... فلننتخب رئيسنا الأميركي!

ياسين الحاج صالح
2016 / 11 / 8

قبل 12 عاماً، وبالتزامن مع الانتخابات الأميركية أواخر 2004، كتبت مقالة قصيرة تقترح أن نشارك، نحن "الشرق ـ أوسطيون" في الانتخابات الرئاسية الأميركية، بالنظر إلى أننا نتأثر كل التأثر بنتائجها، وتقتضي "أخلاقيات المسؤولية" التي تقوم عليها الديمقراطية أن يكون لنا قول في شأنها. جرت الانتخابات الأميركية في أواخر 2004 بعد أزيد بقليل من عام ونصف من احتلال العراق، وقت كان "المحافظون الجدد" في ذروة نفوهم في أروقة الإدارة الأميركية، وكانت عقائد "تغيير الأنظمة" و"إعادة رسم الخرائط" و"الشرق الأوسط الجديد" و"الفوضى الخلاقة" في عز انتشارها. فاز بالانتخابات وقتها جورج دبليو بوش، الرجل الذي كان تحقق له فوز مجادل فيه بولاية أولى في أواخر عام 2000، وتجدد فوزه عام 2004 بفضل مسلسل وقائع 11 أيلول 2001، ثم غزو أفغانستان فالعراق، ونشر الخوف والكراهية في المجتمع الأميركي عبر خطاب "الحرب ضد الإرهاب".
كان تأثرنا في العراق وسورية وفلسطين ولبنان، والإقليم ككل، بالسياسات الأميركية كبيراً جداً على الدوام، لكنه بلغ وقتها مستوى غير مسبوق، اقترن في العراق بجرائم كبيرة (أبو غريب، الفلوجة وغيرهما، وواقعة الاحتلال ذاتها)، سهل من أمرها أن القوة الغازية لم تكون موضع مساءلة من طرف الواقعين تحت الاحتلال، ولا تقدم أمامهم كشف حساب من أي نوع.
فهل لا نزال نتأثر بالسياسات الأميركية على نحو يسوغ استعادة الدعوة إلى المشاركة في الانتخابات الأميركية اليوم، بعد ثماني سنوات من إدارة الرئيس أوباما الذي قامت سياسته الشرق أوسطية، عكس سياسة بوش في ولايته الأولى، على تجنب التدخل المباشر، واستهلها بسحب ما كان بقي من القوات الأميركية في العراق؟
لا ريب في اختلاف نهج الرئيس الذي توشك ولايته على الانقضاء عن نهج سابقه: أشد براغماتية وأقل إيديولوجية، أقل عدوانية، فهل يعني ذلك أن تأثيره على مصائرنا كان أقل من سلفه؟ من بين الجميع، يصعب على السوري أن يقر بذلك. الإدارة الأميركية كانت متدخلة بصور مختلفة في صراعنا طوال ما يقترب من 6 سنوات، على نحو توافق مع تطاول الصراع وبقاء بشار الأسد حاكماً. من الوقائع التي لا جدال في صحتها أن إدارة أوباما ضغطت على دول إقليمية متنوعة كي لا تسلح المعارضين السوريين تسليحاً يسهل حسم الصراع، وهو أمر مستمر إلى اليوم، وبفضل إدارة أوباما لم تصل أي مضادات للطيران الأسدي، دع عنك الروسي، الذي دمر أحياء وبلدات بأكملها في سورية، وكان المتسبب الرئيس في سقوط الضحايا، ومنها الصفقة الكيماوية المشينة عام 2013، ومنها ترتيب تصور الصراع السوري على نحو يلحق ثورة السوريين بحرب الأميركيين ضد الإرهاب، ويجعل من بشار الأسد "الخطر الأصغر"، مقابل "الخطر الأكبر"، داعش. والمشكلة لا تقتصر على أن هذا الترتيب لا يعكس حجم التدمير والقتل الفعليين، بل تتعداه إلى ما يضمره ترتيب الأعداء هذا من أن حياة السوريين وحقوقهم في بلدهم ليس لهما شأن في تحديد العدو الأجدر بالمواجهة، وأن تاريخ السوريين وصراع جيلين منهم مع الدولة الأسدية ليس شأناً يُعتد به في التخطيط السياسي والعسكري الأميركي والعالمي.
