إله هيدجر: الخلاص بالفكر والشعر

سامي عبد العال
2016 / 11 / 5

في أخر حواراته بمجلة دير شبيجل أشار هيدجر إلى فكرة الإله قائلاً: وحدَّه إلهٌ باستطاعته إنقاذنا. وليس لنا إلاَّ الفكر والشعر لتهيئة ظهوره أو اختفائه. ذلك أننا سنهلّك إلى حدِّ السقوط في غياب الله(1). إنَّ خلاصاً مجازياً بعناوين مختلفة يشكل تاريخ الكائن الإلهي. وهيدجر يرشح لنا خلاصاً مغايراً للديانات والمذاهب الأيديولوجية. فرغم التعلُق بالقوى المقدسة إلاَّ أنَّ الانسان مازال يعيش حياته التعيسة. من هنا كان الإله حاضراً لغوياً للتشبث بالنجاة. ذلك لأجل البدء في طور آخر من الوجود. وطريق اللغة أبرز الطرق الذي يسير فيها البشر بشكل أصيل. فلا قيود عليها إلا من ذاتها. وهي تخفف أثقال الأشياء إلى درجة التلاشي. وتذيب كافة العقائد الصارمة كما تذيب الرياح تلال الرمال.
وكما كان الفكرُ والشعر صيغتين لتجلي الوجود كانا قادرين على استقبالُه. هل الله إذن كفكرةٍ يطرحُ تحرُراً بلاغياً من نوعٍ ما؟! إنه ليس نوعاً دينياً بل فكرياً ولغوياً من وجهة نظر هيدجر. بالتالي يوازي الخلاصُ إمكانيةَ الإله ذاته تشبثاً بأعمال الفكر والنظم الشعري. من جهة أخرى لا يعني هذا ارتباطاً بالأنماط التقليدية والشائعة للإله. فإله الشعر غير الآلهة الطقوسية. إنه الرغبة الأكبر لحياة الإنسان في الانعتاق من كافة القيود. والقدرة وراء أية قدرة على الامساك بالمستحيل. إذن ليس هناك إلاَّ الحرية الخالقة بلغة هنري برجسون.
لو عكسنا القضية رياضياً فإنَّ ضياع الحرية يساوي ضياعاً استعارياً لفكرة الله. فالحرية إمكانية فذة على انتاج الاستعارات وتلاشها. وهي الخيال العجائبي لبلاغة متماهية مع صلف الواقع. وأن اللغة تفترض كيانات كبرى للإحساس بالامتلاء الحي وتفريغه أيضاً. ونتيجة هذه الهوة فالضياع البلاغي للمعاني أمر تأسيسيٌّ لا مجرد عَرّض حادث بالمصادفة. إنَّ الله ضربٌ من السر الإنساني الذي لا ينال حقائقه اكراها ولو حاولنا. فوجودُّه من عدمِه مسألة على محك الاختبار اليومي. أليس تصور الإله اختباراً فيما هو أنطولوجي وابداعي؟ بالتالي نُعيد توجيه السؤال: كيف لمثل ذلك الوجود الرمزي أنْ يُحرِّر كائناً متمرداً هو الإنسان؟
الفن إجمالاً لا يخلو من تجربة تطهر قصوى. وكما قال أرسطو فإن الفنون حياة ابداعية في كيفية تحقيق هذا التطهر. وهذا لا يبتعد كثيراً عن الخلاص بالفكر والرغبة معاً. فلم يكن الشعر مجرد ظاهرة لغوية لكنه نمط من الوجود الأصيل. إنه يخلق الوجود ويحتفظ بإمكانياته الأساسية. لأن اللغة هي بيت الوجود house of being، إذ يسري خلالها ويشق دروبه المجهولة.
