التساؤليَّةُ: نحو فكر فلسفيٍّ جديدٍ (ج2)

سامي عبد العال
2016 / 11 / 6

من الأهمية بمكان البحث عن تكوين الاستفهام. وكيف يعبر عن وجوده التاريخي عبر جسد التراث. حيث سيكون الأخير جسداً تمارسه مجتمعات تعيش حياة ماضوية. فلم يمت التراث على قارعة الطريق رغم مرور هذه الأزمنة السحيقة. لأنه لا يخرج منفرداً ولا مترجلاً من هوياته الثقيلة. إننا نحيا في الحقيقة كضروب من الأنماط التي ننتسب إليها. والمواقف من هذا القبيل هي الداعية إلى الاندهاش، الحدوث المتواصل للقلق المعرفي. ومن ثم إثارة الأسئلة الجذرية حول (وداخل) وجودنا المتراكم ثقافياً.
• أنطولوجيا السؤال
إنَّ تجلي أفعال التراث كنظامٍ ثقافي ناشط فكرياً، وإنْ فقد زخمه الأصلي، جعله مضماراً للتساؤل. فيبدو التساؤل عاملاً في تفاصيله وطروحاته كنصوصٍ. إذ تنكتب النصوص عبر متون وهوامش الحركة الناتجة عن الأفعال المشار إليها. إنَّها تُصاغ ضمن التقاطعات المحددة لارتباطات وجودها التاريخي. حيث يوفر الأخير الشروط والمناخ لتراثية التراث، ويسمح بانعدامها على هذا الصعيد أو ذاك. فلو تسألنا ماذا تعني التراثية التي تعيشها الثقافة العربية؟ لبرزت أبعادها تباعاً.
أولاً: التراثية من صميم الثقافة عموماً. فلا تراثية أياً كانت بدون حقيقة تؤكدها الثقافة المهيمنة. سوى أنَّ التراثية لها مفهوم خاص في التاريخ العربي. حيث تحولت من مفهوم إلى وسيلة لممارسة الوجود الاجتماعي والإنساني. ويبدو الوجود جارياً في إطار التاريخ مع أنَّه فاعل الآن، ويلفت الأنظار إلى حضوره، لتنبثق الأسئلة من هذا البعد. فالاستفهام حول حقيقة أية أحداث ثقافية جارية لهو كشف يتعرف فيه الوجود التاريخي على نفسه. لأنَّ الوجود الاجتماعي يتحقق بالتماسك داخل نسق الحياة. وذلك يتطلب أن يغدو مكشوفاً أمام أطرافه ومكوناته المشتركة. ولنعرف أنَّه نتيجة انعكاس العلاقة على أطرافه يزداد حجم هذا الوجود مساحةً وتفاعلاً.
وإذا كان السؤال، أي سؤال، إنسانياً على الأصالة، فالوجود الإنساني كوجود في التاريخ، يجعل الأول مثقلاً بمحددات تتعين في الرؤى والأفكار. على غرار ما نراه بادياً لدي العمليات الاجتماعية الهادفة في المجتمع العربي إلى تكرار المعارف التراثية والتشبث بها. فمجال المعرفة إذ يبدو شفافاً دون رواسبٍ، حين يسمى بالعلم، إنما هو التمسك بما تركه السلف من علوم الأوائل. وهنا نرى تصاعداً جارياً لأسلمة العلوم بما فيها العلوم الطبيعية. كأنَّ المعرفة العلمية كانت كافرةً. ثم يحاول هؤلاء إلباسها لباساً إسلامياً. وهو نفس التعامل مع الآخر تحت مبرر أن الإسلام يَجُبُ ما كان قبله. والأسلمة قشرةٍ خارجيةٍ تمثلُ إضفاء شرعيةٍ على المعرفة في إطار علاقتها الوثيقة بالماضي.
إنَّ هناك حنيناً يُلقِي الحاضر العربي برمته عبر أزمنة ثقافية غابرة. وهو تجلٌّ لرغبة استرجاع الماضي، لإيجاد نسخ معادة مما تحقق سلفاً. ويضمر افتراضاً أنَّ التاريخ يتواصل على أساس التماثل، التطابق، برغم أن هذا التماثل قد يكون بلا أساسٍ. لأنَّ التاريخ لن يصبح متطابقاً مع حركته. وهذا تأكيد للانحرافات التي تحدث كأي شيء في الحياة طالما تنتمي إلى الإنسان. وهو موقف يستثير أسئلةً متعلقةً بماهية التطابق التاريخي من عدمه، ولماذا توجد محاولات لا تهدأ لممارسة التطابق السلفي مثلاً بهذا المعنى أو ذاك؟! وإنْ لم يكن فعلياً فهو خيالياً. أي يعكس الوعي الافتراضي بالأهداف العليا لأي نسق اجتماعي سياسي.
تعدُ مثل هذه الاستفهامات أسساً معرفية تنتقل داخل اللغة. هي تخطط فضاءً أنطولوجياً لا يكفّ عن محاولة الانتظام في السياق العام على نحوٍ مغايرٍ. لأنه، وأثناء تداعي الحقائق المأخوذة تاريخياً كتطابق، لا يقف سؤال أو غيره بمنأى عما يجري من تصوراتٍ ومفاهيمٍ. إنَّ أبرز سمات السؤال هنا عدم التوقف عن معاودة الطرح، بمعنى أنَّه يواصل الإتيان من كل اتجاهٍ لكي يلُمَ بأطراف موضوعه. ولاسيما أنَّ فعل التراث لا ينتهي لدى مرحلةٍ أو أخرى كما يزعم بعض الباحثين كما أوضحت. فالرأي هنا توصيف غير دقيق في أحسن الأحوال فيما يجب فهمه بدقة.
ثانياً: العيش في دائرة الثقافة كيقين مباشر، لدرجة أنها تشكل "الرحم البديل" للرحم البيولوجي. إنَّ الثقافة العربية تنهض في بنيتها بدور الرحم البديل. وهذا التصور البيولوجي مازال يغذي التاريخ العربي في كافة أركانه، ويتقرر التعبير عن ذلك في شكل الاحتماء الجماعي بالتراث، بوصفه الجلد الطبيعي للتّحصُن ضد التيارات الفكرية الوافدة، حتى غدا نمطاً من أنماط الاعتقاد. وليس "الرحم البديل" تعبيراً مجازياً، بل يحدد طرائق التفكير والتصديق، ويمتد إلى سلوكيات اجتماعية وأخلاقية، فهناك اتجاه يكاد يتلقى تعميمه فكرياً واجتماعياً ألا وهو تحويل الثقافة إلى جسدٍ رمزي لا يُمس، حتى ولو كان واضح التشويه!!.
وهو ما يُحدِث نقلاً للثقافةِ من إبداعٍ يومي إلى مسألة شرفٍ وقضيةٍ أخلاقيةٍ. أما إعادة طرح الأسئلة حول الجذور والتحولات فيعني انتهاكاً لهذا الشرف، والإيقاع الشعري - الاجتماعي يقول: "لا يسْلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى حتى يراقُ على جانبيه الدمُ". وهو ما يفسر التطلع إلى المستقبل تحت مبررات أخلاقية عنيفة كما لدى الجماعات المتطرفة. وحتى درجات فهم التاريخ إنما تجري بالتسليم الفوري دون تَحقُق، كأنَّه صدر تلقائياً بالفيض الإلهي الذي يتنزل فوق البشر، وإذ ذاك يشكلُ "الرحمُ البديلُ" واقعيةَ التراثِ ومحاولة البحث عنه.
ولا يعني ذلك وجود التراثَ بكل تفاصيله وتراكمه، إنما هنالك التعامل غير الاستفهامي مع قضاياه. وهو تعامل سلفي يبلغ درجة التوهم بوجوده حياً في كافة مناحي الحياة، كأننا نعيش زمنياً في نفس ظروفه وحقائقه الاجتماعية والسياسية. لذلك يحدث اختلاط للعادات والتقاليد بالأصول الدينية والفكرية، لدرجة أن خروجاً عن هذا الإطار يعنى الخروج عن شرعية التراث. وما المذاهب الدينية الإسلامية إلا تقنين للخلط بين العادات والتقاليد والشريعة الدينية. وهي تتصارع لحل العلاقات الشائكة بين الجانبين. لذلك يلجأ أصحاب المذاهب إلى استعمال التأويل لتقريب النصوص الدينية من الواقع، وهناك مصطلحات دالة على ذلك في الخطاب الديني مثل "فقه الواقع"، "المصالح المرسلة"، "مقاصد الشريعة"، "اختلاف التشريع".
السؤال لا يقبل وهماً، لأنَّ صيغته بحكم التعريف تعنى طلبَ المعرفةِ. وهو لا ينتهي عند مرحلةٍ أو غيرها؛ أي هناك تفكير متواصل في عمق الموضوع ذاته. بكلمات أخرى هو لا يذهب خلف الصورة المعطاة، بل يشكل وعياً نقدياً خارج نطاق الانفعال المباشر. فالوعي النقدي لا يتشكل نتيجة المحاكاة بل على النقيض منها. وقد يكون السؤال جزءاً من الشروط المنتجة لتصور ما، لكنه يمثل فضاً ضمنياً لها. إنه يَستوثِقُ من حقيقة الشروط الخاصة بالتصورات، وبأية طريقة تكونت؟ ولنلاحظ أن محمولاً استفهامياً لا بد أن يَطرحَ معرفةً تتداخل مع التصور المعني، حتى نعرف ما إذا كان واضحاً ومتسقاً مع تاريخه أم لا؟ والمحمول الاستفهامي عبارة عن وجهة نظر مختلفةٍ - متداخلةٍ مع التصور ضمن سياقه.
