الحسين والمرجعية الدينية وقضية تحرير نينوى

جعفر المظفر
2016 / 11 / 7


(عَدَّت المرجعية من خلال ممثلها وإمام جمعتها في كربلاء المقدسة سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي، عدت مقاتلينا الأبطال أنموذج امثل لمن صدق في دعوى ولائه للإمام الحسين عليه السلام، مستدركا من يساندهم ويدعمهم بالمال والمؤن وسائر ما يحتاجون إليه كشريكا لهم في ذات المرتبة).
ذلك هو الخبر الذي نشرته وسائل الإعلام العراقية عن معركة العراقيين المستبسلين في حربهم ضد داعش من اجل تحرير مدينة الموصل وعموم نينوى التي أضاعها, ويقال قدمها المالكي هدية لداعش نفسها إنتقاما من خصومه, أو أراد (ضياعها) أن ياتي على طريقة (نخبطها ونشرب صافيها) وذلك من أجل عودة موفقة للولاية الثالثة.
لا شك لدينا, نحن الذي نعلن دائما ولائنا للعلمانية, أن الحسين كان شهيدا بطلا مقداما. ولا يستوجب الأمر أن تكون دينيا, أو مسلما بشكل عام, أو شيعيا على وجه الخصوص, لكي تعلن إشادتك بتضحيته ولكي تعتبره بطلا تاريخيا بارزا. فبإمكان سياسي أو مفكر غير مسلم أو حتى ملحدا أن يقترب من قضية الحسين من خلال مفاهيم ذات علاقة بمنظومة ثقافية إنسانية مجردة من رمزيتها الدينية ولكي ينتهي بالنتيجة إلى ان الحسين كان شهيدا عظيما من أجل مبدأ كان صدف وقتها أن يكون عبَّر عن نفسه بطريقة دينية.
لكن أن أُعلن, أن مقاتلينا الأبطال قد ذهبوا إلى الموصل لكي يستشهدوا تأكيدا على وفائهم للحسين, هو بمثابة نصب فخ كبير للإطاحة بما تبقى من الوطنية العراقية التي تشكل لوحدها صمام أمان لبقاء العراق وإستمراره على قيد الحياة. إن الكفاح من أجل إستعادة الموصل والقضاء على داعش ذا مفاهيم ترتبط بالقيم الوطنية العراقية والإنسانية ولا علاقة لها بهدف ديني محدد أو بالإنتماء إلى قضية تحمل نكهة مذهبية خالصة هي في كل الأحوال تكرار لمقولة المالكي السوداء حول المعركة المستمرة بين جيش الحسين وجيش يزيد.
مفيد أن تكون قضية الإستشهاد الحسيني قضية صالحة لتنشيط التعبئة من أجل بعض المعارك تحديدا, ولا أجد أن هناك دينا أو مذهبا في العراق سيمانع في ذلك, لكن إستعمالها في قضايا اخرى, وفي المقدمة منها المعركة من أجل إستعادة نينوى هو بمثابة إستبدال لقيم التضحية من أجل الوطن والوطنية العراقية بقضية أخرى لا شك أن المحافظة على قيمتها يتطلب إعطاءها إحترامها في وقتها ولمناسبتها.
إن المرجعية تساهم بشكل جدي, وبإسم الحسين, في وضع قيم التضحية من أجل الوطنية العراقية على الرف, وحتى أنها تلغيها من الذاكرة الشيعية تحديدا, لكي تصبح قضة الحسين نفسها على خصومة مع وطن إسمه العراق, أو لكي تصبح قضية التضحية من أجل العراق لا قيمة حقيقية لها ومتراجعة كثيرا أمام قضية رمزية دينية ذات نكهة مذهبيىة أساسية, ولأن قضية إستشهاد الحسين تحمل طابع القدسية في الذهن الشيعي فإن إستخدامها لغير أهدافها وفي غير أوقاتها وساحاتها قد يصبح الوسيلة الأفضل لشطب الوطن العراقي من الذاكرة الشيعية العراقية نهائيا.
إن اشد ما نحتاجه في معاركنا ضد داعش ومع الإرهابيين بشكل عام, هو أن نجعل معركتنا ضدهم بعيدا عن قضية التسييس الديني لأن ذلك يخدم قضية الوحدة الوطنية , وغير ذلك سيخدم داعش نفسها لأن من صالحها أن تكون المعركة ذات رمزية دينية لكونها تطرح نفسها مدافعة عن السنة في وجه تيار شيعي تقوده إيران من أجل الإستيلاء على المنطقة.
إن ما نحتاجه في معاركنا ضد داعش وغيرها هي أن نكون عراقيين : هكذا ببساطة عراقيين لا أكثر. كما أن مرجعية النجف مطالبة قبل غيرها أن تبعث الروح في قيم الوطنية العراقية ولا تعمل على الحط من قيمتها تحت اي عنوان آخر, خاصة إذا كان هذا العنوان بالقدسية التي هو عليه في الذاكرة الشيعية, لأنه حينها سيكون أفضل وسيلة للحط من قدر الوطنية العراقية التي يجب أن أن يجري العمل من أجل رفع ساريتها عاليا بعد أن تم كسرها من قبل العديد من الجهات وفي المقدمة منها إيران وداعش.