شريهان.... العصافير أنبأتنا عن مخبئك!

فاطمة ناعوت
2016 / 11 / 3

=====================

هل شاهدتم يومًا عصفورة تملأ الدنيا تغريدًا ورقصًا؟ ترسم في الفضاء بجناحيها الصغيرين، وجسدها النحيل، تابلوهاتٍ أوبراليةً راقصةً، ثم تلوّن التابلوهات بقطرة من ألوان ريشها؟ هل يمكن لتلك العصفورة أن يُجرَح جناحُها الرهيفُ، ذات غفلة من الزمن، فتقرّر أن تعتكف وتعتزل العالم حتى يبرأ جناحُها؟ نعم. فالعصافير تكره أن يرى الناسُ دموعَها أو أن يسمعوا وجيبَها. العصافيرُ خُلقت للغناء لا للوجيب. لذا، اختارت العصفورةُ قفصًا من الفولاذ، فتحت بابه ودخلت، ثم ركلت البابَ بطرف قدمها، ومكثت في القفص وحيدةً سنواتٍ طوالا، حتى لا ترى جراحَها عيٌن، ولا تسمع أنينَها أُذُن؟
جميعُنا شاهد تلك العصفورة، وأحببناها. كلٌّ منّا بحث عن القفص الذي تاه بين الحدائق والغابات. سألنا الشجرةَ فقالت: "أنا مثلكم أفتقدُ زقزقتها بين أغصاني. ابحثوا عنها في الغابة الأخرى، وارجعوا لي بخبر عنها.” سألنا الزهرَ الذي مررنا به، فقال: "مازلنا ننتظرُ رقصتها التي كانت تجعلنا نمدُّ أعناقنا لنشاركها الرقصَ والتمايل مع النسائم، لولا أن جذورنا مُكبّلةٌ في الطمي! لكننا رقصنا معها بسيقاننا وأوراقنا ووريقات أزهارنا. ابحثوا عنها وردّوا إلينا الخبر.” بحثنا عنها طويلا لكي نفتح بابَ القفص، ونحرِّرَ العصفورة الحبيسة في معتقلها الاختياريّ. لكن أحدًا لم يعثر على القفص، ولا على العصفورة.
عصفورةٌ عنيدة. كانت تختبئ عن عيوننا، وتسمع نداءاتِنا، فلا تبالي. تسمع الأشجارَ والأزهار التواقة إلى صدحها ورقصها، فتهمسُ : "لم يحن وقتُ العودة أيها الأحباء. أمهلوني حتى أطيبَ وأُشفَى وأعود إليكم جميلةً مشرقةً كما عرفتموني."
كانت العصفورةُ مجروحةً، تنزفُ. فقرّرت أن تتجرّع الوجعَ ووحيدةً. أبتْ كبرياؤها أن تلمحَ في عيوننا نظرةَ إشفاق أو عطف. رفضَت أن تسمع عبارة مثل: "انظروا العصفورةَ الذي ملأتِ الدنيا غناءً كيف صمتت! انظروا الساحرةَ الآسرةَ التي لوّنتِ السماءَ بألونها ورقصها وغنائها، كيف أقعدَها الوجع!”
ذات يومٍ، هجمت على البلدة جماعةٌ من اللصوص، تقتل الأبناء وتسرق الزرع وتهدم البيوت. هنا قرر العصفورةُ أن تتوكأ على آلامها وتخرج لتحمي وطنَها مع شباب البلدة. تحوّل وجعُها إلى قوّة. واستحال أنينُها الواهنُ صراخًا كالرعد في وجه العدو، وأضحى نزفُ جناحيها الضعيفين سيفًا شُرِعَ مع سيوف الرفاق، تزود عن الأرض والعِرض. فنجتِ البلدةُ من الغزو، ونجا العصفورُ من جروحه. كانت تسبقنا إلى ميادين الثورة. تدفع من مالها ثمرة جهدها لكي تنقذ وطنها. راحت تعدُّ للثوار الشطائر والتمر وقناني الماء. كانت حاضرة في ثورات مصر، رغم الوجع والنزيف.
***
إنها "شيريهان". العصفورة الجميلة التي اختبرها المرضُ ودث!رتها المحنُ، فابتسمتْ في وجه الصعاب قائلة: “سلامُ الِله عليكَ أيها المرضُ، ورحمتُه وبركاته. أهلا بكِ يا آلام. اليومَ فقط عرفتُ أن الَله يُحبُّني فأرسلَ لي ابتلاءً لكي يختبر إن كان حبيّ له مكافئًا لحبه لي. اصعدْ أيها المرضُ برسالتي إلى الله وخبّره أنني استلمتُ هديته وفرحت بها.” شكرتْ ربَّها على مرضها وفرحت به مثل طفلة تلاعبُ نحلةً، ولا تعلم أن فيها لسعًا ووجعًا. فما كان من النحلةِ إلا أن خجلت من نفسها؛ ومنحتها الشهدَ المُصفَّى.
حين أشعلَ المصريون ثورتهم في 25 يناير 2011، خرجت معهم لتحررَ مصرَ من الظلم والفقر والجهل والمرض. وحين سرق اللصوصُ ثورة الشعب، خرجت من جديد يوم 30 يونيو 2013، لتنتزع الثورةَ من أنياب الوحوش الكواسر. المتمردة الحرون، كانت يدًا بيد مع شباب حملة "تمرد"، فكانت مثلهم أحدَ صُنّاع الفرح. داستِ المرضَ بحذائها، ورفعت عينيها إلى السماء، فأرسل لها اللهُ هديةً في صندوق، مربوط بعلم مصر. فتحتِ الصندوقَ، فوجدت الشفاءَ، مغلّفًا بتحرر الوطن. وطارت من الصندوق ملايين القلوب الصغيرة تحمل الحبَّ والفخر لتلك العصفورة البهيّة.
أهلا بعودتك إلينا أيتها الخُلاسيةُ الجميلة، وشكرًا للعدل جروب أن أقنعوكِ بالعودة لنا في عمل جديد. وإليكِ أهدي هذه القصيدة:
"هي أنا الخُلاسيةُ/
التي تركتَها سنواتٍ تُربّي شَعرَها/
في ضواحي إشبيليّة/
وتغزلُ مع الغجرياتِ فساتينَ واسعةً بكرانيشَ زرقاءَ/
تناسبُ أحزانَ الفلامنكو./
بشرتُها/
لوّحتها الشمسُ/
والنجومُ سقطتْ/
لتُرصِّعَ جدائلَ، جاوزتِ الخِصرَ/
تتماوجُ في الهواء/
مع قدمين/
تدقّان الأرضَ على إيقاع الكاستينيت./
هي أنا الخلاسيةُ/
ترقصُ في دوائرَ منذ دهور/
فمتى يعودُ إليها الفرحُ/
كي تُحرّرَ الضفائرَ، من شرائطها؟"