الحل السياسي ليس الآن .. سوريا إلى أين

بدر الدين شنن
2016 / 11 / 4

رغم أنه من المستبعد واقعياً ، عند تناول الحل السياسي في سوريا ، تجنب الدور الخارجي ، في العدوان والحرب ، تخطيطاً ، وتمويلاً ، وتسليحاً ، وإعلاماً ، وقيادة ، إلاّ أنه لمصلحة فهم فشل الحل السياسي حتى الآن ، ولمصلحة إضاءة أداء المعارضة في هذا الصدد ، من الجائز ، مؤقتاً ، إجراء هذا الاستبعاد .
لما نقرأ بمعزل عن الدور الخارجي ، صفحات تحرك قوى الداخل المعارضة ، المتعددة الأسماء والألوان ، والارتباطات ، نجد منذ بدء هجومها في الشارع على النظام ، وقائع لاعقلانية مذهلة ، من الممارسات الاحتجاجية ، في التعاطي كمعارضة ، انتقلت من المعارضة السياسية ، من خلال الشعارات والبيانات والاعتراضات ، في محاولتها إجراء تغيير وطني ديمقراطي سلمي في البلاد ، إلى المعارضة الحامية في الشارع ،وتوتراتها ، وتداعياتها المؤثرة حتماً ، على الأوضاع الأمنية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والتي تستفز النظام ، وتدفعه لاستخدام آليات الرد على هذه النقلة ، وذلك حسب بنيته القانونية ، والأمنية أولاً .

لاسيما أن الطابع العام لمعظم المشاركين في حراك الشارع ، هو طابع ثأري ، ناتج عن ردود فعل النظام العنيفة ، على تمردات انقلابية ، قامت بها على مدار عقود ، جهات معروفة من المعارضة ، أو عن حقد سياسي ناتج عن اعتقالات عرفية تعسفية سنوات طويلة ، أو عن ارتدادات احتكار الحكم ومزاياه ، السياسية ، والإدارية ، والاقتصادية . وقد جرت هذه المرحلة تحت شعار " الشعب يريد إسقاط النظام " .. وكان رد النظام " إنها مؤامرة " .
ولهذا السبب وغيره ، لم يكن ما سمي " الحل السياسي " وارداً .
وقد كان هذا قبل بدء الصدامات المسلحة . وقبل اتضاح أنها ممولة مع الخارج ومنسقة معه ، كان .. إلى حد ما مفهومة سياسياً .

بعد أن بات تدخل القوى الإقليمية والدولية في الشأن السوري واضحاً ، ، وإقامة أطراف من المعارضة علناً ، علاقات وتحالفات وأنشطة مع هذه القوى ، وأنشأت مجموعات مسلحة سميت " الجيش الحر " , انقسمت المعارضة ، إلى معارضة مسلحة مركزها في الخارج وخاصة في تركيا ، ومعارضة غير مسلحة ، يتوزع حضورها بين الداخل والخارج . بل وانقسم الخطاب المعارض .. وخاصة حول إسقاط النظام .. إسقاطه بالسلاح .. أم بالتفاوض . ومن ثم انقسم حول مبدأ ومآل التفاوض .. إلى تسليم واستلام السلطة .. أم تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات بما فيها صلاحيات الرئيس ، الذي سيعزل لاحقاً . والأصح أن يقال ، أن الذين حملوا السلاح ، وتحالفوا مع الجماعات المسلحة ، ومع دول خارجية معادية للدولة ،أنهم فقدوا انتماءهم للمعارضة

ولما تجاوزت الأوضاع السورية حالة الأزمة الداخلية المبررة لوجود معارضة ، والتنابذ مع سلطات الدولة ، إلى الحرب الوطنية ، أصبح المطلوب وطنياً من المعارضة ، الكف عن الصراع التناحري مع النظام ، والمشاركة البناءة ، ببناء وحدة الصف الوطني ، ووحدة القدرات الوطنية ، لدحر العدوان الإرهابي الدولي الخارجي .

ما حصل .. أن المسماة معارضة مسلحة ، تعاطت مع العدوان كطرف فيه ، وشريك مع الإرهاب ضد الدولة ، من خلال تحالفاتها مع الدول الداعمة للجماعات العدوانية الإرهابية . وأن المعارضة غير المسلحة رفضت العدوان ، لكنها تمسكت ببرنامجها ، ومفرداتها المعارضة ، ومسوغات معارضتها للنظام ، مع المحافظة على خيط من العلاقة مع بقية أطراف المعارضة الأخرى .