هذه وقائع تكفي لوحدها لدحض الخرافة القائلة بعدم التدخل الأميركي في سورية، وهي خرافة استطاعت الاستمرار حتى اليوم، وحتى بعد أن تدخلت أميركا عسكرياً في سورية (والعراق) ضد... "الخطر الأكبر" منذ عامين ونيف، وقبل عام كامل من التدخل الروسي ضد الخطر نفسه طبعاً.
على أن أمر دحض الخرافة لا ينتظر إثبات تدخلات أميركية مباشرة أكيدة، فهو أوثق ارتباطاً بداخلية أميركية مستبطنة في هياكل سياسية واقتصادية وأمنية، وعلاقات قوة مرسخة مستدخلة في "الشرق الأوسط"، تولدت عن حروب وتدخلات سابقة بالغة العنف، منها حرب كبيرة واحدة على الأقل كل عقد من السنين منذ عام 1967، ومنها ضمناً كفالة الرجحان الإسرائيلي المطلق في المنطقة ككل، وليس في فلسطين وحدها، ومنها الهيمنة على السلسلة البترولية، من التنقيب والاستخراج إلى النقل والتسويق، إلى رعاية البنى الأمنية والسياسية الحارسة لتلك السلسلة. وهي، بمجموعها، إن لم تكن تغني عن التدخل المباشر في كل حين، فإنها لا توجب شكلاً عسكرياً احتلالياً له دوماً. القصد أنه لا غياب معطيات التدخل المباشر كالمشار إليها فوق ينفي الأشكال الأكثر بنيوية ورسوخاً وطول أمد من التأثير الأميركي المحقق، ولا حضور التدخلات المباشرة هو وحده ما يؤكد داخلية القوة الأميركية وتأثيرها الكبير.
لا ينبغي أن يجادل في هذا السياق المخصوص، المتصل بالانتخابات الأميركي الوشيكة، في شأن مسؤولية هياكلنا السياسية والاجتماعية عن الداخلية الأميركية. لكن ليس لذلك أن يضفي النسبية على دور السيطرة الأميركية المديدة، المشفوعة بتدخلات وحروب و"إدارة أزمات"، ربما تكون قتلت ما يزيد على مليون ونصف مليون إنسان طوال نحو خمسين عاماً. ومهما جادل المرء في ذلك، فلا يكاد يكون هناك شك في أن المصالح السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والأمنية الأميركية توافقت دون انقطاع يذكر مع إضعاف فرض الديمقراطية في أقليم وتعزز التسلطية والطغيان.
وإنما بفعل فرض الاستسلام على الدول، بمن فيها منظمة التحرير الفلسطينية في هذا الشأن، وقد جرى منذ سبيعنات القرن العشرين على نحو مذل، لا يترك هوامش استقلالية واعتراض، صارت المقاومات تأتي من خارج الدول وضدها. ما كان 11 أيلول 2001 ممكناً لو كنا في وضع يتيح لدولنا أن تكون أقل تسليماً بالسيطرة الأميركية وأقل تبعية. لقد "انتصر" أسامة بن لادن لأن جمال عبد الناصر اندحر.
