جريمةٌ ميتافيزيقية

سامي عبد العال
2016 / 11 / 3

لماذا تأخذ الأفعال الارهابية عنفها الأقصى؟ وما السبب في كونها ظاهرة عبثية ومع ذلك تترك آثاراً كبيرة؟ أو بطريقة أخرى لماذا تأتيها– في سياقات معينة- كل المعاني لا بعضها؟ كيف يسيء الإرهابي ميتافيزيقياً؟ ربما كانت تلك الأسئلة الأوسع أبرز الأشياء التي تثار مع نتائج الارهاب. لأنه يوجِّه المتلقي إلى شيء سواه. إلى سلطة الموت بوصفها النهاية الكارثية. وهي سلطة تقع كسرٍّ غامض في تفاصيل الأحداث. حيث تشد المتلقي إلى دائرة الترقب وانتظار التوابع اللاحقة.
فإذا كان ثمة حادثة ارهابية فقد لا يلتفت إلى ماهيتها. لكن بالتأكيد يطرح السؤال التالي: ما هي ردود الفعل من جهة الخاسرين والمستفيدين؟ إن الالتفات حينذاك سيكون إلى الأماكن الفارغة من الارهاب. والتي يستدعي الأخير احتمالاً بأن يطالها في يوم ما. وهكذا فالتحسب من الارهاب أعظم من الارهاب ذاته. كما أن الإمكانية الافتراضية بوجوده ترسم صوراً مظلمة لمساراته. وتكشف الفائض الميتافيزيقي المشوَّه في أعماله الجزئية. فالخلل الذي يعبر عنه الارهابي ينطوي على خلل ميتافيزيقي حول مفاهيم الإله، الموت، الجنة، النار. فكأنه يتلاعب بها أو يتوهم أنه يقوم بامتلاكها، فثمة مهمة مقدسة يراها ضرورية لحياته. وبالتالي ستكون كذلك لنهايته الدامية.
عندما نتأمل تدمير برجي التجارة العالميين الشهيرين، سنجد أن الفعل يكاد يكون طارئاً ومفاجئاً. لكنه في نفس الوقت يعلن بملء اللغة عن حدوث أمر لن ينتهي في وقت من الأوقات. لم تكن طائرتا البرج إلاَّ طائرتين عاديتين. لكن صورة البرجين بوجودهما الرمزي الأكبر اقتصادياً وسياسياً جعلت الأثر مهولاً. لدرجة أن الأثر استحدث الموت كواقعة فريدة في المشهد العالمي. كأنه موت يحدث لأول مرة بالرغم من حدوثه الذي لم ينقطع. اكتشف المتابعون موتاً من نوع جديد. فليس الموت متشابهاً بحال واحد في جميع أفعاله. ونظراً لكونه يأتي طازجاً في كل مرة فإنه يبلغ أمداً في تكوين ظاهرته المختلفة.
وبالتوازي لأنَّ الموت الناتج عن الارهاب حادثة لن تتكرر فإنَّه يدعو إلى المزيد. ويبدو الأمر متناقضاً لكنه لم يتوقف عن طرح نفسه طوال تاريخ الأصولية الدينية. فأحداثه أولاً مرتبطة بالمقدس وتسعى إليه بوضوح. على الأقل مقدس من نوع ما في حالة اشتغال واقعي. وهي ثانياً مضمخة بالكراهية دونما حدود. كما أنها ثالثاً تعمل على إيقاع الأثر تجاه كل من يشاهد. ورابعاً تظل الأحداث محكومة بتجاوز تاريخها الآني. لأنها تتسع لدلالة مفارقة بالتراكم الرمزي في أسبابها ومعانيها.
لوكان الإرهابُ شيئاً محدداً لكان سهلاً تعريفه، ولو كان ذا طبيعة ثابتة لغدا بالإمكان تأصيلَّه، بيد أنَّه يخضع دائماً لوظيفةٍ يقوم بها. وظيفةُ احداث الأثر المفاجئ على كيان الإنسان تخويفاً أو قتلاً أو تدميراً أو إقصاءً. وهذا ما يجعله يحقق أهدافاً خاطفة ونوعيةً كما يُقال. فالإرهابي فارغ من أيِّة أصالة إلاَّ حين يعمل لحساب طرفٍ خفيٍّ يراه أصيلاً. هذا الذي يستعمله ويمنحه كل معنى عنيف هو له. ولهذا قد يكون الارهاب عرضياً في أفعاله مهما حاول افهام الآخرين أنه يبحث عن أهداف مقدسة وخالية من الغرض. ولعل ذلك وراء كونه نسبياً لكن في صيغ وأحداث ضرورية. ذلك مع المناخ الفكري والديني الذي يعشعش فيه. ويستثمر كافة الموارد المتاحة للنمو والانتشار.