وقد فرضت نتائج الاشتباكات المسلحة .. ومصالح الدول الإقليمية والدولية .. التفاوض بين السوريين ، بإشراف أممي حول الشأن السوري ، للتوصل إلى حل سياسي بلا أفق محدد ملزم . ومنذ " جنيف ـ 2012 " كان ما هو كامن لدى المعارضين المفاوضين ، من أحقاد ، يشكل معوقاً ، ومسوغاً للإصرار على صيغة تؤدي إلى إسقاط الرئيس .. والنظام برمته ، وذلك قبل أي صيغة تؤدي إلى دحر العدوان الإرهابي الدولي وإنهاء الحرب ، وإعادة السلام والحياة الطبيعية الآمنة للمواطن .

وفيما كانت رحى الحرب تطحن الإنسان والشجر والحجر ، كان التفاوض السوري ـ السوري ، إن حدث ، يتم بواسطة المبعوث الأممي . ويدور حول محورين ثابتين . كان الحل السياسي عند طرف النظام ، ينبغي أن يبدأ ويتمحور ، حول دحر الإرهاب أولاً . وكان الحل السياسي ، عند الطرف المعارض ،ينبغي أن يبدأ ويتمحور حول الحكم الانتقالي .. والهيئة الانتقالية .. والصلاحيات .. ورحيل الرئيس .. مع الرجاء المستبطن ، ألا يقبل طرف النظام هذه الطروحات .. وتستمر الحرب .. وتستمر لعبة التفاوض ، في الفنادق الفاخرة ، بأشكال وصيغ تعجيزية .

وأخيراً توصل اللاعبان الكبيران ، الروسي والأميركي ، في أواسط أيلول الماضي ، إلى صيغة مقبولة ، لولوج عملية الحل السياسي ، ووقعا عليها ، سميت " اتفاقية لافروف ـ كيري " . ولعل الخبرة الدبلوماسية ، واحتمالات التعديل لاحقاً ، وضغوط ظروف ألرئيسين " بوتين وأوباما " سهلت التوصل إليها . غير أن منظومة " البنتاغون " ، ومجمع صناعة الأسلحة الأميركي ، واحتكارات الطاقة ، وإسرائيل ، وتركيا ، والمملكة السعودية ، المتضررة من إنهاء الحرب ، قد أسقطت الاتفاقية .

وقد شجعت هذه المنظومة على تصعيد وتوسيع الحرب في سوريا في جبهات عدة . في شمال شرق ، وجنوب غرب ، سوريا . وبادرت تركيا إلى اقتحام الحدود السورية واحتلت جرابلس ، وأعلنت توجهها نحو مدينتي الباب ومنبج . وقام البنتاجون بقصف مواقع للجيش السوري في جبل ثردة في دير الزور ، وبتدمير عدة جسور على نهر الفرات في المنطقة الشرقية .

وقد أدى ذلك إلى ردود فعل الجانب الروسي ، الذي اعتبر إسقاط اتفاقه مع الخارجية الأميركية ، هو تحد كبير لدوره الشرق أوسطي ، ولمكانته الدولية الصاعدة، وتهديد مباشر للعملية السياسية والحل السياسي في سوريا .. فأعلن نتيجة كل هذه التداعيات وقف العملية السياسية في سوريا إلى أجل غير مسمى .وبدأ وسوريا باتخاذ إجراءات عسكرية ، لتحقيق إنجازات ميدانية ، تؤدي إلى دحر الجماعات الإرهابية .. والبناء على ذلك في إيجاد صيغة سياسية للشأن السوري .

ما معناه ، أن المفاوضات حول الحل السياسي في سوريا ، والشغل على هذه الصيغة أو تلك .. قد توقف . وأن روسيا وسوريا ، قد منحتا المعارضين المتشددين .. وغير المتشددين .. المكلفين بالتفاوض ،عطلة إلى أجل غير مسمى ، وهمشتهم ، وجمدتا عملية الأخذ والرد العبثي التعجيزي ، حول شروط وشكل ومضمون الحل السياسي ، والموقف من الرئيس ، التي لعبت دوراً سيئاً في مماطلة المفاوضات وإفشالها .. وإفشال الحل السياسي .

إلى أين تتجه سوريا الآن .. وما هو مصير الحل السياسي ؟ ..
من المؤكد أن تجربة مفاوضات الكر والفر .. ولعبة المناقصات والمزاودات الدبلوماسية والسياسية .. للحصول على حصة جيدة من قسمة الكيان السوري .. ومن كعكة تقاسم السلطة السورية . . قد انتهت .
والجميع الآن يرصدون الحشود العسكرية .. ويترقبون نتائج المعارك القادمة ، التي على ضوء نتائجها ، سترسم خريطة العملية السياسية ، التي ستنجز ما يتطلع إليه الشعب السوري من حلول وطنية لشؤونه وخلافاته .. دون الرهان على مكان إنجازها في دمشق أو موسكو أو جنيف .. ودون السؤال عن الأطراف التي ستشارك فيها ، وكذلك الرهان على مضمونها وآفاقها .