كيف تكون ملحدا في أسبوع

جعفر المظفر
2016 / 11 / 4

كيف تكون ملحدا في أسبوع
جعفر المظفر
إن إبعاد الدين عن السياسة هو في صالح الطرفين, الدين والسياسة, ولست أرى السياسة وسخة كما يراها الأخرون بحيث أكون غيورا على الدين منها, بل إنني اخالف الأخرين في تحديد العلاقة بين الوساخة والسياسة لأجد أن السياسة تكون وسخة حينما يكون السياسي الذي يتعاطى معها وسخا. وأرى أننا قد نكون وضعنا للميكافيلية نفسها تعريفا متعنتا, وحتى مخالفا, لما أراده ميكافيلي نفسه .. وكل ذلك لحساب, فما يريد أن يقنعنا به السياسيون الفاسدون, وفي المقدمة منهم أصحاب الدين السياسي, أن السياسة هي في طبعها وجوهرها ومضمونها فاسدة, وهذا سيسهل عليهم تفسير خروجهم عن المعايير الأخلاقية بحجة ضغوط السياسة نفسها. هؤلاء يحاولو ن بطبيعة الحال تفسير الميكافيلية على أنها تعني السياسة بدلا من أن تكون إحدى النظريات التي تفسرها.
إن ذلك هو منطق تبريري دون شك للسوكيات المنحرفة, وهذا المنطق هدفه في النهاية تبرير سلوك السياسيين الفاسدين من خلال الإتيان بتفسيرات متعنتة للفكرة الميكافيلية نفسها, ويمكن لنا أن نتبين طبيعة الفشل الذي عاصر تجربة الإسلامويين لكي ندرك أن وصفهم بالميكافيلين هو بمثابة الثناء عليهم. فإن كان السياسي الميكافيلي اللاديني يبرر الإنحراف في الإسلوب بنبل الغاية, فإن السياسي الديني يفتقد إلى نبل الغاية الذي يجعله على المستويين : غياب الغاية النبيلة مع وجود الإسلوب الوسخ, وسخا بالنتيجة, بحيث يصبح تبويبه في خانة الميكافيلية عدوانا على الميكافيلية نفسها.
والميكافيلية نفسها ليست مطلقة الزمان والمكان, وأجد أنها كانت معنية بجانب رئيس هو جانب القسوة في بناء الدولة لحساب توحيد الإمارات الإيطالية المتفرقة, ولم تكن معنية ببناء العلاقات المجتمعية على أسس أخلاقية أو غير أخلاقية, ولذا قلت انها ليست مطلقة في الزمان والمكان, بمعنى أن هدفها الرئيس والتاريخي كان محكوما بواقع خاص تحكمت فيه قوانين إقتصادية وثقافية تختلف عما عليه حال العالم اليوم.
خذ أمريكا الدولة الأضخم, قبل قرن كانت تجارة العبيد رائجة, أما اليوم فهناك رجل من أصول أفريقية رأيناه وقد اصبح رئيسا للبلاد. ومن الأكيد أن ذلك لم يكن قد حصل نتيجة لصحوة ضمير أو بتأثير من ثقافة تبشيرية لمفكر أو رجل دين, وإنما هو قد حصل نتيجة لتفاعل عوامل متعددة منها الإقتصادي والثقافي ومنها الإجتماعي والحضاري.
لنقف مثلا أمام الإقتصادي: كان إقتصاد القطن قد خلق الحاجة المادية إلى تجارة العبيد, ولم تستطع المسيحية لوحدها أن تكبح جماح تلك التجارة العار. وحتى في الإسلام فإنه لا يوجد تحريما قانونيا فعليا لقضية الإستعباد هذه. بل لعل كل ما يردده المسلم في أكثر الأحيان هو قول ينسب لإبن الخطاب (متى إستعبدتم الناس وقد ولدهم أمهاتهم أحرارا). بل إنني اجد أن اللجوء إلى ذلك القول مرارا يكشف عن ضعف حقيقي في نهج وقوانين التعامل مع قضية الرق التي ظلت في القرآن غير محسومة البتة, كما أنه يكشف عن عتب وليس منع أو تحريم, كما ظل التعامل معها يقوم على تحفيز الرغبات الفردية بدلا من سن قوانين تحريمية عامة وصارمة لتحريم التعامل بالرق.