ثالثاً: جوهر الثقافة هو عملية تبرير ذاتي لوضعها. ومع تواصل التبرير يخرج نسيجها إلى حيز الواقع. ذلك يتمّ في الثقافة العربية بالإحالة إلى صور وحقائق نالت اليقين تاريخياً. وهذا يعنى أن فعل التراث يستمد دلالته المهيمنة من الإحالات السارية كما في النصوص والخطابات الدينية. ولئن كان ثمّة سؤال يتتبع تلك الوضعية، فإن الإحالة تصبح متصلاً استفهامياً ينقل الأسئلة تلو الأسئلة. لأن الإحالة تشير عندئذ إلى عدة أشياء تستدعي قراءة مختلفة.
1- تشير إلى كون الثقافة تتأصل باستمرار، وأنها تغزل نسيجها في هذا الطور دوماً، بحسب الدعائم التي تحتوي على تاريخٍ معطى للإنسان. والسؤال ههنا يطرح إمكانية تأصيلٍ مغايرٍ لهذه الثقافة السائدة، ويفتتح تاريخاً مطموراً داخل التاريخ. فهناك في كل تاريخ طباق من التنوع، وفوق ذلك يصعب أنْ تلتحم تحت كتلة كلية اسمها عصر ذهبي أو جماعة راشدة!!
2- تعتبر الثقافة المفتوحة مرحلةً من مراحل الوعي البشري. وأن وقوع الوعي تحت سيطرة ثقافة أحادية يعني أنه وعي تماثلي لا يؤدي دوره النقدي. لأنه لم يكن مشكلاً نقدياً من الأساس. وهذا يناقض مضمون الاستفهام برؤيته الحرة؛ أي يناقض الاحتواء داخل المعطيات التي يفحصها.
وإذا كان الوعي بطبيعته إحالياً referential، فالسؤال يفند إحالاته اليقينية، حتى لا تتراكم فتنشأ المركزية المعرفية. وذلك هو الحال مع النصوص الفقهية، التي تراكمت بدون أسئلةٍ جذريةٍ، تراكمت مع تداعيات الأحداث السياسية والاجتماعية، فما كان إلاَّ أنْ صارت بديلاً للدين ذاته. إنَّ تاريخ الفكر الإسلامي في معظم مناحيه ليس سوى تاريخ إحالة إلى فقهاء ونصوص أُقيمت على اليقين المباشر. إنَّه لا يمكن للإحالة قيد الاستفهام أنْ تظل قاطعةً في رؤيتِها، بل تتكشف عن اختلاف وتناقض مع تغاير الظروف.
وفي هذا رأينا تبايناً في الآراء والأفكار برغم أنَّ مرجعيتها واحدة حول مسألةٍ فكريةٍ ما، حيث كانت الفرق الإسلامية كالمعتزلة والأشاعرة والجهمية غيرها تتجادل بصدد قضايا كلامية، وتستمد أدلتها من القرآن. وجميعها تزعم في نفس الوقت امتلاك الحقيقة كل الحقيقة. ذلك لمجرد الإحالة إليه مع تبيان الأوجه المؤيدة لوجهة نظرها، غير أن هذه الإحالة أو تلك هي مجرد توصيل الرأي إلى مرتبة اليقين، مع ذلك لم يصل إلى تلك المرتبة، ولم يلامس يقيناً أصلياً. ببساطة لأنَّه رأي(1).
3- ترتهن الإحالة بالتقديس، فصور التراث لا تخلو بنيوياً من الإمساك بالمقدّس وتقريبه. ولكي يتمّ وضعه في إدراك مطلق، يظل أصحابه يستمدون منه الحقيقة، سواء بالتوسط أو بالتجسد أو بغيرهما. وبرغم أن تلك الفكرة تنسحب على التراثات جميعاً، سواء غربية أو شرقية، إلاَّ أنها فكرة بارزة بقوة إزاء التراث العربي. لأن جُلّ النموذج الذي يشكل بناء الأخير يقوم على "العنعنات" الشفاهية، أو الرواية مشافهةً في إطار الحقيقة الاجتماعية، تلك التي تجري حول الأحداث التاريخية والآراء الفقهية. وتنسحب على السيّر والتواريخ المتناقضة، لكن في المقابل لا تنأى "العنعنات" عن إمكانية التحريف، وتخلط بين الحقيقي وغير الحقيقي. فهي روايات مشحونة على أثير الخيال، وإنْ كانت بفعل الواقع والتماهي مع أحداثه.
4- هناك خاصية ملاصقة للإحالة بمغزاها السابق: ما إن تربطنا بفعلِ التراثِ ماضياً حتى تستهدف المستقبلَ كما أشرنا. لأنها إحالتان في عين الوقت لا إحالة واحدة. إحداهما تجاه مقدسٍ تاريخي، والأخرى توفر له فضاءً ليظل رامياً بقواه إلى أقصى نقطة يتطلعُ إليها. والسؤال: لماذا تشكل الإحالةُ بهذا المعنى تضاعيف الفكر الديني عموماً؟! مرة يقال أن ذلك يَحدُثُ باسم الثوابت التي تدعمُ وجودَ الأمةِ، وهي عبارة تحتاج إلى نفخاتٍ خياليةٍ لملاحقة دلالتها، ومرة أخرى بالاعتقاد أنَّه ما كان ليتم التفكير والإيمان معاً بدون "تراثية التراث".
هذا صحيح إلى حدٍ بعيدٍ، لكن الإحالةَ بلغت في الثقافة العربية مبلغاً يضاعفُ فعل التراث، لدرجة أنها ابتلعت كافة جوانبه، لقد أعطته حقيقةً فوق حقيقته، فالأخيرة تتألف من أحداثٍ وأزمنةٍ وصراعات وأفكار تنتثر في أرجاء التاريخ وتخضع لقوانينه، بينما الحقيقة المضافة هي سريانه أو تدفقه الأثيري الذي لا يُلوّث. وأبعد من هذا لقد تركت بصماتَها الفوقية على أفعالٍ حياتيةٍ ضمن نطاقٍ واسعٍ. وربما تتبلور الإحالةُ في أشكالٍ أخرى، فإذا بها تصبح متشابكةً بفضل تشابك الثقافة ومظاهرها، ما بين الاعتقاد والقيم وجوانب الحياة، وللإحالة كذلك أنماط تبريرية ومعرفية يمكن أنْ نرصدها فيما يلي.
# نمط إنساني- طبيعي: السؤال الذي يبلوره كالتالي: إذا كان الإنسان كائناً بشرياً، فلِمَ لا يعيش في كنف ما آل إليه تاريخياً؟! والإسناد الإحالي هنا ركون إلى ما وصل إلينا بالتاريخ، ولا يجد الإنسانُ في كنفه تعارضاً بين تحولاته اليومية وامتداده التراثي، إذ يقف في القلب من وعيه. ولعل هذا هو الذي يجعل مجتمعات عربية تعيش حالةً تراثيةً بمجملها. فتبدو مواكبةً لهذا الجعل، مستكينةً إلى ما يعيد تدوير أغلب ممارساتها الأخلاقية والمعرفية والسياسية بحيث تَحيا ماضيها مرةً أخرى. الأمر هنا يحُول بين الاستفهام كنص له فضاءه العام وبين تأثيره على "الوعي الجمعي". فهناك خوف ممن يتساءل أو يأخذ الأسئلة على محمل الجد، وقد يتم تعَقُبه بشكلٍ أو بآخر!!.
# نمط وراثي: يأخذ في عمله دلالة الوضع الاقتصادي، لأن هناك تقارباً جذرياً بين التراث والميراث، بل أشارَ اللغويون العرب إلى أن الوِرثُ والوَرثُ والإرث والتُراثُ واحد(2). وهو ما يجعل التراث موضوع تَملُك، لا لشيء إلاَّ للتعبير عما هو ثقافي أو غير مادي بمضمون مادي، ويشي في تعاملنا معه بالاستحواذ واللامساس، فهل يمكن لشخص أن يمس ممتلكات شخص آخر؟
بالطبع لا يحدث ولن يُسمّح بالاقتراب منها، فما بالنا بالممتلكات القيمية والأخلاقية والعقلية. إن التراث كدالٍ لغوي تاريخي يستحضرُ تلك القيم والأفكار. وهي لصيقة بالثقافة العربية بوصفها دائرة تملك، فلا يجوز الفحص النقدي لبنيتها ولا التساؤل حول الأطياف المختلفة التي تشكل نسيجها. والملفت للانتباه أن مفهوم التملُك، علاوة عن دلالته الكلية، يتدحرج إلى فكرة التملك الفردي، ويصبح التراث من حينه حيازة شخصية بالنسبة إلي هذا أو ذاك. لذلك نجد بعض الأفراد من باحثين ودارسين وجماعات دينية يدافعون عن التراث كأنّه خاص بهم رغم أنهم يتحدثون بلسان المجتمع العربي الإسلامي.