لعل تأمل الأفعال ذات البُعد الديني والمناوئة له يكشف أنها تأخذ جانباً مؤولّاً للإله. فهي لا تّمر من مرحلةٍ لغيرها سوى بتأويلات الله ككائن بمتناول اللغة. وتفترضه فوق مسارح الحياة كالبطل الراعي للأمور والأحداث. وإنْ كان الشيطان بجواره ينال قِسطّاً من اللعنات. ولهذا قد ترتد الحريةُ صراعاً دلالياً داخل ثنائية الله والشيطان. إذ ذاك تتحول إلى لاهوت تبريري مُشبع بالكراهية الاجتماعية والسياسية. لكن هل الله كدلالة بمستوياتها الانطولوجية واللاهوتية يعني أفقاً مفتوحاً؟(2)
إنَّ شرط اللغة شرط ضروري هيدجرياً إزاء كل الموجودات. فالحقيقة - أيا كانت- لا تأخذ جوهرها وشفراتها ومعطياتها إلاَّ عبر لغة ما. ليس مهما ما إذا كانت لغة بالمفهوم الشائع لكن الأهم تجربة المعنى. والأخيرة أكثر من التواصل والتعبير. لأنها تفيض بشيء أعمق من جميع الأشياء. هي عندئذ مبدأ تأسيس، تقنية زمانية تفتح أفقاً للعالم والتاريخ والحياة.
هذا المعنى نضلّ إليه حين نفقد طريقنا نحو التحرر؛ أي يلح علينا مع كلِّ عملية تحرر كقوة غامضةٍ. دوماً لا ندرك ذلك المعنى ثقافياً طالما نترقبه في المكان التفسيري الخطأ خارج ذواتنا. لأنَّ ما يربطنا بالإله ليس العبوديةَ كما يظن الفقهاءُ. ولا كما يتوهم أصحابُ التَّحدث بفمِّ الغيب حين ينصبون ورشةَ عاطلةً للفتاوى العنيفة. لكنه ارتباط أشبه بعلاقتنا باللغة في أعماقها البعيدة. حيث لا نستطيع تحديد اليقين ولا نعرف أية ثوابت ممكنة التحديد. اللغة لجة لا خلاص فيها رغم كل الآمال الهيدجرية.
ومن هنا فإن الارتباط بمعاني الله يغدُّو مفهوماً متى أُسِّسَ على اللارابط؛ أي فعل الانعتاق منه ومن كلِّ ما سواه. ولو كان ذلك مع قالبه الثابت إنسانياً. الانعتاق والتحرر يحملان كافةَ أفكار الميتافيزيقا وغيرها، وتُقام عليهما جميع مفاهيم الدين(3).
لقد دخل التحررُ من الإله إلى بيته حيث مفارقة الإيمان المتناقض ذاتياً وأنطولوجياً. ذلك أيضاً على غرار الايمان الشعري المفتوح لكل الأحتمالات. فالإيمان يحمل بذرةَ النسف الداخلي لترسباته. كلُّ إيمان ليس به هذا التَّفجُر لن يغدو سوى عبودية فارغة المضمون. ويبقى الإيمانُ طاقة حُب لتطهير ذاته دون شكلٍّ. لكونَّه فعلاً خارج حدود التَّحكُم الكمي والكيفي. إنَّه دماءٌ تُجدِّدُ نفسها أو تحيل الإنسانَ إلى ترسانة كراهيةٍ بلا سقف. ولهذا فإن الإيمان الشعري أبلغ الأشياء التي تلتصق بروح الحياة، المتعة، الانطلاق، التحليق.
فالذي يستطيع التَّحرر والتخيل يتعرف إلى الله مجهولاً ميتافيزيقياً وراءه رغبة سحيقة في الوجود. وعلى النقيض لكي يقتل الانسان إلهه على غرار نيتشه فهو يؤمن به ايماناً شوفونياً داخل الذات(4). وهذا التعبير السياسي مناسب هنا. فالذات هو فعلٌّ جيو سياسي يحقق الكيان والعلاقة مع الآخرين على غرار الدول. إنَّ فعل التحرر فعل قتل أصيل لا ينال من الآخر الأعظم(الإله) إلاَّ ويطالُ كلَّ آخر غيره. لهذا كان الله دوماً يقع حيث ينتفي أيُّ إله غيره. ولو لم ينتف لما وُجِد على صعيد هذا الاثبات المنفي.