والصفة البنيوية للوجود الأميركي في منطقتنا تحكم على الكلام المتكرر عن أننا، العرب، نلوم الأميركيين إن تدخلوا ونلومهم إن لم يتدخلوا، بأن يكون مساجلة إيديولوجية لا تقول شيئاً مفيداً عن موضوعها المفترض: العرب وأحوالهم. فالسؤال الذي يستحق أن يفكر فيه ويناقش جدياً في إطار نظام شرق أوسطي يستدخل درجة عالية من السيطرة الأميركية هو: هل نتطلع إلى أن لا يتدخل الأميركيون نهائياً في شؤون بلداننا، أم نتطلع بالأحرى إلى التأثير في أشكال التدخل على نحو يستجيب لمصالح حيوية للسكان في منطقتنا؟ يمكن أن ينحاز الواحد منا إلى إجابة وطنية استقلالية، ترفض كل تدخل وتعمل على تقويض مرتكزاته البنيوية الداخلية، السياسية والاقتصادية والأمنية، أو إلى إجابة ديمقراطية توجب أن يخضع لمساءلتنا من تمس قرارتهم بحياتنا. فإذا كنا في أزمة انفجارية عميقة في "الشرق الأوسط"، وليس "الخطر الأكبر"، الداعش، غير مظهر لها، فالجذر الأقوى لذلك في تقديري هو التحطيم المستمر لفرص أي من السياستين. بالعكس، كل شيء يوحي باستمرار سياسيين أقوياء بلا أفق تاريخي ولا حس إنساني في تغذية شروط الأزمة الانفجارية. أوباما ليس أرعن مثل بوش، لكن ترتيب المخاطر، وهندسة الدمار السوري، وفرض "الحرب ضد الإرهاب" كوجهة عالمية وحيدة، والالتزام الأعمى بإسرائيل والإباد السياسية للفلسطينيين، يلغى الفرق بينهما شرقأوسطياً. وقد لا تكون هيلاري كلينتون بحماقة دونالد ترامب وفظاظته، لكن أعقل الرؤساء الأميركيين خلال خمسين عاما كان متطرفاً هنا وغير عقلاني. كان الإخوان في واشنطن قوة غير عادلة وغير ديمقراطية وغير إنسانية على الدوام في الشرق الأوسط التعيس.
هناك اليوم أزمة في الحوكمة العالمية بسبب التعارض بين وقائع التداخل العالمي، وربما في منطقتنا أكثر من غيرها، وبين مفهوم الدولة السيدة الذي يجنح في كل مكان إلى حجب وقائع فقدان السيادة، ليس أمام مركز عالمي مسيطر فقط، وإنما أمام شبكات اقتصادية ومالية وإجرامية متعددة.
ومن شأن أخذ هذه الوقائع بعين الجد أن يخرج السؤال الخاص بانتخاب الرئيس الأميركي من قبل غير أميركيين من أمثالنا من أن يكون محض سؤال خطابي، لا غرض له غير كشف الصفة اللاديمقراطية للهيمنة الأميركية في "الشرق الأوسط"، إلى أن يكون سؤالاً كاشفاً عن بنى السيطرة والتحكم السياسية والاقتصادية والأمنية الجديدة. يمكن للسؤال أن يكون منطلقاً لتفكير سياسي متجدد، يعترض في آن على شكل للسيطرة الامبريالية لا نفاذ لنا إلى التأثير عليه، رغم تأثيره البالغ علينا، وفي الوقت نفسه ينطلق من تطلع إلى تشابك وتداخل عالمي أوسع.
ما لا يستقيم هو الشكل الحالي: يتحكم الأميركيون في حياتنا، على نحو يستطيع أي واحد منا تقريبا تلمسه في حياته الشخصية (كاتب هذه السطور يتلمسه في أكثر من وجه من حياته)، دون أن يكون لنا كلمة في هذا الشأن.
ليست المشكلة في الشرق الأوسط أولوية المصلحة الاميركية في صوغ سياسة الإدارات الأميركية المتعاقبة في بلداننا وإقليمنا، فهذا مفهوم، وهو الالتزام الأول للرؤساء الأميركيين. ما ليس مفهوماً، وما لا يجب أن يكون مفهوماً، هو تصور المصلحة الأميركية على نحو لا يقيم وزنا على الإطلاق لمصالح عموم السكان في المنطقة، ويستغني بانتخاب الإدارات الأميركية لحكامنا عن انتخابنا نحن لهم. لا ديمقراطية في بلداننا دون قطع مع هذه البنية، ولا ديمقراطية في أميركا دون ذلك أيضاً.