العلم حين يصير صناعة -5- الأخير

إبراهيم الوراق
2016 / 11 / 5

العلم حين يصير صناعة
-5- الأخير
إن دور العلم يجسده العالم القائم بحق الخدمة، التزاما منه بالعهد الذي يوثق صلته بالعقل المنتج للمعرفة، والحقيقة، واحتراما منه للمهمة التي تلزمه ببناء مجتمع الإنسان على النيات الجميلة، والغايات النبيلة. ومن هنا يكون العلم قيما لها قيمة في الاعتبار العقلاني، لأن العالم الذي يمتزج بمعرفته، لا يأتي منه إلا ما يفيد كمال الإنسان، وسموه، وقوته. إذ هو مصنع جوهر القوة، وما طلبت إلا به. ولولاه، لما كان للأشياء أي معنى. لأننا لا نتعرف على حقائق الوجود إلا بضوء مصباحه، ونور مشكاته. ومن هنا، فإن العلم إن لم يكن قيمة، ولم يتحدد قصد غايته بالقيم، لن يجود بما يكسبه من رؤى في الإنسان، والطبيعة، والحياة. وأي شيء أعظم من امتلاك البصيرة في المعاني الخالدة.؟ إذ لا يستقيم فعلنا إلا إذا حدث اليقين في قيم فكرنا، ونظم سلوكنا، لأننا لا نقع حقيقة في الواقع، إلا إذا آمنا بأن ما نقوم به من دور، ومهمة، ووظيفة، هو إجراء لأمر الله في مجاري الحكمة، والرحمة.
وإذا كانت رؤيتنا الوجودية، والكونية، تحدد أفعالنا في الظاهر، والبارز، فإن سعة نشاطنا على الأرض، سيأتي منه الامتلاء بما ينفع الطبيعة، ويبني مستقبلا للإنسانية على هذا الكوكب العليل النسمات. وتلك هي وظيفة العالم، بل هي دور لكل العقلاء الذين يعشقون السماء، والأرض، ويريدون أن يحس كل واحد منهم بجمال هذه البيئة المحيطة بهم، والمكونة لأخلاطهم، وأمزجتهم، وانفعالهم، وتفاعلهم. ومن هنا كان أمر حماية هذا الكوكب ضروريا في كبد العالِمِ، وجهده، لأنه في سابغ اهتمامه بالحقائق العظمى، يسعى إلى أن يحفظ للأشياء توازنها، ويحمي للحقائق ارتباطها. وإلا، كان العالم أداة لتخريب هذه الطاقة التي أودعها الله في كمال الأشياء. لأن الأشياء غائية، وهكذا الإنسان، فهو كائن سببي، وغائي، تحركه الأسباب إلى المآلات. وما دام العالِم لم يطق أن يتسلل إلى الأعماق المحترقة بالمجهول، لكي يؤسس فيها مكانة لآداب حرمة المعلوم، فإن عمله بالعلم، لن يرفع للعدل شعارا، ولا للحرية أملا. إذ هو في نظره الحاد، يفصح عن الروابط القائمة بين الأشياء، والعلاقات التي تؤدي بمركبها إلى الغايات. ومتى لم يسهم بسهم في بناء هذا التصور الجمالي للحقيقة، فإن فقدانه لآلة التواصل مع أرواح المعاني، لن يهدي إلى الكون وردة السلام. وأي سلام أعظم من ربط العلم بحماية الطبيعة، والبيئة، والكون، والإنسان، والمجتمع.؟
إن أمر الطبيعة عظيم، لأنها محكومة بقوانين ثابتة، لكن البيئة على عكس ذلك، فهي نتاج فعلنا في المهد الذي يحتضن أعيان ذواتنا، وأوزان أفعالنا. فهي التبيء في مكان معين، به يصير الإنسان فاعلا على ظهر الثرى بالنفع، أو الضر. وعلى هذا، فاهتمام العالم بهذه المعاني الجليلة، مما يجعل النظرة إلى الأمور العظيمة متمكنة في معرفة الأسباب، والعلل، والقواعد، والشروط. والعلم ليس إلا ذلك، لأن أهم اهتمامه، هو استجلاءه للخيوط الرابطة بين الحقائق، والمعاني. ومن هنا، فإن أي اتصال يحدث بين العالِم والفضاء الداخلي والخارجي للإنسان، هو الذي يكون صورة الفعل الذي يقدمه بين يديه لرعاية شأن العلم، وبثه، وتبليغه. وإذا لم يكن فعل الاتصال جديرا بصناعة ذلك الأمل الذي يغرد به الإنسان في خاصه، وعامه، فإن ما يقوم به العالم عبث، وفوضى، لأن غايته الانتظام، والانسجام، وما لم يوجد ذلك، فهو غير قادر على حماية هذا الكوكب الذي يسبح على يم غامر بالعجائب، والغرائب. ومتى خرقناه بإفساد قانونه، وناموسه، أغرقنا الكون الذي نمشي عليه آمنين، مطمئنين. ولا شيء أعظم جرما من حرق ما على هذه البسيطة من مكونات وجودها، ووجود سكانها، ووجودها ظلالها. وأنى لمن كفر بآلائها أن يخلق التوازن في البيئة، والاعتدال في الطبيعة.؟