فكلُّ اختيار إلهي يقصده إنسان أو يتجنبه يفترض نقيضه. وإلاَّ ما كان ليُعبر به ويكف عن المغاير له. ووجود النقيض ينسف ثبات الاعتقاد القسري فيه. وهنا تتأتى دلالة المقدس كعلامة في أفق الحياة الدينية دون فقدانه اختلافه الإنساني؛ أي دون فقدان قدرتنا على الرفض والقبول. فهذا مبدأ لإيمانٍ يعتبرُ فردياً حتى النخاع ولو تجسد طقساً جماعياً. ومن يمكنه الشعور بالحرية حقيقةً يستطيع اتخاذ موقف إزاء فكرة الله.
وهذا رأي كانط: أننا كائنات أخلاقية بالتالي نستطيع التَّدين لا العكس، معتبراً كون الله ممكناً بشكل أخلاقي عملي practical لا برهاني ميتافيزيقي(5). أي حين نأخذه استعارات عملية أثناء الممارسة. لذلك فالواجب الأخلاقي يتجاوز كلَّ موقف و ينتهك أي مبدأ. لو كان الله داخل البشر غير مؤسسٍ على تلك القاعدة لأصبح صُندوقاً أيديولوجياً أشبه بجراب الحاوي.
فالحرية بالنسبة للمعتقد الديني شرطٌ مُسبق وليست عملاً كسُولاً تابعاً. هي مشاركة نفي الإله فينا من باطننا أو مشاركتنا إثباتاً لوجوده المطلق بالمثل. الاثنان(النفي والاثبات) يقفان أحدُهما في إحالة مستمرة إلى الآخر بلا انتهاء. فالحرية تقف إزاء الايمان الديني وداخله كشرطٍ له وكماهيةٍ. أليست هي مناطَ الاعتقاد الديني وغذاءً لاستمرارية التدين؟ كما لا تندرج في خانة الشروط التابعة سوى بهذا التجلي. فإذا خضعت للتجربة سرعان ما تفترض اسبقيتها بعيداً عن القيود. لأنَّ كلَّ حريةٍ لمعتقد تزيحُ أيَّ تراكم ضاغط بمجرد انفراد الإنسان بنفسه. فحين يؤكد" أنا لا أؤمن" لا يجد بُدَّاً من نزع الأقنعة الزائفة(6).
إذن كيف نتأمل الحرية من داخل الله لا من خارجه؟ هذا السؤال سُكِّتَ عنه طويلاً. بل أُعتبر هدماً لأيَّة جماعة تتحدث باسمه. بسبب التصورات المشوهة ايماناً ورفضاً لتلك الفكرة. هناك تجنب للتفكير من ذروةٍ متجاوزة لكلِّ تصورٍ هو محدود بالماهية. وقد يتم ذلك باعتبار الله معلقاً في عالم ميتافيزيقي ليس عليه إلاَّ عقابنا أو ثوابنا فقط!! بينما شعرية فكرته تبقيه كأثر بإمكاننا الشعور به دون تحديده بشكل صارم. نشعر إن هناك مطلق ما، قابل لإيصال رغبة قصوى وكفى.
يبرز السؤالُ بالمثل(النأي) اللانهائي لمعنى الله ليس غير. ومن تلك الذروة لن يتصور المرء مناقشة أية قضية لا تنتمي إلى مجالها، بينما الله هو الاستثناء الوحيد. فالإله موضوع يوجد وينتشر في كل شيء كما يقول المتصوفة. إنَّ تفكيراً كهذا أزاح الجانب الإنساني لوجودنا النسبي بصيغة المطلق. لم ولن يكون الانسان إلهاً، إذن عليه التحليق من موقعه المفترض إلى درجة التعالي الحُر.
