رجاء احذروا غضب الشعب .

سعيد الكحل
2016 / 11 / 7

أتقدم ، بكل خشوع وألم ، بأحر التعازي وصادق المواساة إلى والدي ضحية الحكرة محسن فكري وكل أفراد أسرته . فالفاجعة أصابت كل أبناء الشعب المغربي عبر عموم التراب الوطني وفي بلاد المهجر . ونحن نعيش ونتابع تفاصيل الجريمة وملابساتها ، لا بد من توجيه الخطاب رأسا إلى من يهمهم الأمر في هذا الوطن ووضعهم أمام مسئولياتهم الدستورية والوطنية والتاريخية . فالشعب المغربي ،ورغم المخططات التي حيكت ضده بهدف تمزيق وحدته الترابية ونسيجه المجتمعي ، ظل عصيا على أي تآمر أو طائفية . وهذا الرصيد الوطني الذي حافظ عليه وغذاه الأجداد البررة منذ وقوفهم في وجه الخلافة المشرقية أيا كان عرقها (أموية ، عباسية ،فاطمية ... عثمانية ) وسقوه بدمائهم الزكية وأرضعوه لأبنائهم مع حليب الأمهات ، يلقي بثقله على كاهل أصحاب القرار على اختلاف مسئولياتهم ودرجاتهم .فمسئوليتهم لا تقتصر على تدبير الشأن العام ، ولكن أيضا على الحفاظ على هذا الرصيد وإغنائه .من هذا المنطلق ، وكمواطن غيور على وطنه وشعبه أنبه أصحاب القرار إلى التالي :
1 ـ إن الفتنة الخطيرة التي تهدد وحدة الشعب وأمن الوطن واستقراره مصدرها عاملان أساسيان :
أ ـ سوء توزيع الثروات وما يؤسس له من استبداد سياسي واستغلال اقتصادي وقهر إداري وظلم اجتماعي وتجهيل معرفي . فأن يعيش 10 ملايين مغربية ومغربي تحت عتبة الفقر في الوقت الذي يتم نهب خيراته وتبذيرها بكل الطرق التي يشرعنها القانون أو يجرمها ، ليس له من معنى غير جعل الوطن لفئة دون غيرها . وأن يتقاضى موظفون رواتب تفوق دخل مئات الأسر في الوقت الذي تعاني فيه الميزانية العمومية عجزا فظيعا ، وأن تمنح امتيازات خيالية للموظفين إياهم كافية لفتح طرق بالمناطق النائية أو بناء مستشفيات أو مدارس ، لهو أدعى إلى الفتنة وأشد . فمن يهدد أمن الوطن واستقراره هم الذين يتمسكون بامتيازاتهم أو يواصلون نهب وتهريب ثروات الوطن دون أن تطالهم يد العدالة. وإصرار الحكومة على عدم المساس برواتب علية القوم وامتيازاتهم وكذا ضمان تقاعد البرلمانيين والوزراء ، لهو التواطؤ الفج مع النهب والفساد والاستغلال .
ب ـ التطرف الديني .بقدر تواطؤ الحكومة مع ناهبي المال ، تتواطأ مع التكفيريين الذين يحرضون على الكراهية وقتل الأبرياء . والتكفيريون إياهم يحتكرون لهم الوطن باسم الدين ويحرمون كل من يخالفهم حق العيش فيه. وبهذا تكون الحكومة مسئولة مسئولية مباشرة عن وضع المغاربة بين كماشة النهب والتطرف. وما دامت الحكومة عاجزة عن حماية ثروة الوطن من النهب والتبذير وتوفير شروط العيش الكريم للمواطنين في كل مناطق وجهات المغرب ، فهي توفر كل أسباب الفتن .
2 ـ إن للعشب المغربي طاقة للتحمل والصبر مهما اتسعت فلها حدود . يتميز الشعبي المغربي بصبره وحلمه . فقد عاش فترات المجاعة وحافظ على استقراره . ولا يعني هذا أنه سيظل يتحمل أوضاعه الاجتماعية التي تزداد تدهورا بفعل سلسلة التدابير والقرارات التي اتخذتها وتتخذها الحكومة .وأيا كانت الاعتبارات التي يستحضرها الشعب ليغذي صبره ويمهل المسئولين عن الشأن العام عساهم يتداركون الوضع المحتقن ، فإن الفقر والتهميش والحكرة عوامل أساسية كفيلة بإقناع الشعب أنه لن يفقد غير قيوده في حالة تمرده على أوضاعه . قد يتحمل الشعب ،إلى حد بعيد ، جوعه ومرضه ، لكنه لن يرض بالحكرة التي تحاصره في كل مناحي حياته : في الإدارة والقضاء والمستشفيات والأمن والمدرسة والجامعة ووسائل النقل العمومي الخ. في كل هذه المناحي يتجرع المواطن البسيط مرارة الحكرة التي تفقده شعور الانتماء لهذا الوطن وتقتل فيه قيم المواطنة . فبقدر حرمان المواطن من اللقمة الكريمة في معيشه اليومي يتم حرمانه من المعاملة الشريفة له في الإدارات العمومية.إذ حيثما ولى وجهه وجد الحكرة والقهر والظلم.
3 ـ إن مقايضة الفتنة بالأمن ، والاستبداد بالاستقرار ، عملية ليست دائما آمنة ومربحة . إن مما تستند إلى الحكومة في مواصلة الإجهاز على الحقوق والمكتسبات ،كون المغاربة يرفضون المغامرة بأمنهم واستقرارهم على النحو الذي يجري في بلدان عربية تجتاحها الحروب الأهلية والطائفية بدعم خارجي. وهذا المعطى بقدر ما هو عنصر اطمئنان بقدر ما قد يتحول إلى عامل محرض على "الفتنة" الخلاقة التي تضع أفقا واضحا لكل الاحتجاجات التي تفجرها ممارسات الدولة التي تمس المواطنين في كرامتهم وشرفهم ومعيشهم اليومي . وعلى الحكومة /الدولة أن تعلم أن المغاربة استفادوا من "الربيع العربي" الذي جر الخراب والدمار على شعوب كثيرة . ومما استفاده المغاربة أن كل انتفاضة لا تضع لها أفقا واضح المعالم تنتهي إلى نكسة وكارثة .لهذا على الحكومة والقائمين على الشأن العام أن يحرصوا على عدم دفع الشعب إلى وضع البدائل التي يراها تعيد إليه كرامته وتضمن له حقوقه . ولا شك أن الرسائل التي يبعث بها الشعب المغربي عبر المسيرات والاحتجاجات السلمية والراقية في كل المدن التي انتفضت ضد الحكرة عقب "طحن مو" التي حولت الشهيد يوسف فكري إلى رمز للعشب في مواجهة الحكرة ، من شأنها (=الرسائل) أن تنبه المسئولين إلى أن الشعب الذي احتج بهذه الأشكال الراقية بإمكانه أن يُبدع "الفتنة الخلاقة" التي تضمن له عيشا كريما ووطنا آمنا ودولة ديمقراطية .