وينزلق التراثُ كدالٍ عبر تلك الدائرة مستحضراً التَملُك كأنه أحد فرعي الخصوصية؛ أي الملكية المادية بمعنى الميراث، والملكية الرمزية بمعنى المجد والشرف والحسب. لقد نوه اللغويون إلى هذا الانقسام العضوي: فالورث والإرث والتراث والميراث: ما وُرث: وقيل الورث والميراث في المال والإرث في الحسب، أما الأصل اللغوي المثبت لتلك الحقيقة أن التُراثَ كان أصلُ التاءِ فيه واو هكذا(الوارث)(3).
هناك تعبير نوعي له حقله الدلالي في العربية: "أن فلاناً ورث المجد والسؤدد كابراً عن كابرٍ" ومع الجمع يقال: "لقد توارثوه كابراً عن كابر"، وهو ما يشير بجلاء إلى حقيقة ارتباط الميراث بمشتقاته بالحقائق الاجتماعية التي تتشكل داخلها أطر الخصوصية، الهُوية، التَملُك. ليعود اللفظ ببعض الانحرافات في السلوك المبني عليه. وبخاصّة إذا حاولنا تفريغه وتصعيده إلى مفهوم التراث كفعل تاريخي. على سبيل المثال تقع أخطاء إزاء تفهم المواقف النقدية منه، ناهيك عن إساءة تقدير لعمل القارئ غير العربي للتراث إذ تلاحقه اللعنات، فمن يتدخل فيما لا يعنيه(أي لا يمتلِكه) نال مالا يُرضيه، بل أضحت كلمة الاستشراق مشينةً أخلاقياً(4)، فضلاً عن صيحات الحذر منها في مجال المعرفة!!.
الأكثر دلالة أن هناك من رأى العرب (بخاصّة العرق) وحدهم هم الأقدر على قراءة تراثهم العقلي والديني، بينما استطاعت اللغة العربية تأسيس فضاء لغوي أوسع من النطاق العربي، فبصدد القرآن الكريم يُقال إنَّ العرب من يفهمه ويقيم علاقة بيانية مع مدلولاته، نظراً لقوله "إنا أنزلناه قرآناً عربياً مبيناً".
هذا الاعتقاد يمكن الاختلاف معه: أ- أنَّ اللغة العربية كظاهرة بيانية تؤسس وجودَّها كأي لغة بمقدار ما تُحقِق بنيتَها الدلاليةِ المعبرة عن الفكر. وهو أمر يتسع إلى ما لا نهاية، واللسان هنا ليس عربياً قصداً دون غيره إنما لأنَّه يقدم الظاهرة البيانية حاملةً تصوراً للعالم والحقيقة والمعنى كاختيار إلهي. ب- أغلب أصحاب الانجازات ضمن إطار كهذا ليسوا عرباً بالمولد ولا بالعرق، ومنهم علماء نحو ولغة وفقه، ومنهم فلاسفة ومؤرخون، كالغزالي وابن سينا والقزويني وغيرهم. ج- يصعب أن يتحدث القرآن في الآية السابقة عن مركزية لغوية linguistic centrism نواتها العرق العربي، لأن صفة البيان لا تفيد الفوقية، بل الإبانة والتأكيد على اللغة المستعملة في التعبير، وليس الحصر لأنَّ الإسلام دين يتوجه إلى الإنسان كإنسانٍ وهذا جزء من عالميته المفتوحة على التاريخ.
# نمط قومي انتمائي: ويتحدد في إطار كون التراث معبراً عن محيط قومي، يستمد منه هؤلاء المنتمون إليه وجودهم. ويبدو التراث كأنه يدعم وجودهم من جانبه ويعطيهم ميزة الوجود معاً تحت سقف من الأهداف والغايات، ثم يعود عليهم بالانتماء المشترك. لكن الملفت للنظر اعتبار هؤلاء كتلة هلامية واحدة، طالما أن هنالك سمات عامة لتراثهم. لدرجة أنَّ الرغبة في إثبات الوجود القومي تقود إلى تجاهل الاختلاف الذي كون التراث نفسه، وكأنه متصل قومي متفرد. وتنهض الرغبة على إمكانية الانطباق بين القوم ككتلةٍ عرقيةٍ وبين التراث كمخزونٍ قيمي وروحي. فالقوم هم الجسد بينما التراث بمثابة الروح. وكما أنَّه لا يوجد جسد بلا روح، فكذا يمثل التراث الأحشاء التكوينية لهؤلاء القوم، وعادة ما يعتبر التراثُ بهذا الوضع "ذاكرةً شعوريةً" تُقوي العلاقة بين الطرفين، وتترك آثارها على الممارسات العامة.
المهم أنَّ تلك الذاكرة تُسقِط أية مواقف تساؤلية تَحُول دون فتح دروب مخالفة للمألوف، والمألوف عادة له سلطة مقدسة أكثر من أية سلطةٍ غيرِها. لذلك تنطلق الاتهامات يميناً ويساراً لملاحقة المواقف الخارجة عن الإجماع العام، تحت اعتبارات أنها قد تشق صفوفاً تدافع عن ثغور المسلمين ضد المخترقين، وتعطي فرصةً لأعداء الأمةِ أنْ ينالوا منها، وأنَّها في أدني الأحوال ربما تثير الفتن والقلاقل فيما هو ثابت وراسخ لدى الأجيال المتعاقبة.
المدهش أن تلك الآلية الدفاعية تُسّيِد جانباً على جانب آخر في التراث العربي، فهناك جانب تراثي يأخذ متصِلّه القومي من الغالبية في الاعتقاد أو الإيمان أو الصراع، فمثلاً يُعرف الجاحظ بأنه أديب في الكتابة الأدبية جرياً مع شهرتهِ العامة، ويتم التندر بكتاباته ورسائله في المجالس الخاصّة والعامة، بينما نجد وجهه الكلامي- الاعتزالي غير معروف، نتيجة غلبة الأشعرية وهم الأصول الممتدة التي يستند إليها أهل السنة والجماعة. وقد يكون السبب أن القطاع الغالب من الثقافة العربية يرزح تحت نير المقلدين، لذلك تُفرِز الذين يَشذُون عن التيار الجارف، وأن الناس بما فيهم رجال الفكر والعلم يستنكفون عن طرح الأسئلة الجذرية التي تقلقل يقينهم.
وإذا سُئِل قارئ أين الجاحظ الاعتزالي؟! لقال إنَّه صاحب إسهام ضعيف، ولم يولِ اهتماماً إلاَّ قليلاً للقضايا الكلامية. لكن متى كان الإسهام في الفكر ضئيلاً في ضوء حجم الإسهام؟! إن إسهاماً قد يكون محدوداً غير أنَّه أكثر نفاذاً وإبداعاً من مؤلفات متراكمة لمفكرين داخل الاتجاه الواحد، وقد يشكل اعتزال الجاحظ مضموناً جديداً في مجال الفكر.
# نمط اقتصادي- مادي: على اعتبار التراث مخزوناً حضارياً، يُؤخّذ منه ويُترّك بمقدار ما يتم الاحتياج إليه استراتيجياً في مواقف حياتية وحضارية. وهذا معطي اقتصادي للتراث، كما تجري التعاملات اليومية مع الأرصدة المالية، والإحالة تحتفظ لنفسها بحق الرجوع المجاني دائماً إلى الماضي. هذه النظرة تضل طريقها بصدد التعاطي مع التراث لجملة ملاحظاتٍ.
أولاً: هي نظرة سكونية تُحِيلُ الحاضر ومستقبله إلى ماضٍ لن يعود. وبالتالي تدفع بالتراث إلى أن يكون رصيداً متضخماً، لأنه كعملة حضارية (أوراق نقدية) لم تجد سوقها الحضاري الراهن الذي يمكننا من الإفادة منها. وهذا ما انتهينا إليه، لدينا تراث ثري ولا نستطيع الدراية به ولم نسبر أغواره.
ثانياً: التراث نامٍ وليس ثابتاً؛ أي لا يمكن تجميده كأرصدة خيالية (أو ذاكرة شعورية) وفوق ذلك يظل مكانه ترقباً لأن نستدعيه، ما أشبه ذلك بما فعله جحا، هذه الشخصية الهزلية، حين وارى نقوده تحت السحاب خوفاً من السرقة، ليذهب إلى بيته مطمئناً أن أمواله في مكانٍ آمن. فما كان إلاّ أن وقعت في يد أقرب مار عليها. إنَّ التراث لا يبقى على حاله، لأنَّه بخلاف ما نتصور حالة راهنة دوماً كما أوضحت، فهو استباق مستقبلي، يُغطي مساحات الأحداثِ القادمةِ، إنَّ ثِقله يَرمِي إلى الأمام لا إلى الخلفِ.
ثالثاً: يستحيل إحداث قطيعةٍ مع التراث، فهذا لو حدث معناه موت تاريخي للإنسان، والتاريخ والثقافة والفكر أشياء ليست منتمية إلى الحاضر فقط، إنما تخص كل الزمن، وقد لا نعلم مركزَ انتمائِها ابتداءً.
