العلم حين يصير صناعة -3-

إبراهيم الوراق
2016 / 11 / 2

العلم حين يصير صناعة -3- يتبع
وإذا كان العلم يقتضي الاستغناء بالقيم المعنوية الخالدة فيه، فإنه لا يتأتى منه أن يكون سببا في إرهاق الإنسان، وإتعابه، وإهلاكه. إذ هو دائم السير نحو توثيق الصلة بين الذات، وفعلها، وكسبها. فهو لا يقف عند حد في كونه مرتبطا بالأحدية، ولا يتوقف عليه حد في كونه مرتبطا بالحدوث. وذلك لاختلاف الأحوال الواردة على محلات العلم، والمعرفة. فما هو غير مستقر، ولا يثبت على حال، لن يكون مقدار العلم فيه إلا بما هو مكشوف من المعلوم. وهذا الكسب الذي نعنيه في مفهوم العلم، هو ذلك الجهد الذي نقوم به من أجل استيعاب ما برز على الطبيعة من معان. إذ لا يكتشف من الوجود إلا ما هو ظاهري، لا يقبل الاحتمال، والافتراض. وهو على هذا تنتفي عن موضوعه العدمية بالحدية، ولو لم يحدث إلا في زمن ظروفه، لكونه معلوما في مرتبة، ومجهولا في مرتبة. وهنا تتفوق العقول على بعضها، فما من ظهر بها من صناعات، كان خيالا في وجدان الإنسان الذي بحث عن طلائع السعادة بين صداع الأمن، وصخبها. فهو إذن قد كان صورة في الذات، قبل أن يتحول إلى حركة تضيف شيئا مفيدا في الكون، والحياة. ومن ثم، فعقول العلماء كانت مصنعا قبل أن تستهلك الأشياءُ بدون معرفة لحقيقتها، وطبيعتها، وكانت مراحا قبل أن تتفاعل البشرية مع ما اكتشف في عالم الهندسة من أرقام تقصر الطويل، وتحجم العريض، وتحدث في معادن الآلة سرعة فائقة، ينتشر بها الإنسان في كل مكان بلا حدود، ولا آفاق، ولا هويات. فالعلم على هذا الاعتبار، قد كان رغبة جميلة في الإنسان الذي ولجه من عالم الخيال المترع بالأشجار، والأفياء. لكن تطور العلم بانجلاء خفيات الذوات، والمعاني، قد غير ملامح فلسفته الأصلية، ونفخ فيه نَفَس سعار الإنسان المكظوم بالاستحواذ، والاستبداد، لكي يسيد على الكون بقهر، وجبر.
إن العلم بجميع أشكاله، وألوانه، ومهما كانت صياغة غايته، وقصده، هو جميل في أصل الخلقة التي وجد بها في الكينونة، والصيرورة، ولو ألبسه من رأى في مسخ آثاره نشاط ذاته، وعنفوان قصده. لأن مسماه جميل، ولو التبس بما في الذات من اختلال المعاني بين موارد الخير، والشر. فالسلاح جميل في الحقيقة، ولكنه داء عضال إذا اقتناه رديء الفعال، وابتغى به أقبح الخصال. ومن هنا، فالعلوم على اختلافها، لم يكن أصلها في العقل الأول إلا غاية النفع بوجودها، وإزالة الضرر بحضورها. إلا أنها مع تطور الأجيال، وتبدل الأحوال، اعتراها ما غير وظيفتها، وصيرها وسيلة لامتلاك القوة، والشدة، والحدة. وهنا فقد العلم في كثير من مناحيه البشرية قيمته، وغدا عبئا ثقيلا على الإنسان الذي يريد بناء أمد حياته على دوحة الهدوء، والطمأنينة.