ما الذي جعلنا نمسخُ مفهوم الله إلى مفهوم عبودية؟ ذلك تمَّ بالاسم دون المسمى. فباسم الله يحكم الحاكم المستبد، باسم الله يأمرنا راعي المعبد والكنيسة والكهنوت والمسجد، باسم الله تطيع الزوجةُ زوجها معلِّقاً إرادتّها في سترته كتميمّةٍ اجتماعية. وباسم الله يأمرنا أهل الحل والعقد كأنَّهم يملكون مفاتيح الجنة والنار، وباسم الله يتسلط الأسياد على العبيد، وباسم الله ننحت أدمغتنا في قوالب تربوية وجدنا عليها أسلافنا. إنَّه هوس ترجمة الله إلى شكل جمعي من غير أي تماس روحي فعال. لماذا يغدو الله شركة مساهمة اجتماعية أو سياسية؟ كيف كان الله صكاً اقتصادياً في بورصة اللاهوت المتشدد؟
إنَّه ما لم تتحرر الأفعال من طغيان عبوديتها لا تُسمى الحرية حريةً. ستسمى أيَّ شيء آخر مدجّن إلاَّ هذا الاسم. فأصالتها المعطاة للأفعال لا تتأتى من مصدر خارجي. كما أنَّ الايمان لا يأتي بنفس الاصالة من ذات المصدر. إضافةً إلى كون الله يغرس فينا عمق هذه الاصالة دون وسائط.
أشار بول ريكور إلى عبقرية الكوجيتوCogito الديكارتي لكونِّه حمل نفسه إلى أقصى حدود يعود فيها "الأنا أفكر" إلى ذاته. إذ يحدد في ذاته صورة جسده وصورة الآخر. بالتالي تغدو النفس قادرة على التحرر متمركزة عبر ما يسميه الرواقيون دائرية الروح circularity of soul(7).
إذا كان ذلك يوازي الإيمان فقد تجنب الفلاسفة معنى الله في ذاته بالمغزى السابق. لأنَّ المعنى – من هذا القبيل- ينحرف إلى أشكال لا ماهيات. فمفارقة المعنى عبر الكائن الأسمى كونه مستحيلاً في عينه فيصير صوراً لغيره. والأخيرة تعدُّ بديلاً منافياً للمعنى لا اتساقاً مع أبعاده. هو بديل يُعيّن في سلطة، قضية، نص، وظيفة، حقيقة، تنظيم، لاهوتي، دين مشخّص. فالله ضمن المسيحية كان إنساناً- إلهاً. وأقانيم الآب والابن والروح القدس تطرح الحرية كصيغة تركيب وتشكيل. وبالديمقراطية أضحت الصيغة تجربة سياسية اجتماعية عبر كل إنسان آخر.
إذن معنى الله لم يمسسه تفكيرٌ في ذاته. نظراً لسبب كانطيٍّ شهيرٍ أنَّه لا يتسنى إدراكه بالعقل. فعالم الأشياء في ذاتها noumena يعجز العقل عن اكتشاف أسراره. هنا الاشكالية التي قد تصبح سياقاً لطرح مختلف: أنَّ لانهائية معناه( أي الله) تطوف بنا ساحته القصوى، بموجب فشل القدرة على تعيناته أيا كانت. وتلك قضية الحرية، فهي مستوى النفاذ عبر ما يستعصي على الإدراك والاحتواء. لأنَّها فعل كُلي إلى درجة الإطلاق رغم محدوديته التاريخية بتجارب المجتمعات. وهي انفتاح لن يُملأ عبر كيان إنساني معجون بالرفض والتمرد.
وعليه فالسؤال الوجيه هو: من يمتلك الله حتى يستعبدنا باسمه؟! الاستفهام ليس ساذجاً، لكنه مطروح إزاء أدعياء التحدث باسمه. إنَّهم يلعبون لعبة الاستملاك، الاستقواء. فإذا كان الله يستحيل امتلاكه سيقولون نحن نمتلكه بقوة القهر. ولا يتوانون عن نهب الفرصة تلو الفرصة لذلك. وعلى المتضرر اللجوء إلى اثبات العكس. المعنى أنَّهم ناجحون في هذا طالما هم الأقوى. فيظن المستعبدُّ أنَّ مفهوم الله في جعبتهم. وهو اثبات القضية مقلوبةً؛ أي قضية التحرر عن طريق الله. نظراً لاستحالة الاستحواذ عليه لا معنى ولا كلاماً ولا ماهية ولا ايماناً ولا طرفاً في أية ثنائية. إذن ماذا يبقي من الادعاء غير تأكيد عكس الاستعْباد. وطالما لا نستطيع القيام بالتأكيد فإنَّهم يستندون إلى هيمنةٍ لا أساس لها. فهم أيضاً لا يستطيعون تأكيد هيمنتهم دون فعل إكراهٍ(8).