رابعاً: لم يتضح بعد القانون الذي تُسحب بناء عليه الأرصدة التراثية واستعمالها. وانكفاء الثقافة العربية على اجترار ماضيها، كأنه غير قابل للهضم، وإعادة إحياء مذاهبها التقليدية، لهو تجاهل لهذا القانون، وعدم القدرة على إبداعه. المثل الشعبي يقول: "جحا لمّا يفلس يفتش في دفاتره القديمة".
# نمط قيمي: عادة ما يدخل التراث حيز القيمة. وذلك أنَّه يزود أفراد المجتمع بالعمق التاريخي حين يعطيهم قدرة على مجابهة المستجدات بنفس قوة أسلافهم. بذات المنطق يُوفر التراثُ معايير لمقايسةِ الأفعال الاجتماعية والأخلاقية. وفي نطاقِ المعايير يَحدُث هناك تشابه بين الأفعال مع اختفاء المعايير، فيتم ممارسة الأفعال كأنها واحدة قديماً وراهناً. ثم بحكم قبول الأفعال المنتمية تاريخياً إلى القديمِ، فإنَّها تبقى في شكل المعايير، على الرغم من إمكانية تكوين معايير مختلفةٍ.
يجسد هذا الموقف خلطاً واضحاً بين المرجعية والمعايير، فالأولى أصولٌ ارتضى المجتمع أن تكون كذلك بفضل الاعتقاد العام والتراكم التاريخي الثقافي، بينما الأخرى فتمثل أحكاماً للفصل بين الأفعال وتقرير ما إذا كان يمكن انتظامها وفق المرجعية أم لا. كما يعتبر التراث كقيمةٍ ظاهرة حضارية بالفعل، غير أنَّ الموقف المذكور لا يميزُ بين الفعل والقيمة، وأنَّ نفس القيمة يمكن نيلها بعمل آخر، مادام هناك - بتعبير الفقه- مقاصد عُليا تتحقق في أعمال تالية.
على أنَّ انجاز العمل الذي يقرب المقاصد يؤكد أن قيمة التراث في تجاوزه وإبداع تراث آخر من داخله، وقد يقال وما القيمة في ذلك؟! لعل التراث حينما يُبلِغنا قيمةً في أحد المجالات، فهو أمر مهم في ذاته، وهي قيمة لن تبقى متفردةً، بل قابلة للتعدد وللتجدُد الإبداعي. والتساؤل تجاه "تراثية التراث" يعني تعددها كما لو لم تكن من قبل، لأنَّها مرحلة لاحقة على الأصول، لتأتي القيمةُ بصيغة القيم المتتابعة.
بناءً على ذلك، فإنّ أنطولوجيا السؤال هي أنطولوجيا قرائية- وجودية، لا قيود عليها إلاَّ بمقدار ما يرسمها الاستفهامُ من آفاق التفكير في التراث الحي، أما جوهرها فيتسنى تحديده في خطوط مؤديةٍ إلى بعضها.
أنطولوجيا السؤال
(المعنى والقراءة)

الحدود الطرح المختلف
المعنى الكشف
المُساءلة اللا انتظام

لنقرر مبدئياً أنَّ حدودَ الموضوع التراثي يقابلُها الطرحُ المختلفُ وتتكون معه. فتبدو الانطولوجيا الاستفهامية مُشكّلة بواسطة كتابة نص باستطاعته صياغة هذه الخطوط عبر مفاهيم وطباق من الأفكار والرؤى التراثية، ويأخذ قدرته من حقائق "تراثية التراث"؛ أي يستفهم السؤالُ في كل خطواته ماهيةَ النصوص والخطابات لمعرفة وإعادة كتابة ما يجعل التراث تراثاً خلال عمليات إحضاره.
إنَّ لكلِ سؤالِ أنطولوجيته النصية، وليست انطولوجيا واحدةً. وذلك تبعاً لاختلاف التراثات الموجودة في التراث الواحد بصيغ الجمع(5). ندرك تلك الصيغ حين يُثار استفهام حول إحدى الظواهر، ولتكُن ظاهرة التطرف الديني، حينها لا يمكننا الفهم، بل ويتعذر التفسير المقبول لوجودها دون أنْ تبقى عمليات الاستفهام متواصلة حول الجذور والأسس والانحرافات في "معنى" الدين كاعتقادٍ ونزوع شكلي، ولماذا يتحول الشكل إلى عقيدةٍ حدية تبتلع الدين بمجمله؟! ولماذا يصبح الشكل الديني ظاهرةً قابلة للانفلات؟! وكيف يتحول الاعتقادُ إلى فعلٍ انتهاكي، أي إرادة قوة عنيفة will of violent power؟!(6).
في هذا المضمار ليس سهلاً تماماً أن تُقدَّم إجابات خاطفة، إنما يحتاج السياق نحت أنطولوجيا استفهامية داخل جسم التاريخ الديني- الثقافي. الجسم الذي يأخذ هيكلته وأنسجته وشرايينه ومراكز الحس فيه من اللغة كأحداثٍ نصيةٍ. الأنطولوجيا تنشأ في تكوينها شيئاً فشيئاً نتيجة الطرح، حيث يَنتظِرُ القارئ مساراته. إن تلك الانطولوجيا تتكشف داخل العمق من تحولات تراثية، عندما نتساءل حول حدوده الكامنة في تراثية التراث، تراثية الحياة الراهنة والقادمة. هذا الحد أو غيره يتمفصل مع أكثر الأشياء حداثة، كوسائل الاتصال، الأقمار الصناعية، التقنيات النووية.
إنَّ حدود التراث تتسع إلى مالا نهاية كفعل للذاكرة. فالذاكرة تحمل مطلقها. وليست مشكلة الحدود محسومةً كما يُظن، بل سيكون هناك مجال لفعل التراث ضمن بناء العقل القائم بمهمة تحديده. لدرجة أنَّه لم يُحدِد مفكرٌ حدود التراث إلاَّ بإثبات ما ليس فيه ونفي ما في عمقه. فنظراً لكونَ المفكر أو القارئ مستغرقاً فيه على نحو التفافي دائري، فإنَّ فعل التراث يتحقق على المستوى نفسه الذي يحدد به هذا المعنى أو ذاك.
هكذا تُوجِهُنا الأسئلةُ إلى مسارات مختلفة، مثل عملية فهم التراث، وكيفية تحققه، وأساليبه المتناقضة التي يحضر بها. وهذا يفترض أن المسارات لا تخرج عن حدود التراث وتداعياته، فليس باستطاعتنا طي صفحته، لأننا محفورون فيها بنقوش تاريخية،. وليس الاستفهام ضرباً من التخمين، إنَّه بكل بساطة استعمال المواد التراثية في مساءلة محتوياتها ورواسبها وما تفرزه من آفاقٍ. لكن ما الدليل الذي يقود السائل تجاه هذه العملية؟!
إنّه المعنى الذي يؤشر إلى هذا المسار أو ذاك، فلا سؤال بدون معنى يتتبع إيقاعه الخفي. بذات الوقت لا سؤال بدون تضمين قيد الاكتشاف يمسحُ جوانب غير مطروقةٍ من التراث. فالمعنى يقف لدى شبكة العلاقات والأنماط المرتبطة بحقيقة الحقائق المسماة بالتراثية. هي ما تبرز أهمية "تراثية التراث" في مجالات كثيرة: الفكر، الممارسة، الصراع السياسي، التنوع الثقافي، الخطاب الديني. وبفضل المعنى تظهر حقائق كهذه في وضع التأثير المباشر، لأننا غير قادرين على الوجود تاريخياً دون معنى لأفعالنا.
فعلى صعيد الفكر نتساءل: ما مغزى الجدل الدائر مثلاً حول مسائل الإلهيات بين الفرق الكلامية؟ إن هناك معنى بالنسبة لهذا الجدل، إذا ما أُخِذ في سياق جدلٍ وصراعٍ سياسيين واجتماعيين، يحاول الأطراف تقديم تأسيس لموقفها فيه بمحاولة تأويل النص الديني، وبمحاولة تقديم صورة مناسبة لتعميد الأفكار والمناورات السياسية في عمق الأصول الدينية كي تواصل نفاذها.
أمَّا إنْ أردنا معرفة الحقيقة، فالمعنى يرسم مسارات داخل خريطة النصوص، والتي تنقل جينات هذا الجدل، حيث الملابسات المحيطة على عمق غائر في اللغة والمجتمع. والنصوص ها هنا عبارة عن تحولات وأبنية مركبة، تأخذ معناها كأحداث تاريخية وتساند بعضها بعضاً. ليتعمق الاستفهام مؤكداً على الارتباط الوثيق بين المعنى والكشف(7). وهو مسافة يقطعُها أي سؤال. فهذا الأخير إذ يمثل بحثاً واستجواباً فإنما يضع شيئاً ذا معنى- بالمفهوم الآنف- قيد الانكشاف.
يقول بيير جيرو" المعنى علاقة ما، حيث تربط هذه العلاقة أي معنى بمعنى جديد..... وهذا يسري على كل شيء، كل المعارف، كل التجارب، لأنَّ كل شيء علامة: كل شيء مدلول وكل شيء دال"(8). فلا يوجد شيء من المعنى إلاَّ المعنى القابل للتتابع، لكونه منتشراً وسابحاً في فضاء الثقافة والوجود الإنساني بأطيافهِ. والمعنى ليس ضرباً من المصادفة، أو جولة من جولات لعب النرد، لكنه يَسلكُ دروب المجاز والتشبيه والتعبير سائراً وفق قانونية الحقيقة الغالبة، إنه الوجه الدال لما يُعدُ وجوداً تاريخياً بمدلوله الرمزي.