ومن هنا، فإن العالِم الحقيقي، هو ذلك الذي يبني ماخربه غيره من طبائع المعاني، وقيمتها، وقيمها. لأنه كما يدعو إلى حماية الأشياء في جوهرها، فإنه يذود عن رعاية المعاني في حقيقتها، لئلا تخترق حجبها بغرة الأنانيات الفاسدة، والكاسدة. وإذا لم يكن العالم بهذا التوجه، والتوجيه، أسهم بسهامه في تخريب الدورة الحياتية على هذه الطبيعة الفيحاء. لأنه ما وجد إلا ليغرس شجرة المعرفة، ويسقيها، ويرعاها بالتهذيب، والتشذيب، لعلها تكتمل قوتها، فتكون خيرا وفيرا على ساكن هذا الكوكب الإنساني. ومتى أعان على قطعها، وحرقها، كان ذلك سببا في رزع بذور الصراع، والنزاع، وبابا مفتوحا لإذاية الإنسان، وقتله، وحرقه.
ومن ثم، فالعالم يجب أن يكون فنانا ماهرا في رسم الصورة على ما هي عليه، لكي يخلق بعبقريته مراحا للتواصل، ومجالا للتفاعل. وسواء في ذلك ما انطوى على البصر، أو البصيرة، أو ما احتوى على صفات الإنصات، وشروط الاستماع. وإذا لم يكن العالم فنانا ماهرا في صوغ مفاهيمه، ومعانيه، فإنه لن يسمع صوت الشجرة، ولا لحن المياه، ولا شدو العصافير، ولا بسمة الأرض، ولا ابتهاج السماء. وما لم يسمع ذلك النغم الإلهي في الأشياء، فكيف سنتعرف من الغروب على هيبة الليل، ومن الشروق على صولة النهار.؟
وإذا لم يحظ كامن صوت الأشياء عند العالم ببذل جهد الطاقة في استخراجه، فإن العلم لن يهتم بما اجتمع الناس حوله، أو تفرقوا عليه، لأن منطق الأشياء يوحي إلى العالم بأن كل يمشي على بساط الأرض، ما هو إلا دليل على صوت ينزف من أعماقه، ويحكي عن قصة وجدت في الطبيعة، لكي تكون عبرة لمن رأى روح الأزل تسري في الأكوان. وما لم يفقه العالِم معنى الروح فيما يختفي من أذواقه، وفيما يفيض من آثاره، فلن يصير للعلم عنده كلام مسموع في الذات، ولا في الآخرين. لأن إدراك سريان المعنى فيما تجري به الطبيعة من حقائقها، هو الذي يسبل على علمنا مناعة، ومكانة. إذ العلم الذي لا يَفهم العالَمَ بكل مظاهره المتفجرة من أغواره، لا يأتي منه شيء يفيد الإنسان، ويمتعه بالمعاني الباسقة. وهل نحن إلا مجموعة معان تتحكم في إدراكنا، وسلوكنا.؟
ومن هنا، فإن ما يقوم به العلم، هو صياغة المعاني الجميلة، وصناعة القوالب الوديعة. وإذا فقدنا دوره في الاهتداء به، أيقنا بوجود سبب أماله عن سبيله. لأنه لا يتم به بناء الوظيفة في الوجود الطبعي، والصناعي، إلا إذا أثمر في النفوس بهجة، وفي العقول نسمة، وفي القلوب متعة، وفي الروح سيرا نحو المعاني الإلهية العظيمة. لأن العلم الذي لم يجعل الإنسان غاية، ولم يضف إلى حقيقة استمتاعه بالحياة لذة، لن يبرح دائرة الذات المتعالية بأنانيتها الغامضة، وإنيتها السالبة. إذ السلب هو سلب الإرادة في الفعل، لا نفي الوجود عن المِثل. وهنا اختلفا، لكون الأول يسلب الأثر، والثاني يسلب الفعل. فقرق قوي بينهما في التقدير، والاعتبار. ومن هنا، فإن العلم لا يرتجي تقوية جوهر الإنسان على الخلد الحقيقي وحده، بل يهتم بذلك، وبما سواه من المعاني الموجودة في الصنائع البديعة. فلا غرابة إذا اهتم بصحة الإنسان، وتعليمه، وتثقيفه، وتهذيبه، وتحديد سلوكه فيما يضمن الأمن بين الديار، والأكوار. لأن الأمن يثمر الحرية. ولا حرية مع خوف. وإذا استبد هوجه بالإنسان، وصار وردا مورودا في كل مناحي الحياة المزيفة، فقدنا وسائل استجلاب الخيرات، والبركات.
