السواد في قصيدة -مديح متوحش- كاظم خنجر

رائد الحواري
2016 / 11 / 6

السواد في قصيدة
"مديح متوحش"
كاظم خنجر
عندما تكون الجدران والكتل الإسمنتية هل المتاح أمام اعيننا فقط، لا بد أن نتأثر بها، فالمدن العربية بشكل عام تفتقر للأشجار، للأماكن الترفيهية، للحدائق العامة، مما يجعل المواطن يعيش في مكعبات تسبب له الضجر والشعور بالضيق، في هذه القصيدة يحكي لنا الراوي عما يعانيه من هذه الكتل التي تحاصره في كل شيء، فيحدثنا عن الخشب ـ الذي من المفترض أن يذكرنا بالأشجار والغابات الخضراء ـ بشكل مغاير تماما، فهو في مدننا يعد أحد اشكال الحصار الذي نعيشه والسواد الذي يخيم علينا:
" الخشب الذي في صناديق العتاد
وأسرة دار المسنين
وباب مراهقة مغلق
وتوابيت الأطفال
ومدفأة الحارس في معمل الحنطة
والنائم على الطاولة حيث يهمل عليه من نحبهم كفوفهم وكلماتهم
كون الخشب بيننا عائلة وأصدقاء يورقون جوله
بعيدا عن الأشجار المريضة بالصمت" بهذا الشكل يرى الشاعر الأثاث الخشبي من حوله، فنجد في الباب المغلق، في توابيت الأطفال، في أسرة العجائز المهملين من ذويهم، في صناديق السلاح، هذه المشاهد كلها سوداء وتعطي المعنى السلبي، لكن الراوي لا يكتفي بهذا الأمر بكل نجد هذه الخشب يسهم في تقوية الآخر الذي يحرس الحنطة، ويقويه علينا نحن الذي نحتاجها، بهذا الشكل يكون الحصار والسواد والسلبية كلها تجتمع ضد الراوي.
في المقطع الثاني يختزل المعاناة بهذا القول المكثف:
"على العصافير الحقيرة أن تحترم براءة الأقفاص" مقطع تم صياغته بدقة وعناية فائقة، يمثل حالة القمع التي يفرضها النظام الرسمي ولواقع الاجتماعي على الفرد، على الإنسان في منطقتنا.
بعد هذه المشهد ينقلنا للحديث عن الحديد، الذي يرمز للقوة والصلابة والمناعةـ والذي يمثل بطبيعة الحال احدى الوسائل التي تستخدم ضدنا نحن العاديين:
"الحديد في الساعات اليدوية
وملاعق السجناء
والمشارط في صالات الطوارئ
وسكك نقل الجنود
والمصاعد العاطلة
والمسامير في احذية العمال
الحديد الذي نسينا بأنه كان ترابا في الجبال والوديان" كافة الصوة التي تحدثت عن الحديد كانت سلبية بالمطلق، "ملاعق السجناء/نقل الجنود/المصاعد العاطلة/المسامير في الاحدية" فهو يكون ضدنا نحن العمال/المساجين/وفي المصاعد، ويكون مفيد ويسهل مهمة الآخر الذي يؤذينا، "المسؤول صاحب الساعة الفاخرة/الجنود" بهذه الشكل يكون السواد والأذية التي يلحقها بنا الحديد ملازمة له ولمن يستخدمه.
بعد هذه القسوة التي تحدث عنها الراوي نجده يقدم أيضا كلاما مختزلا ومكثفا، وكأنه يريد أن يؤكد حالة الضجر والسواد الطاغية عليه فيول:
" الأسماك على المائد
أجمل
من الأحواض الزجاجية" قلب حالة الجمال الطبيعي إلى مسألة الطعام وتعبئة البطن بدل تعبئة الفكر والتمتع بالنظر، يشير إلى الحالة الصعبة التي يعكسها ـ سلبا ـ الخشب والحديد على فكر/رؤية الراوي.
ثم يقدم فكرة سوداء أخرى لا تتوافق ومشاعر الراوي، الإنساني، الكاتب فيقول:
" الريش في الأغطية والوسائد
يأخذ الدفء من يده أبعد من الأجنحة" الواقع الصعب يسيطر تماما على الراوي، بحيث افقده الاحساس بجمال الطبيعة وأمسى شخص بليد عيش على الماديات فقط، بعد أن تأثر بالكتل الإسمنتية التي تحاصره.
بعد أن فقد الراوي مشاعره اتجاه الطبيعة، يحدثنا عن المرأة، المرأة التي تمثل احدى عناصر الراحة لنا، كما هي الطبيعة والكتابة/القراءة:
"المرأة التي أمامها أمشط شعري أحبانا
وأحلق ذقني أحيانا
وأفرش أسناني أحيانا
غير ذلك
لا يعني لي شيئا
هذا الرمل الذي على الحائط" إذن حتى هذا الكائن المحفز للفرح والبهجة يفقد بريقه في ظل الواقع المتردي الذي يحاصر الراوي، فهو يعيش في السواد ويتغذى منه، ويجد ذاته به.
ينقلنا الراوي إلى حالة القنوط من الواقع، من المكان، من الظرف الذي يمر فيه:
"لست نباتيا
ولا احب الكتابة عن الوردة وغيرها من الخضروات والفاكهة
واليوم أخرجت إلى القمامة
كل الستائر والمناشف والملابس وأغطية المقاعد والصحون وغيرها
التي رسمت عليها ورودا وأغصانا
هذه الورود الاصطناعية التي لا تموت
التي نحيا حولها كأشواك
سأتركها تتعذب تحت ضوء النهار" المقاطع الأخيرة يوضح لنا لماذا لا يعيش الراوي حالة القرف والضجر السابقة، فهو حتى الكتابة التي تمثل المفتاح الثالث للخروج من السواد أيضا يتمرد عليها ويهجرها رغم ما تمثله من حياة له، لأنها ستسهم في الحالة الساكنة والسوداء التي يعيشها.
القصيدة تم صياغتها بلغة أدبية راقية، ورغم السواد الذي تحمله، تبقى طريقة تقدمها لهذا السواد، تعد عملا ابداعيا متألقا.
ملاحظة، القصيدة منشورة في جريدة الحياة الجديدة، يوم الثلاثاء الموافق 1/11/2016