• اللغة كقانون رمزي.
هناك سؤال منطقي: ما الذي يحفظ وينقلُ قانونية الحقيقة؟! ما الذي يضمنُ تماهيها مع مفاهيم التراث؟! يرتبط هذان السؤالان بأساليب تراثية يحضر بها نمط التفكير المهيمن. وإذا كان الاستفهام الأول يتعلق بالحقيقة في رمزيتها السائدة، فقضيته الأساسية أن فعل التراث لا يسرى هكذا من غير وسيطٍ، ولا بدون أقنعة يتعين وراءها، بل قد لا يواتينا بمضمونه وجهاً لوجه. لأنه يتحقق من وراء حُجب، ويقع -توضيحاً- ضمن الخطابات التي تتعامل حياله بمفهوم القطيعة، ويجتذبها إلي الالتقاء معه في نقاطٍ جوهريةٍ، وتتداخل مع أبعاده إن لم يكن بالشكل فبالمحاكاة، لتمثل هذه الخطابات متونه المعاصرة.
لعلَّ اقتراباً من أسئلة كهذه تكمل قضيتي السؤال والمعنى، والسؤال كنص. ولكي نعرف أبعاداً لهاتين القضيتين، ينبغي طرح استفهام كاشف: كيف يحدّد خطاب أو آخر أبعاد التراث وهو جزء منه؟، وكيف أُتيِحَ له خيط لمناقشة قضاياه؟ ربما يُقال إنه الفكر، حيث يتحدث من خلاله، ومن منطلق القدرة على التفاعل مع تداعياته الراهنة. لكن حالة كهذه لا يكون الفكر مستقلاً بذاته، وليس منسلخاً من أسر القوانين التي تحكمه وتدفعه للانتظام تبعا لأطر معينةٍ، لعله يقف أبعد مما نتصور على خلفية تراثيةٍ لغويةٍ لا مناص منهاً. إنَّه يخضع لوضعية صياغته بمضمون التعبيرات الحاملة لأثقال اللغة، ويُحتِم أن نُخبِرَه ونَعرِفَه هنالك، جرياً على خلفية فكريةٍ هي مجرد واجهة تضعنا في محيطها، إذا نهضنا إلى معالجة أية قضية، كما أن أي تفكير لا يمكنه أن يتجاهلها.
اللغة هي الضامن لهذا السريان، لتلك التراثية واسعة الانتشار. ولا يجب أن نتوقع اختفاءها، إنما ستظل باقية مع تداخل الخطابات ضمن حدودها. ويستحيل القفز على ذلك البقاء الممتد، وإلاَّ سنقفز إليه مرة تالية. لأنَّه لا قفزةَ في مجال التفكير إلى خارج اللغة، دائماً يتم الانتقال إلى الداخل، حتى وإنْ كان القارئ واقفاً في أقصى نقطة محتملة. أمَّا الطريق الممكن لمعاينةِ ذلك فهو أنْ نضعها قيد الاستفهام، على اعتبار ضرورة الوعي ببنيتها الرامية إلى التحكم في كافة التفاصيل. والمعضلة من توها ليست أن حدود التراث كذا أو كذا، إنما هي تتشكل على مسافة أعمق بفضل تشربها باللغة كقانون رمزي للثقافة المهيمنة. وأيضاً ليست اللغة بهذا الصنيع بَلُوناً فارغاً يَحملُ محتويات تراثية، أشبه بهواء تمتلئ به، لكنها تفيض وتتسرب بمحتوياتها كلما حاولنا التفكير بها(9).
"التراث" الفكري أو "التفكير" في التراث عبارتان متراوحتان وممتزجتان مع جسم اللغة، الجسم التاريخي الذي يحتوينا ككائنات إنسانية تغتذي عليه آخذة أسباب الحياة. ففي عين الوقت الذي نرتديه يرتدينا، إضافةً إلى أن اللغة لا تمثل الفكر فحسب في مبناه القابل للطرح، إنما في جوهره القابل بانفتاحه للاستيعاب والمعاودة. إذ ذاك يُطلب من اللغة بنفس الوضع أنْ تحدد موقفها من المستقبل، ومن الأنماط المتباينة للثقافة، ومن الأوضاع الجديدة، فلا تملك اللغةُ عندئذ إلاَّ دوالها ونظامها القابل للترميز، لتطرح أفقاً ضمنياً، واللغة بتأسيسها لهذا الأفق إنما تؤسس لذاتها.
لذا كثيراً ما تتفق حدود التراث مع حدود اللغة. ولأنَّ اللغة متعينةٍ اصطلاحاً، فإن التراثَ يتلاشى كما تتلاشى اللغة لو أردنا تثبيتَهما على وجهٍ واحدٍ. ويبدو على إِثر ذلك أن الكلامَ واللغةَ والتراثَ أشياء متضامنة تاريخياً. لقد ظلت اللغةُ تتوسط لإيصال حقائق يُمثِلها التراث بالاسنادات السابقة، كما أنه لا يتحقق تراث بدون لغةٍ يتشكل على أَثرِها ويُمارِس طفواً معها داخل الخطابات، وبواسطة طرائق الصياغة الفكرية والبلاغية، فلا مجال لتفريغ الكلمات من مضامينها. فهي إذ تمارس امتلاءً بالمعنى فإنما تحقق بعداً دلالياً تراثياً مازال متغلغلاً حتى الآن، ولن يُمحى، بل يقف بنا على أعتاب أحداثٍ وتواريخٍ، وكذلك يُرشِقُنا في قلب الصورٍ والأخيلةٍ بواسطة التفكير الاستعاري (metaphorical thinking .(10
ثم لا تنفصل اللغة عن أنظمة الفكر، فالفكر يطلبُ الحقيقةَ على صعيد الواقع وإمكانياته. بالتالي هو صيغة من صيغ تلك الحقيقة، أي التعبير عنها في النصوص والخطابات والأنظمة الدلالية. وهذا كله يُعاد دمجه في الثقافة بقانون رمزي يعطيه صورته القادرة على إنتاج الأفكار مرة ثانية، بحيث إذا أراد الأفراد التفكير في قضايا من هذا القبيل أو ذاك، فإنهم يستمدون حقائِقَهم، مما سطرتها اللغة، وتركتها كنماذج مطبوعةٍ في الألفاظ والنصوص.
وإذا كان الاستفهام لا يتلاشي في قاع اللغة، فإن تتبع مصادر الذات والتفكير يبدو ضرورة من ضرورياته، وهو تتبع ينجم عن الحاجة لطرح وجودنا العربي ذاته إزاء محددات مازالت فاعلة ومتعلقة بما هو ماضٍ، ويستحيل التعامل معه كتاريخ محايد، أو كأحداث زمنية فات أوانها، بل كقانون داخل اللغة يستنبتُ وينتجُ نفسه على الدوام. فمازلنا نَحيّا داخل مجالات كثيرة في عصورٍ غابرةٍ. من هنا يعد السؤال تجربة مع المعيش، ودعوة للوقوف طويلاً داخله، والمكوث بلا تردد للتفكير تاريخية. في تلك الحالة ينبغي الإنصات إلى أصداء أزمنة سحيقةٍ، إلى أًصوات الأبد وراء الركام كي نفهم القريب والعيني والمباشر.
لا تخلُو دلالةُ السؤالِ من اختراق الكل الذي يتبلور في اللغة، هذا الذي يحكم أطر التفكير ويرسم الأفق الثقافي على الأصالة كما أبرزت في الفقرة الأولى، بل لا يُفهم الوضع الحقيقي للاستفهام ما لم يؤخذ الكل في الحسبان بوصفه الذي يختّزِل موضوعات ويُظهِر أخرى. وبجانب ذلك يغيبُ الكلُ لدرجة التلاشي داخل اللغة، ويبلغ ذروته رمزياً، لتتواءم تراثية التراث مع وجوده وتحولاته. وهو في حالة الثقافة العربية بمثابة المعالم الأساسية التي ضمنت بقاءها وإمكانية التعبير عنها، ولعلها تتمحور حول الطابع الديني، لأن الحدث الأكبر في تاريخ العرب هو الوحي الإسلامي، وأن تفسيرات النص القرآني كلغة حفظت قانونها الرمزي وقاربت تاريخها(11).
وبرغم أنَّ صيغة الأسئلة جزئية عادةً، إلاَّ أنها تمارس دورها باكتشاف الآثار التي يتركها هذا الكل، ولاسيما أن تراثية التراث تمارس حقيقتها على نفس الصعيد. وما كانت الثقافة لتواصل هذا التشكل لولا حلول الكل التكويني، حيث تبلغ أهدافها بواسطته. في هذا يقع التراث خارج الاستقطاب بين ذات وموضوع، من جانب ارتباطه باللغة. ومن ثم ارتباطه بالتعميم الكلي، مثلما لا يتسنى الوعي بحركته بمنأى عن نطاقها، واللغة كراعية للقانون الرمزي هي الشكل العيني للتعبير عن الأسس والمبادئ.