إن العلم، كما يكون معنى ذاتيا، فإنه إلى جانب ذلك يكون صناعة فذة في الإنسان. وما لم نحس بضرورة تحديد المدار لكل معنى، فإننا لن نوقر ما كمن فينا من معرفة، ولن نحترم ما تفجرت به الطبيعة من علوم. فما هو في الذات، يحتاج إلى صقل مرآة النظر، لكي تنجلي عليها الحقائق كما ولدت جميلة. وما هو كسب، يحتاج إلى بذل الوسع في إدراكه، لأنه مستفيض في كل شيء، لكنه محجوب عنا إلا بكبد، ووكد. وهذا الجهد، هو الذي يجعل التكليف نازلا علينا، أو ساقطا عنا. لأن الطلب قد يحصل منا على تنوع الاستعداد، وجلاء الموارد. واستجلاءها دور العالم، لكونها مختلفة في طرق السير، وقواعد السلوك. ومن هنا، يكون العلم صناعة، وهي جودة النظر، وقوة الإبصار، لكي تظهر العلاقات والروابط فيما بين الأشياء، فتتركب في الذوات كما خلقت في أصلها المعتبر، لا كما شوهها الإنسان حين تجبر وطغى في فلك المعنى. لأن الصناعة كما تأتي بمعنى المصدر، فإنها تأتي بمعنى المفعول، فيكون المصنوع محتاجا إلى عقل واع بالأسباب التي تحدث في البسيط انفعالا، وفي المركب تفاعلا. إذ الهدف هو انفعال الأشياء بنا، ولنا، وتفاعلها الموجب حين تتحرك بحركة الطبيعة. وما دام العلم، لم يحدث ذلك، فإنه لن يكون نفعا للبشرية، ولو قلص مدد الزمن، وقرب طول المسافات، وطوى سعة المساحات، وصير العالم قرية صغيرة لا حدود لها في الهويات.
وحقا إن الصناعة تقتضي أن ننقح مادة ما نسميه علما، حتى يكون أجود في التواصل مع الكيان، ومع الآخر. لأن تهذيب سلوكنا في علاقتنا بالعلم، يجعل قدرته قوية على صناعة المراد الذي نحفد إليه جميعا في هذا الكون البشري. وهو صناعة عالم تشرق عليه شمس السكينة والطمأنينة بلا غروب. وذلك ما يغلي طلبه في جهد كثير ممن خلفوا الآثار الجميلة على ظهر هذا الكوكب اللطيف، بل هو رغبة أكيدة في لسان كل من يدعو إلى تخليق العلم، لئلا يكون سببا في بث الخرافة، والأسطورة، ونشر دواعي الاحتراب، والاقتتال. وحقا، إن إدراكنا لقيمة العلم، هو سبب سؤالنا في لحظتنا التاريخية عن ماهية تعاملنا معه، وبه. فلا حرج إذا توقفنا، لكي نتعرف عن العلة اللازمة لكثير من الخطابات المتسمة بالعلمية، ولكنها لا تخلو من جهل مطبق، أو من تحريف يسوغ ما لذ في مناخ الذوات، وطقس الرغبات. لأننا حين نتساءل عن مقصودنا في المراد، لا نريد إلا أن نعرف ماهية هذا المعنى الذي يغرد بالعلم، ولكنه لا يصنع حرية، ولا كرامة. ومن هنا، نقول: هل نحن حقيقة نقدس العلم.؟ هل أثمر فينا معرفة بذواتنا، ويقينا في كسبنا.؟ هل تغير به وجه العالم، فصار جميلا بلا ذوات ترهق، وأرواح تزهق، وذمم تهان، وأعراض تدان، وأطفال تغتصب، وديار تنتكب.؟