تلك القضية تأتي في تاريخ الثقافة الإنسانية بالنقض دائماً. لأنَّ هؤلاء الأسيّاد لن يتركوا الله لغيرهم. فالطرفان العبودية والحرية لا يثبتان منطقياً إنَّما يُمارسان. ولهذا فالتعادل الذي يبدو فيهما بريئاً هو تعادل زائف. لأنَّه لا تعادل دونما التّحرر في كلتا الجهتين. فالمتحرر هو من يشعر بالقيد، والمتحرر كذلك هو من يعرف قيمةَ الحرية. أما لو اطمأن إلى حريته فقد سقط في العبودية. وتلك هي فكرة الله كانفتاح للمعنى من أقصر الطرق. فالله يحرر البشر من نفسه، من أخيلتِّهم عنه، من طبيعته المتصورة إنْ ظنوها كذلك.
الحرية قدرٌ حياتي كونيٌّ حتى على ذات فكرة الإله. لأنَّها لا تتجسد في عبودية الشكل. ولم يعطِّ الإله أحداً مبرراً للتحدث كأنَّه هو. مثلما لا يوجد بلا حرية كاملة. بالتالي ليس لله إلاَّ أن يكون حراً خالقاً وموجوداً لدرجة اللاوجود. ولن يعرفه إلاَّ من يدركُ التحرر المتواصل نحوه ومنه. وبالتالي نحن كمخلوقاتٍ علينا أن نمتلك حريتنا- غير منقوصة- حتى نعي خطورة كلمة الله. فالحرية لا تدرك إلاَّ بحرية... بإطلاقها لا بنسبيتها. ولا كمصدر تام الانجاز إنما كدّأب متواصل. شأنها شأن السيولة اللغوية الحرة. فالشعر ليس قوالب ولا أوزاناً لكنه لعب حر بالدلالات. وافراط جنوني في خلق العالم والكون وتذريتها بلا نهاية.
والعبد أيضاً عكس ادعاء الفقهاء لا يدرك معنى الله. كيف لمستعبد حساً وخيالاً إدراك جوهر الحرية؟! كيف سيتحرر من هو غير متحرر أصلاً؟ لعلَّ ذلك وراء أنّ الله بدون وثن أو نموذج صنمي. وأيضاً وراء سقوط البشر في حمأة الأوثان. ففكرة الإله لا تتعين ماهوياً ضمن أية مفاهيم، هي ليست مجهزة بأيِّ إطارٍ يقول إليكُّم ما أحوي. إنَّها الصمت الأزلي إلى درجة الخفاء في كل تجربة دينية ودنيوية. من هنا فإن السقوط الذي يتحدث عنه هيدجر هو سقوط في أوحال تصوراتنا عن الإله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-حوار هيدجر مع مجلة دير شبيجل ترجمة وتقديم حمودة إسماعيلي. على الرابط التالي:
http://anfasse.org/2010-12-30-16-04-13/2010-12-05-17-29-
2- في التجارب الصوفية تتضح هذه الدلالة بصورة أكثر بروزاً. فالله ليس كائناً لكنه وجوداً روحياً خالصاً. ولا يبتعد عن هذا الموجود البشري المحدود، بل لا يتحدث عنه المتصوفة سوى داخل وجودِّهم، داخل أجسادهم وأحوالهم الذوقية. بالتالي تمثل اشكالية التصوف: كيف يكون الوجود الإلهي متجسداً في التجربة الروحية؟ واللغة التي يستعملها المتصوفة لغة خاصة بهذه التوحد الروحي. إنها التعبير الأكثر شفافية للتحرر بالله وداخله. وانطلاقاً من هذا المعنى المفتوح كان المتصوف قادراً على رؤية الله في كل ما سواه. لأنَّ التحرر الروحي يجعل الذات تتماهى كما الحب داخل كل آفاق ممكنة.