علينا التذكُر مراراً: ليست اللغةُ ألفاظاً فقط، بل هي تجلٍ له طابع الإلزام ينتقل دون قيود، وإنْ وجدت يخترقها الكل عن طريقه، ومن الصعوبة بمكان الإمساك به، لأنه قد تَماهى ضمن أنظمة وحتميات خطابية. مرات كثيرة ننسى أن هناك آراء فكرية لها درجة من الواقع نفسه، وهناك تاريخ لا يمكن إزاحته جانباً من غير أن نعيشه. إن تَشكُل التراث باللغة عبارة عن مؤسسات وأبنية صورية وصلت إلى مرتبة الأقانيم. وهي مازالت تتحكم رمزياً في طرائق النظر والتقييم ونمط التعليم والأداء الاجتماعي للأدوار والأفعال، إنها تُسيِطر على إنتاج الثقافة العربية لوجودِها التاريخي، وبذلك تُعدً موضوعاً غير متعين، لا لأنها عاجزة عن العيش في الواقع، لكنها تُعيِن وتُعايِر(من المعيار) موضوعات خارجها.
يظهر عمل الاستفهام أكثر ما يظهر إزاء التراكم العيني لمؤسسات اللغة في الثقافة العربية، وتظلّ مشروعيته مفتوحةً على الدوام. لكن مفتوحة على ماذا؟ إنها تنفتح على نبض المستقبل الذي يمرّ متخفياً، من خلال التفكير والتعبير والإرهاص بالتاريخ القادم. لماذا يبدو المستقبل فاعلاً هنا بالذات؟ لأن التراث العربي يعطيه نماذجَه القابلة للمرور مجدداً حيث تتدخل اللغة كقانون رمزي يَحكُم عمليةَ كهذهِ. وقد حَدثَ شيء في المجتمع العربي بتلك الطريقة، فكما أنه بالإمكان استعمال عبارات لغوية مع اليقين الضمني بوجود قواعد صرفية ونحوية حاكمة، كذلك تمّ التفكير في مشكلات الواقع مع الاعتقاد العام بأنها مشكلات حيادية وغير مستندةٍ إلى أرضية تاريخية، بينما هي بالأساس تجد تفسيراتها- بل تجد حقيقتها- بهذه الأرضية.
ويبدو ذلك واضحاً في المجال الاجتماعي الراهن في معظم الأقطار العربية، إن أنظمته، صور الإنسان فيه، نمط السلطة السائدة، الأداء السياسي المحرك له، القيم الأخلاقية المنتشرة داخله، هي أشياء مازالت ملتبسة بنماذجها وبمضامينها التراثية برغم الأشكال الحداثية المادية المستنسخة. ونظراً لعدم تحرير هذه المضامين من أسر العودة إلى الوراء، تتواصل صعوبة تلك المشكلات.
إنَّ اكتساب التراث العربي أبعاداً رمزية على خلفية اللغة جعله مُشبّعاً بشحناتٍ دلاليةٍ في كل سياقٍ راهنٍ، ذلك أن اللغة العربية تاريخياً شكلت الإشباع المتواصل بالامتلاء. ولا أدلّ على ذلك من أن الشعر وهو اللغة يمثل ديوان العرب الأول الذي حفظ مآثرهم وأمجادهم ومستقبلهم أيضاً، لدرجة يَترجّحُ فيها القولُ بأن العربَ من تلك الجهة ظاهرة لغوية - حياتية، لأنها منحت وتمنحُ فضاءات الثقافة تاريخيتها، وتُسمِي الكائنات وجودياً كما لو لم توجد إلا بأسمائها، تلك التي تعني ضمان الحياة إلى الأبد.
من ثم فإنَّ الشحنات الدلالية لكلمة التراث شحنات غير قابلة للنقل دون أنْ تزداد اتساعاً، حتى استحالَ فعل التراث إلى عمل أيديولوجي، ثم حولته اللغة إلى وجودٍ بالأصالة. وقد يُعتّقد أن تلك ظاهرة جديدة، حيث أن تداول كلمة تراث في اللغة العربية لم يَعرِف في أي عصر من عصور التاريخ العربي من الازدهار ما عرفه هذا القرن، بل يمكن القول من البداية إن المضامين التي تحملها هذه الكلمة في أذهاننا اليوم نحن عرب القرن العشرين وكذلك القرن الواحد والعشرين، لم تكن لتحملها في أي وقت مضى(12).
1- هذا صحيح ليس لأنه حقيقي، بل لأنَّ ظاهرةَ اللغة تكثفُ الأشياءَ رمزياً، وتخففُ من الأثقالَ النسبية مقابل إدماجِها في الكل الثقافي، وبهذا تعطي الكلمات والنصوص سريانها المُقوّى.
2- وهذا غير صحيح بذات الدرجة. لأن التراث يتقدم تاريخياً- في كافة مراحل التاريخ- عن طريق اللغة في لحظة كثافتهِ المطلقةِ، و الدليل على ذلك أن التراث العربي الإسلامي ينحل إلى سياق فكري وقِيم روحية دينية وأخلاقية وجمالية تكاد تطغى بحكم تراثية التراث على كافة المظاهر الأخرى. وبذلك ستظلّ المجتمعات العربية تعيش تراثها شاءت أم أبت. لأنه ليس خياراً، هو وجود لا بُدَّ من تقديم قراءةٍ له في كل لحظة واستقباله المستمر بصيغ جديدةٍ، بعبارة أخرى لا بُدَّ من الحياة فيه بطريقة مختلفةٍ.
3- ليس هذا القول فعلياً، لأنَّ التراث كلغةٍ له جذوره التاريخية، ويتحول إلى خطابٍ معرفي في معظم الثقافات العالمية لكونه يحمل رسالة. فكلمة heritage الانجليزية ذات أبعاد أخرى تحملُ الدلالة على المعتقدات والعادات الخاصّة بحضارة ما، إنَّها تشير إلى الميراث الروحي والثقافي، وهو ميراث يعيش مع أصحابه في كل مواقفهم وأنظمتهم الحياتية، التي تتحرر تعبيراً عن نفسها بفضل أبنية التفكير المرهونة بكلية اللغة على تقنين الأشياء.
واللغة بذلك التقنين لا تحدد اتفاقاً ملائماً فقط خلال تلك الأنظمة، لكنها تُحدِثُ الفكرَ؛ أي تُتيحه كحادثةٍ كما لو لم يَحدُث من قبل. وفي كل مرة تفعل ذلك، هي تحديداً تبين كيف تحققت الأشياء عن طريق الأَحداث السالفة التي أُنجِزت بتلك الطريقة، وتشير إلى أي مدى يتناغم صوت العالم الذي نوجد به في ثقافتنا العربية مع كل ما يقال من ألفاظٍ وعباراتٍ، لنعرف كيف نعبر عن الإحساس والتذوق والاختلاف إزاء الواقع؟!
فالعالم في العربية محكوم بما تفرزه اللغة، إنَّه من العلم؛ أي معرفة تتحصل قصداً في إطار موضوع دالٍ على الكل الثقافي. ولئن كانت اللغة ممارسات رمزية للتواصل والتعبير، فهي عملية حدوث لا تنتهي. وليست رمزية التعبير طرحاً لمضمون محدد، بل لمضمون قابل للانتشار. كما أنه ليس مضموناً مكوّناً في ذاته، لكنه يتحول إلى حقيقة معبراً عنها بسيولة لا تنقطع، حقيقة قابلة للانكشاف. وكما يقول "جادامر" فإن كل تحديد لمعاني الكلمات ينمو بأسلوب حر أشبه باللعب playful الذي له قواعد، لأنه قائم على قيمة الكلمات في المواقف العينيةconcrete situation (13).
وبذلك لم يكن التراث العربي مرحلة تاريخية ليتوقف، لكنه مازال وسيظلّ يتكون، سواءً بالإضافة إليه، أو بإعادة تدويره، أو بالانهماك في عملٍ لتطويره. واللغة بتلك الفكرة هي الانكشاف الرمزي لمعرفةٍ ووعي يتحركان في التاريخ. إن التراث هو المخزون العام لاتجاه التفكير. والسؤال من ثم يعد شكلاً نوعياً للإدراك النافذ، لعلّه يجسد اختلافاً معرفياً يقوم على طرحه، وفوق ذلك على علاقات وطرائق الأداء تجاه موضوعاته عبر اللغة. وهنا ينبغي أن نلتفت إلى جملةِ أشياءِ.
- تتيحُ اللغة للاستفهام قدرات التفكير المنفتح. وليس ذلك بحركة تلقائية، لا بُدَّ للأسئلة أن تبلور أداءً فاعلاً في قضايا نصية لها قانونها الرمزي، وتغطي الواقع بطبقة سميكة من المعاني إلى درجة حجبه، لكن للأسئلة أن تستثمر ما في اللغةِ من لغةٍ(14).
- تمثل اللغة متصلاً لا يخرج منه الاستفهام للتعامل مع دلالاته، ولتكوين نصه وإشكالياته. فإذا كنا في الوقت الذي نتحدث فيه عن التراث نجتره ونتحدث به، فلا بُدَّ أن يتفاعل أي سؤال مع هذا المتصل، لأنه الطريقة المهمة لإعادة النظر تجاه الأشياء بوعي مغايرٍ.
