقف.. آلة تغبية الشعوب.. لأنها نواة تغذية ثروات أسيادهم أينما كانوا...
كم مرة فكرت بالتوقف عن الكتابة.. كلما نظرت حولي.. كلما ازدادت انتقادات أصدقائي الذين انجرفت أفكارهم (أو من النادر الذي تبقى منها) بتيارات الانصياع للواقع المسيطر على العالم.. حتى يحافظوا على الفتات الباقي حول موائد الأسياد المسيطرين... ويترك لهم.. حتى تستمر عبودية العاملين لديمومة آلة إنتاج الغباء والفساد والدجل...
*************
عــلــى الـــهـــامـــش :
ــ تــكــاثــر الاختصاصيين بالعالم العربي أو الإسلامي...
بعد انتشار تسمية ما سمي ألف مرة خطأ " الربيع العربي " لا يمكنكم تصور تكاثر أعداد من يسمونهم بجميع مواقع الإعلام " اختصاصي بالعالم العربي " أو "اختصاصي بالإسلام".. إذ يكفي لهذا الاختصاصي اتباع دورة تعليم اللغة العربية للأجانب.. مكثفة أو عادية.. حسب السعر والمدة.. وهذه الدورات, أصبحت حسب الحاجة الملحة, مطلوبة جدا ببورصة العرض والطلب.. من أغلى المواد الاستهلاكية بالسوق.. وخاصة أنها تعطي للسياسي أو الصحفي أو الجامعي المغمور سابقا.. لقب اختصاصي بالعالم العربي.. إن كان صاحبها يتقن لفظ ثلاثين أو أربعين كلمة عربية.. واختصاصي بالإسلام.. إن كان يتقن ترديد نصف أيـة قــرآنــيــة.. أو ترجمتها منقحة... وهؤلاء الاختصاصيون مطلوبون بكافة قنوات التلفزيون ومحطات الراديو والصحف الكبيرة والمتوسطة الفرنسية.. عشرات المرات يوميا.. تسمع شروحاتهم وتفسيراتهم وتعليقاتهم وتنبؤاتهم.. وخاصة حلولهم.. لأنهم "الاختصاصيون"... رغم خرافات وتفاهات ما يبيعوننا إياه من تفاهات وخرافات عكس كل واقع على أرض ســوريـا والعراق.. حيث يضيفون على اختصاصهم (الوهمي الخرافي) بالعروبة والإسلام.. شهادة الخبرة العسكرية... وخاصة ما يحدث وسوف يحدث بالموصل العراقية أو بمدينة الرقة السورية... اليوم وغدا وبعد غــد...
ــ هيلاري كلينتون ودونالد ترامب.
هذا المساء وحتى غدا... سوف نعرف من سيربح مسرحية انتخابات رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.. نــعــم الــح وأصــر على كلمة "مــســرحــيــة" درامية ـ تراجيدية ــ كراكوزية... لأنه مهما كان الرابح. ستكون النتيجة بالنسبة للإنسانية جمعاء.. درامية ــ تراجيدية ــ كراكوزية. ولن تتغير سياسة الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية بخلق اضطرابات وهيجان حروب وقلق ومجاعات.. بكل أنحاء العالم.. وهذه السياسة لا يمكن لأحد تغييرها.. رغم وجود حكماء وعقلاء ومفكرين يحاولون تغيير هذه السياسة.. لأنه من بداية تشكيل هذه الدولة من قرنين.. لم تتغير سياستها الرأسمالية الاستعمارية الاستعبادية.. وتفقير البشرية واستغلالها.. خدمة لمصالح مافيات محصورة على حلقات معروفة تدير جميع خطوطها السياسية.. تــؤمــن ديمومة حماية هذه المصالح.. ولو على حساب الديمقراطية التي تغيب أكثر وأكثر.. عـن الــعــالــم بأســره... وانحدار أعداد من يدافعون ــ حقيقة ــ عن الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان...
صحيح أن هناك بعض المؤسسات والجمعيات الإنسانية وبعض الأفراد الذين يضحون بأمانهم وأرواحهم وإظهار أخطار هذه المافيات العالمية التي تتاجر بأرواح ومصير وحريات الدول والشعوب.. ولكنها تبقى ضعيفة لتضاؤل إمكانياتها الدفاعية وإظهار الحقائق.. لأن الإعلام العالمي موجود محكوم من مؤسسات أو شخصيات رأسمالية عالمية عولمية.. تملك السيطرة والقوة المالية على الإعلام.. وتخنق كل حقيقة لا تخدم مصالح اختراقاتها وازدهارها...
لهذا السبب هيلاري كلينتون أو دونالد ترامب... سوف تبقى الديمقراطية بحالة مــوت ســريــري... هل سوف تستيقظ الشعوب المخدرة لإيجاد دواء أو علاج لها.. حتى لا تـــمـــوت؟... لست أدري... لست أدري.........
بــــالانــــتــــظــــار...
للقارئات والقراء الأحبة الأكارم... هـــنـــاك و هـــنـــا... وبكل مكان بالعالم... وخاصة للقليل النادر ممن تبقى من الأحرار بالعالم الذين ما زالوا يقاومون من أجل إنقاذ الحريات العامة والديمقراطية والكرامة الإنسانية.. كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي ووفائي وولائي وتأييدي.. وأصدق تحية إنسانية طيبة مهذبة.
غـسـان صــابــور ـــ لـيـون فــرنــســا