3-لا توجد فكرة دينية غير معتمدة افتراضاً على الحرية. فطالما أنَّ الايمان - وهو بدء الدين وذروته- مؤسس عليها فكل شيء لاحق يسير في نفس الطريق. ولأنَّ الوجود الإلهي يتأرجح معها قبولاً ورفضاً. لعلَّها بهذا أبعد أثراً من طقوس الدين وأنماطه. فالحرية فعل إيمان أيضاً بل تشكل جوهر كل اعتقاد يتجه نحو الغيب. بالإمكان السيطرة على إنسان وشكل حركته لكن لا نستطيع الهيمنة على إيمانه إلاَّ مع ثقافة القهر والقمع. الحرية هنا قد تفهم على عدة مستويات: أولاً: علاقة الإنسان بالله وهي علاقة داخل- خارج الفرد بوصفه كائناً حراً. ثانياً: علاقة الله بالإنسان في حالة الديانات التوحيدية وغيرها. والارتباط هنا يرجع إلى تقبل الفرد من عدمه. ثالثاً علاقة الإنسان بالمجتمع وهي تلك التي ترجع إلى تحرر العلاقتين السابقتين. وطالما أنهما كذلك كان للفرد قدرة على التحرر الثقافي وإن كان يأخذ مجهوداً مضاعفاً.
4- الإله هو اقصى موقع يمتلئ بالإيمان والقيمة الرمزية لإحلال شيء محل آخر. وهنا إشارة نيتشه حيوية لأنه لا يقصد الإله كما هو شائع لكن الإله بوصفه هذا الاعتقاد الذي تعمد فيه الاخلاق وتغتصب أيضاً تحت عنوانين لاهوتية و سياسية واجتماعية. ومثلة مثل: الغاية والعلة والأصل والعقل والبرهان والحقيقة، جميعها مفاهيم ميتافيزيقية كانت وجوهاً للقهر واستلاب الواقع. أشار نيتشه أنه تعلم مبكراً الفصل بين التحيز اللاهوتي theological prejudice وبين التحيز الاخلاقي باحثاً عن أصول الشر فيما وراء العالم....وبناء على ذلك ميز بين العصور والبشر وحتى بين الأفراد". Friedrich Nietzsche, On Genealogy of Morals, Translated by WKaufman and R.J. Hollingdale, Vintage Books, New York 1967, P.17.
5- Eric Watkins, Kant On the Hiddenness of God, In: Benjamin J. Bruxvoort Lipscomb, James Krueger(eds), Kant: Moral Metaphysics, God, Freedom and Immortality, De Cruyter, Berlin- New York, 2010.p. 256.
6- رغم أن الشخصية تمسرِّح الوجه إزاء الآخرين، سوى أنَّ الإيمان قدرة على التمثيل بخلفية نموذج باطني. نموذج يحاول التوحد مع ذاته. ولهذا ستكون الشخصية قناعاً في إخفاء الوجه الحقيقي. كل وجه ليس حقيقياً هو أحد أشكال الشخصية المتحولة. فيصبح الوجه شاشة عرض تنعكس على صفحتها توترات وحالات نفسية. إنَّه مرآة التواصل مع العالم الخارجي.
7- Paul Ricoeur, Freedom and Nature: the Voluntary and the Involuntary, Translated, With an Introduction by Erazim V. Kohak, Northwestern University Press, 1966. P.14.
8- الله هو الكائن الأعلى الذي لا يستطيع انسانٌ أخذ مكانته ولو كان رمزياً. ونظراً لاختلافه عن كل كائن آخر فسيكون مستوى حياً داخل البشر. ولهذا يمثل نمط من الوسع والامتلاء بغياب آخر. غياب لا يساوي اللاوجود لكنه عمل الوجود في نشاطه الضمني، في سريته الكونية. ولهذا يأخذ موقع الإله دلالات التنوع والاختلاف.