- إذ تعبر اللغةُ عن الحقيقة فإنها هي الحقيقة، لا حقيقة سواها من جهة قدرتها على بلورة نظام ينهض على الاختلاف، ولأنها تعطي جميع الأنظمة الأخرى مدلولات حين تجري عملية التفكير.
- لن يكون السؤال تأملياً صرفاً، إنماً يترك فعله نتيجة البحث عن المعنى، ويصعب أن يؤثر سؤال من غير فاعليةٍ من هذا القبيل. وهي عبارة عن التفكير مجدداً فيما يصعب التفكير فيه، كأن السؤال يتيح لنا معاينة اللغة من الداخل، أليست لصيقةً بالتفكير أو العكس ( التفكير لصيق بها)؟! إذن تُفتّض اللغة في انغلاقها عن طريق الاستفهام، تنفتح مع قانونها الذي لا يبتعد عن أي قانون آخر.
وحقيقة المعنى هنا غير المعنى كما أشرت إليه سابقاً، فمن المهم معرفة ما الذي يجعل المعنى معنى، وفوق ذلك يصبح له وجوده الملزم لنا؟! ومن أين يأتي ويواصل عَملِه المؤثر؟! قد نسمي حقيقة المعنى ما وراء المعنى، سوى أنَّ ذلك ليس قفزة ميتافيزيقية، إنَّه تعقب لآثار حدثت بفضل أشياء معينة، أشياء تبدو جديدة حيث تعمل اللغة كواجهةٍ لترسب ما هو رمزي اجتماعياً أو ثقافياً.
أما أوضح ما تبرزه اللغةُ فهو الوجود مع الآخرين، ففضلاً عن اعتبارها الآخر الأكبر، تتيح الالتقاء مع هؤلاء أو أولئك، ليعرف الإنسان أية قيود وانتظامات تربطه بهم، وبإملاء منها، وبتغليظ المعاني من قِبلِها. وعلى الإنسان من الآن فصاعداً التعرف على مقاصدهم وأهدافهم، فلا يُمسِي ذا كيان داخل هذا النظام إلاَّ بحسب علاقةٍ يَمتّثِل لها تَمام الامتِثال(15).
كانت الصراعات السياسية والاجتماعية في تاريخ الثقافة العربية دائرةً حول امتلاك الآخر عن طريق امتلاك اللغة؛ أي الاستحواذ على نصوصٍ تفسر النص الديني الأول، وتطلق القدرات للغة، وبخاصة أنَّها تملأ الواقع معطيات دلالية، جوهرها هو احتواء الصراع بصيغة مقبولة، بينما تنحُو ضمنياً نحو استنطاق الوجود التاريخي لإخضاعه بشكل أو بآخر. من ثم انتشرت التفسيرات العديدة للقرآن بانتشار الفرق والمذاهب الدينية. لأنَّ اللغة هنا سلطة حاملة لقناعات الطرف الغالب، مستثمراً كونها- حين تتحدث- تُلقِي القولَ بمنطقِ الكل. هذا الآخر الأكبر، آخر نادراً ما يفلت أحدٌ من عينه الحارسة للقانون الرمزي، وهى عين تعكس ماذا عساه أن يفعل بالضبط.
إنَّه مع وجود الآخرين تتحدث اللغة كما لو لم تنطق من قبل، وتُرسِخ دورَها الرمزي بصورة تبادلية عن طريق تجاوز الأطراف جميعاً. حتى لو أخذت تضخمها من طرفٍ معين فإنَّها سرعان ما تعلن استقلالها. فهي توجد بين ذات وآخر، لكنها تتحدث من موقع أكبر. وبالتالي تؤدي الرموز مهمتها في بلوغ الموقع الذي يستحيل تجاهله، ليصبح الرمزي بتلك الطريقة ميداناً للتعبير عن واقعٍ فوق لغوي. إنّه يختزل اللغة إلى غيرها، إلى ما عداها. فإذا كان ثمة انفتاح لها، فلأنه إظهار وتجلٍ وإعلان. حيث يُقال ما يصعب قوله والوصول إلى معناه، ويسمى عندئذ انفتاحاً، نظراً لكون اللغة ترمز إلى ما يتعذر الوصول إليه دون هذه الطريقة في التعبير(16).
أمَّا إذا وُجِدَ المتعذر قوله، فلا يوجد إلاَّ تأويلاً. نظراً لأنَّه يتعين على مستوى إحالي، ويمكن التنبؤ بحلوله هنا أو هنالك لو تعقب القارئ مسارات الاستفهام، فالاستفهام في تكوينه المعرفي طلب شيء أو التنقيب عنه كما أشرنا. وعندما تصمت اللغة في موضع التحدث عن الآخر، فإنها تفصح عن شأن الكلام؛ أي تميط اللثام عما يفترض قوله في هذا السياق. واللغة كقانون رمزي تحل محل الآخر، هي ستتكلم من مواقعه التي لا تتوقف لدى حدود بعينها حتى تلتئم دائرة القانون، وتخلع على الأشياء معناها.
يحدد طابعَ الثقافة العربية الخيارات المتاحة أمام أفرادها، وتنطلق الكلمات لتحمل محاذير لا يجب الاقتراب منها، فأبرز أشياء الظاهرة الدينية ثقافياً هي: افعل ولا تفعل، حتى التهمت التجربة الإنسانية بشقيها الواعي واللاواعي إلى أن ترسخت ثقافة التحريم. لكن السؤال المناسب بأية كيفية يفكر الذات رغم ذلك؟! الإجابة أنه لا كيف إلاَّ بكيفية الآخر، والكيفية تمثل محاولات الاثنين معاً برغم أن جريانها يتم في جانبٍ دون غيره، لأن الفعلَ الأخلاقي هو فعل للإنسانية قاطبة، للإنسان كإنسان، كما أن رغبة الذات هي رغبة الآخر بحكم جريان اللغة حاملةً تجربة الأخير وبالتبعية تجربة الأول. إنَّها هذا الرمز مجسداً القانون في العمل والوجود بالآخر أو ما يحل محله(17).
هنا يفرض التراثُ العربي نفسه، لا كموضوع، فهو يحلُ في الهياكل المنحوتة داخل اللغةِ، ويُعطيِها بطانة الكلمات التي تحكم الذوات الاجتماعية، بواسطة الأخلاق وعلاقات المعرفة وأساليب التفكير، ويوفر للثقافة طاقة بناء مكوناتها الأساسية. حينئذ تتلقفه القوي المسيطرة هابطة على الجماعات و الأفراد بحسب مواقعهم. فلا يوجد مجتمع أيا كان دون إنتاج التقديس الضمني لبعض القوى، بدءاً من القوى الإلهية وانتهاءً بأشخاص لهم سلطة الرمز في ارتحالاته عبر الذاكرة الجمعية، واستقراراً لدى هيمنة خطابات لا تقرر كيف نفكر فحسب بل كيف نحيا كذلك، ولا تدعنا سوى فاعلين بالإنابة.
إنَّ تاريخ الثقافة العربية يتراوح بين هذا القبض والبسط، بفضل نزوع تراثي يتغلغل في تفاصيلها إلى التقديس، وهي ما غيب موضوعاته الأصلية؛ أي تغييب الجوانب الانسانية الحقيقية، لحساب التقديس في مواقع الهيمنة على الكل الثقافي، مثل مكانة الحكام، أصحاب السلطان، الخطابات الرسمية، العادات والتقاليد الغالبة بصرف النظر عن حقيقتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1-على الرغم من أن الفِرق الإسلامية قدمت رؤى مهمةً أثناء مناقشة القضايا الدينية الخاصة بحرية الإرادة، ووجود الله وصفاته وأفعاله، إلا أنها رؤى تستمد وقودها من الزعم الضمني بامتلاك الحقيقة، بفضل التوحُد المباشر مع لفظ وعبارة القرآن الكريم، وفي نفس الوقت يستعملون آليات تأويلية للوصول إلى مقاصد الآيات القرآنية، ولا أبلغ على ذلك من تأليف المصنفات المتعددة في متشابه القرآن، على افتراض أن هذا الجانب غير محسومٍ ويحتمل وجوهاً كثيرة، يمكن أن تتسع فيه الادعاءات لتغطي على الادعاءات المقابلة، وهي- سواء أكانت هذه أو تلك- تتحدث باسم الحقيقة وحدها، وهذا سبب ربط القاضي عبد الجبار بين الحديث عن دلالة ألفاظ القرآن وبين معرفة الله سبحانه وتعالى( القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، متشابه القرآن، الجزء الأول والثاني، تحقيق عدنان محمد زرزور، دار التراث، القاهرة الطبعة الأولى 1969.ص ص 1-4). ومع أن القاضي عبد الجبار من أعلام المعتزلة، إلا أن تحليلاته وتأويلاته تستند إلى فهم معين للحقيقة الدينية من خلال نص القرآن، وهو فهم لا يضع في حسابه الاختلاف حول الحقيقة وماهيتها، صحيح أن الكتاب المشار إليه مليء بالردود والحوارات، غير أن هناك فعلاً يقينياً ينبني عليه الكلام بالإحالة إلى مصدر القرآن بوصفه كتاباً إلهياً، وهذه النقطة ثمرة التأكيد على ضرورة معرفة الله كمقدمة لمعرفة دلالات ألفاظ كتابه، بينما تُستّمد معرفة الله من عبارات المعتزلة ورؤيتهم على الأقل لاتساق الرؤية مع مقدماتها.