ما أريد قوله أن بعضا غير قليل من التشريعات الإنسانية الحالية لم يأتِ بها الدين نفسه وإنما أتت بها مناهج إنسانية كان الوصول إليها قد تم بفعل تفاعل العديد من العوامل, ثم ذهبت السياسة إلى تطبيقها عمليا. وفي النتيجة كانت السياسة هي صاحبة الفضل في خدمة الإنسان في حين أن المؤسسة الدينية كانت تقوم في أفضل أحوالها بدور المتلقي إن لم تقم بدور المناهض للتحول الإنساني الذي يأتي نتيجة تطورات وضعية أرضية وليس بفعل أوامر ربانية سمائية. التطور الصناعي مثلا, حتى على صعيد المكننة الزراعية قد ألغى الحاجة إلى كثرة الأيدي العاملة. تطور الصناعة إستبدل الفلاح بالعامل, والإقطاعي بصاحب المعمل وقد صاحب ذلك سن قوانين سرعان ما نقلت أمريكا من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة.
كان تحرير العبيد قد أصبح واقعا بفضل السياسيين لا بفضل رجال الدين الذين أِضطروا للعودة للتنقيب في كتبهم المقدسة من أجل اللحاق والتناغم مع هذه التطورات الحضارية على الصعيد الإنساني. فالمؤسسة الدينية غالبا ما تقف في البداية ضد التطور الإجتماعي وما يسبقه على صعيد التطور العلمي, حتى إذا تحول ذلك التطور إلى حقيقة واقعة لا يمكن صدها أو إلغاؤها فإن رجال الدين يعودون للتنقيب عن كل ما يتوافق معها, أو على الأقل لا ينتاقض معها, إن لم يدعِ شرف التبشير بها. والكنائس نفسها, قبل قانون تحرير العبيد, وحتى إلى فترة لما بعده ظلت مقسمة على العنصَرَيْن, إذ كان للبيض كنائسهم المعزولة عن كنائس السود. ولو كان الأمر قد إستمر على هذا المنوال لإضطر السود إلى تصنيع مسيح أسود, ورب أسود.
هناك محاولة واضحة لإلقاء تبعية فساد المؤسسة الدينية السياسية على مفهوم السياسة ذاتها, وهكذا يصبح ميكافيلي رغم أنفه منقذا لهؤلاء الفاسدين, إنه يصبح المنديل الذي يستعمله رجال الدين السياسي لكي يمسحوا به أنوفهم القذرة. الواقع أنه لا توجد عبر التاريخ تجارب دينية سياسية تنبئ بإمكانية أن يكون هناك توافق بين الدين, القيم الأخلاقية والروحية, وبين السياسة كونها محاولة وضعية للوصول النسبي إلى المطلق.
إن السياسي الوسخ, هو وسخ بطبيعته وليس لأن السياسة ذاتها هي وسخة بطبيعتها, وبالنسبة للسياسي غير الديني الذي يكون بعيدا عن المقدسات والمثاليات الأخلاقية المُنزلة فهو لن يكون مجبرا على (أما أن يأخذه كله أو يتركه كله) فهو بإستطاعته التصرف بحرية في خياراته وبطرق لا تخلق إشكالية بين المثال والواقع. أما رجل الدين السياسي, فهو في حقيقته, إذا سلمت النوايا, سيكون رجلا محبطا, وغير قادر على تصريف المثال الديني بمرونة السياسي الحر, وهذا سيجعله, أمام مغريات السلطة وبضغط من إشكالية الضد بين ما هو مثالي وما هو واقعي, إلى الإلتزام بالنصف الثاني من المعادلة, أي ان يتركه كله, وسيكون تخريجه للأمر أن السياسة هي القذرة, ثم لا يتورع أن يلقيها برقبة ميكافيلي.
الواقع أن رجل الدين السياسي يخلق إشكالية حقيقية لدينه أولا ولشعبه ثانيا, وفي العراق على وجه الخصوص يستطيع إسلاميو الدين السياسي أن يعلموك كيف تكون ملحدا في أسبوع.