من هنا ليس الإرهاب منظومة بقدر كونه حالة تستند إلى مسلمات غير قابلة للمناقشة، فتسعي لإثبات أنَّ طواحين الهواء أقوى من الهواء نفسه. وأنَّ الطُفيل أجدى من الجسم الذي يوجد فيه، وأنّ ظلاماً يحُول دون بزوغ النهار. الخلل ليس في مناعة العقل في المواقف الإنسانية بل في انهياره إمام المعايير العامة. فمن يمتلك استعداداً لترهيب غيره إنما لا يستطيع التأقلم مع أي سياق عام. ولا كيف ينطلق من حيث يحيا الغير. كما أنَّ الإرهاب يختلف من ثقافة إلى أخرى. ويندرج على طاولة الجدال الذي لا ينتهي. وهذا ما يسمى بالشيء العرضي الذي يجد نفسه في دائرة ما هو جوهري(دين– أخلاق- معرفة- ميتافيزيقا)، أي يجد نفساه ملتصقاً به أو عاملاً على منواله أو محولاً إياه إلى برنامج حرب.
لماذا يسعى الإرهابُ لأنْ يكون استثنائياً وغير مباشر؟ لأنه يأخذ في صفاته معالم هذا الجوهري بالرغم من كونه طارئاً في حركته وآلياته. لا يعني ذلك أن الارهاب لا شيء بل يحتل المواقع الثقافية والفكرية والأيديولوجية القائم فيها. إنّه قد يرهب بآليات التدمير أو التفجير أو الهدم أو التخويف وبشكل أكثر وقعاً. فهو يقتات- مثلاً- على العنف الطائفي أحياناً وعلى التعصب المذهبي أحياناً أخرى. وفي أوقات غيرهما على ايديولوجيا الحرمان بأصنافه الاجتماعية والسياسية والسيكولوجية. بذلك هو موعود في المقام الأول بالغواية اليوتوبية utopian seduction للهوية التي نشأ عنها. وبدلاً من كون الطريق إليها مفروشاً بالآمال يصبح ملطخاً بالدماء. ربما الإرهاب لا عيون له. لأنه لو أبصر لميز ابتداء أين يقف بأقدامه الملوثة. إنما خطابه طائش تماماً مثل قذائف طائشة لا تفرق بين بريء وغيره.
من هنا أكد الارهاب على كونه جريمة ميتافيزيقية بمعنى الكلمة. لأنه يغتصب اسرار الموت والمجهول. وبذات الوقت يأخذ مكانة إلهية تقرر مصير الأشياء. ولعله بهذا يستمد قوته من محاولة استعمال الميتافيزيقا في اعمال القتل والتدمير.
كل ما سبق يوضح علاقة الإرهاب بالدين رأساً. ماذا يضيف البعد الديني له؟ ليس للإرهاب غير سلطة القتل رمزاً ومادةً. إذن من سيعطيه السلطة بهذا البذخ؟ إن الإرهاب يحتاج إلى دماء قوية تتدفق في أذرعه الممتدة. والدين لا يأتيه بمتون النصوص والفتاوى التي تهدر أرواح الأخرين فقط إنما يجعله بالغاً، متجاوزاً الله ذاته؛ أي يجعله ممسكاً بالوجود الإلهي وآخذا قدراته في عبارات التكبير والحمد والمنة على ما يردد ممثلوه. الارهاب عمل تخريبي في كيان المعاني الإلهية، في وجود الله و أفعاله وصفاته ونصوصه المقدسة. لم يعد التأويل العنيف يطال النص في شكله الحدي، لكنه يتدخل بحماقة منقطعة النظير في ماهية الله.
الله في نظر الإرهاب لا يعدو أن يكون جهاز انذار قابل للتفجر عن بعد. يحمله هذا الملثم أو ذاك تاركاً أثره القاتل باتساع الساحات والأبنية العامة. لأول مرة في تاريخ الإسلام تقول طائفة إن الله يُفجر ويقتل ويذبح وإنه مدموغ على فتيل قنبلة بصناعة القاعدة أو داعش أو غيرهما" made in". إذا كان البعض يستغرب من عبارة نيتشه " الإله قد مات"، فإن هذه التنظيمات الإرهابية قد أمعنت في قتله علناً بوضح النهار. كل عمل إرهابي هو تجاوز مقيت لما هو الله داخل البشر. لا يوجد من يزعم أن الله يقتل سوى هؤلاء الطغمة الدموية التي لا تتورع عن انتهاك شرائعه جميعاً إبراهيمية وغيرها.
كيف تجري فكرة الله مع من يفجره؟ هي فكرة خرافية قديمة جداً بمدلولها هذا. لا أبالغ حين اعتبر الجماعات الإرهابية جماعات وثنية بملء الكلمةِ. لأنَّها تنظر إلى الفكرة كألة حرب بالدرجة الأولى كما لو كانت رمحاً أو عجلة تجرها خيول. إنهم يسهرون على صناعة إله الحروب في الأساطير الغابرة. هذا المنتقم، الجبار، المتكبر. إله يحرق عباده في لهيب النيران دون أيه صفات ولا أفعال تسامحية أخرى. الإرهابي لا يأبه بانفتاح الفكرة الإلهية وتنوعها حتى لو قالت له الإنسانية قاطبة هذه جريمة ميتافيزيقية!!