2- ابن منظور، لسان العرب، المجلد السادس، ص907.
3- المرجع السابق، ص907.
4- أخطر ما تركه مفهوم التَملُك للتراث النظر إلى الرؤى الأخرى بمقاييس أخلاقية، فهناك أقوال تصب اللعنات على المستشرقين، وعلى أنهم سبب الفتنة والخلل في الثقافة العربية عموماً، بل اعتبرهم البعض سبب تأخُرنا الحضاري لأنهم أداة الاستعمار معرفياً. وبرغم أن هذا الحال له مبرراته، إلاَّ أننا لم نقدر مجهوداتهم لقراءة التراث ولا حتى لتوثيقه، ولم نمتلك مناهج تكافئ مناهجهم، لدرجة أن مفكراً كإدوارد سعيد قال ذا مرة: إن أهم ما فعله المستشرقون أنهم لم يرسموا صورتنا وصورة التراث العربي لدى الغرب فقط، بل نجحوا في إقناعنا بها كذلك. لكن لا ينبغي أن نقابل ذلك بالخطاب الأخلاقي الزاعق بل بالتحليل والقراءة المتأنية.
5- لا يوجد تراث بدون تراثات متنوعة. ونستطيع توضيح الفكرة في عدة نقاط. أولاً: من الصعوبة بمكان تحديد مكونات التراث في اتجاهٍ وحيدٍ، لأنه عمل جمعي يتم بشكل عام، ويتحقق على نفس الصعيد. ثانياً: العمل الجمعي يتميز بأنه يربط مجموعات عرقية ودينية وثقافية برباط متنوع الأوجه، فهم إجمالاً يفهمون منه ما يُبقِي تنوعهم سارياً. ثالثاً: تظل مواقفهم ضمن هذا التراث جزءاً لا يتجزأ منه، بمعنى أنها تدخل فيه التنوع، لأنها انعكاس لأنماط التفكير والعيش. والسؤال المنطقي كيف يجرى ذلك بالانفصال عنه؟ رابعاً: طالما أن التراث تاريخ وفوق ذلك هو يقع داخل حيز التراكم، فمن قانون التراكم أن لا تتفق مراحله ولا تكراراته المتعاقبة مع بعضها البعض، حتى وإن كانت ترجع إلى أصولٍ واحدةٍ.
6- مادام الدينُ فعلَ إيمانٍ، فهو يتضمن الاعتقاد والحقيقة والفعل، غير أن التطرف يأخذ أبعاداً أخرى. حيث يُكرّسُ فعل الإيمان، كي يكون فعلاً للاستحواذ على الآخرين. ولأن الإيمانَ يتعذرُ بلوغه إلاَّ فردياً، فيتم تعويض المسافة بين الخاص والعام بممارسة الإكراه على الإيمان ضرباً عليه (وتشدداً به) كي يغطي هؤلاء ولو عنوة، أو التعبير عنه في درجاته القصوى التي يصعب تعيين حدودها و إيقافها. وهذا ما يسمى بالتطرف، ولذلك ليس التطرف إمساكاً للأمور من طرفها القصي، بل هو في جوهره اعتقاد يقع بالتأثير وبالفعل العنيف على الآخر. وهو ما ينتهي بمحاولة الهيمنة عليه والتفتيش في دخائله وكيانه النفسي والجسدي. فالمتطرفون دينياً يؤكدون على ضرورة الإيمان، وكذلك على حتمية إخضاع الجسد لذات الإيمان شكلياً. من هنا انتشرت بعض العلامات الدينية الخاصة بالملابس والأزياء واللحى وهيئة السير والحركة والإيماءات والوجوه والمشرب والمأكل.
7- ليس المعنى كما ترى النظرية التحليلية عبارة عن معاني الوحدات (الأجزاء) التي تكون الجملة أو الخطاب. الأقرب إلى المقصود أنه التاريخ الاشتقاقي Derivational history للتعبيرات والجمل. فهذا التاريخ يبرز انفتاح اللغة على تحولات الألفاظ وربطها بالسياقات الجارية. فالتاريخ الاشتقاقي – مع سلطة اللغة والثقافة- يبرز المعاني بصورة جديدة. T.M. Janssen, Composition of Meaning, Concise Encyclopedia of Philosophy of Language, Edited by Peter V. Lamarque, R. E. Asher, Pergamon, New York, 1997. P 103.
8- Pierre Guiraud, Semiology, Translated by George Gross, Routledge& Kegan Paul, London and Boston, 1975. P 40.
9- أشار الفارابي بحدسه الفلسفي إلى تضامن اللغة والثقافة السائدة، فهو يرى كون أنشطة اللغة مؤدية إلى تأكيدها. هذا ما يراه بصدد تعريف الخطابة والشعر وعلم اللسان معاً: " الخطابة جودة اقناع الجمهور في الأشياء الي يزاولها الجمهور وبالألفاظ التي هي في الوضع الأول على الحال التي اعتاد الجمهور استعمالها. والصناعة الشعرية تخيل بالقول في هذه الأشياء بأعيانها. وصناعة اللسان إنما تشتمل على الألفاظ التي هي في الوضع الأول دالة على تلك المعاني بأعيانها".( أبو نصر الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق وتقديم وتعليق، محسن مهدي، دار المشرق، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1990. ص148.). ونلاحظ أن الثلاثة(الخطابة والشعر والسان) أنشطة لغوية وتحمل أبنية ومفاهيم جارية. يرجح تلك الفكرة أنها تؤكد بحسب آلياتها المعاني التي يقبلها الجمهور، أي الثقافة السائدة. فعين اللغة يتداخل مع عين الذائقة العامة وعين المعاني المطروحة.
10- Ernest Cassirer, The Power of Metaphor, in: Pierre Maranda, Methology, Penguin Modern Sociology Readings, London, 1972. P23.
11- مفهوم "الكل" مفهوم غائب لدى معالجة التراث. وهو يتضح بتعريف إدوارد تايلور للثقافة بوصفها ذلك الكل الذي يشتمل على العادات والتقاليد والفنون والمعارف التي ينتمي إليها الإنسان بوصفه عضواً في جماعة، لكن يمكن تحميله بآليات أو معالم تتسق مع حقيقته فلسفياً وبيولوجياً ووراثياً ولغوياً، مثل : الاكتمال وعدم الاكتمال، الحضور والغياب، الماضي والمستقبل، الجدة والتكرار، المعنى واللامعنى، الحقيقة وحقيقة الحقيقة، التاريخ واللاتاريخ. وهي معالم أطرحها بوصفها أفعالاً له تعتبر متزامنة ومتداخلة معاً. وهي أيضاً مهمة لفهم حدود التراث وكيفية وجوده الافتراضي من خلال الظواهر الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والدينية. ولهذا المفهوم وظيفة التكوين حين نتحدث تاريخياً عن التحولات و الإشكاليات الاجتماعية، وله وظيفة القانون و يساعد على بلورته، فلا مجال أمام أي قانون سواه، كما أن هذا الكل يحتفظ ببذور التاريخ في متصله الدائم. ويتم استعماله في الدراسة بمضمون قرائي يكشف طبيعة تصورنا للتراث.
12- الجابري، التراث والحداثة، ص21.
13- Hans-Georg Gadamer, Philosophical Hermeneutics, Translated and Edited by David E. Linge, University of California press, Berkeley Los AngelesLondon 1976. P.56.
14- "ما في اللغة من لغة" عبارة مهمة بصدد استعمال اللغة استفهامياً، فلا استفهام ينتج فكرةٍ دون التذكير بأن اللغة قابله الاختلاف. وهذه العبارة نفسها تحتمل وجهين، الأول أن هناك ما ليس بلغة في اللغة، وهذا أمر فعلى كما أشرت إليه باعتبار اللغة مؤسسة مادية يمكن امتلاكها أو توريثها، وعادة ما لا تخرج من يد السلطات المهيمنة، فهل يمكن لأحد أن يتكلم بشكل حر؟! إنه حتماً يبدأ بلوازم لغوية مثل الافتتاحيات الدينية، أو الشعاراتية أو الأخلاقية. وهي جميعها تدلُ على عدم وجود لغة تتمتع بقدرات خارج الحضور السلطوي. أما الثاني فاللغة يَصعُب أن تخضع لتلك الهيمنة، فهي حقيقةً تنطوي على ألفاظ تعبر بنفسها اعتماداً على الألفاظ المختلفة لتُبرِزُها وهو ما يُعرف بنظام الاختلاف، نظام يجعل المتلقي والمتكلم يعايش تجربة التناقض والمفارقة في شكل التعبير.
15- Martin Davies, Meaning Quantification, Necessity Themes in Philosophical Logic (International library of philosophy) Routledge and Kegan Paul , Boston London 1981. PP.9-10.
16- Paul Ricoeur, The Conflict of Interpretations Essays In Hermeneutics, Edited by Don Ihde, Northwestern University Press, Evanston III1974. PP65-66.
17- Jacques Lacan, Subversion of Subject and Dialectic of Desire Jacque Lacan, Ecrits A selections, Translations from French by Alan Sheridan, Tavistock Publication, 1977.PP.315-316.