ولا غرابة إذا استوحش الإنسان الغربي وطنه، وهو المأمول لكل من لفحه قيظ الديار، وجرحها، ووجعها، وغدا يبحث عن مرابع لرتوع همه، وألمه، لأنه لم يحس في امتلاء عمقه إلا بالفراغ، والضياع، ولم يشعر في صراع جهده إلا بحزن على ما انتهى إليه دور العلم من مادية صلدة، وأخلاقية فجة. إذ العلم، لا يستجيب للإنسان، إلا إذا كان له مركز القرار في الأقوال، والأفعال. وإذا ساد غيره، انطفأ نوره، وانتهى دوره. وإذ ذاك، نكون أمام نتائجه التي لا يحكمها نظامه، ولا يقودها كماله، ونغدو تابعين لفعل يتحدد الهدف منه بذوات لا تقدس حقيقة العلم، ولا تحترم طبيعة الإنسان. وما دام هذا الإحساس بموت الجدوى يتربى في صدور الغربيين، ويتقوى صوته بين موارد الماديين، فإن واجب العلم، هو اليقظة، والهداية، لأن صحة النسبة إليه، لا تكون قوية إلا إذا أعدنا إليه صولته، وأرجعنا إليه قوته التي ضعفت برياح التغير الملامس للأشياء، والحقائق. فهل نطيق إجادة القول عن علومنا، لعلنا نبني ما هدمته الحضارة من مهاد الأمن، والسلام.؟ إن وظيفة العلم في الرسم الموسوم بالعالمية، هي استعادة هذا الدور للكائن العاقل، والمدرك لحقائق الأشياء، ولما من أجله وجدت، ولأي غاية قصدت. وإذا تخلى العلم عن هذا المعنى، فما سيأتي منه في الآتي القادم، لن يكون اعترافا بالإنسان، ولا احتراما للطبيعة، ولا استسلاما للوجود الحق.
إننا حين نمتلك هذا الصنف من العلماء المازجين بين خمرة الباطن، وسكرة الظاهر، سنصير إلى لحظة يؤوب فيها شرف العلم إلى العالِم، وعزة العالِم إلى العالَم. وإذا تخلف بنا السير عن سبيل صناعة الحياة السعيدة، ولو في الحدود المقدور عليها، فإننا لن نضيف إلى كراس العلم معرفة، ولا إلى الحضارة معنى. لأن المعرفة هي نهاية الجهد المبذول في العلم. بل هي تمام المنة فيه، وكمال الصفة به. وهنا نختلف في المراتب، وفيما دلت عليه من أحوال. لأن العلم هو إدراك العقول للمعلوم على ماهية معينة، بينما المعرفة هي إدراك القلوب للعلم بحقائق ذوقها الوجداني. ولذا قيل: من عرف نفسه، فقد عرف ربه. أي لا يتم كمال الإيقان به، إلا إذا أدركنا عظمة لطفه فينا. لأن المعرفة، هي التي تجعل الشيء لصيقا بنا، فنعرفه كما نعرف أبناءنا، أو أشد. فما الذي ضاع إذن من نظام هذا السبك العجيب.؟
إن قيام العلم في الطبيعة قائم بوجود الذات العاقلة، والواعية، وبدونها لا يحق لنا أن نتحدث عن مفهوم العلم، ولا عن ماهيته، لأنه لا يقوم في حدود التكليف إلا في مُدركات العاقل القادر على الفعل، والمطالب به، والمسؤول عنه. ولأمر ما نقول الفعل، ولا نقول الخَلق، لأن الفعل في حدوثه مرجوع إلى تصورات الذات المصدَّقَة عندها. ويعني ذلك أن صوغه وصناعته يكون على المعنى المكنون فيها، بينما الخلق لا يرجع فيه إلى مثال سبقه في الوجود. وكلاهما فيه ابتكار، واختراع، وإبداع. إلا أنه أجلى فيما وجد على غير مثال موجود. ولذا كان لله عز وجل، لعدم أسبقية معرفةٍ مَّا على ذلك، بل لا نتصور في المحل بداية للأزلية، والأبدية، لكي ندرك السابق فيها على اللاحق. ومن هنا، يكون الفعل دالا علينا، لأنه مفعول مرتبط بالكيان المعنوي والمادي فينا، وعليهما مدار التكليف في العائلة البشرية. وإذا كانت دلالته علينا واضحة، وبها نتآلف، ونتنافر، بل بها يتحقق القصد فينا، وعلينا، فإن الفعل غير موجود إلا بمعرفة قوانينه في الطبيعة، وغير مقبول إلا إذا كان أثره موافقا لكل ما يحتويه الكون من نواميس، ونظم، وقيم. إذ لا يعذر أحد بجهله. وهذا هو معنى مرادهم بهذا القول، لا ما يشهده الناس من عقاب على المخالفات. لأن المخالفة، لا تأتي من الجهل المطبق، بل من خلل في العلم بالشيء المحكوم بنظام، والمطلوب لحكم. فجهل النسبة بين الأثرين في الفعل، هو جهل بالحكم، وهو المنظور إليه في الحدود، والجزاءات. إذ يتنزل الحكم على المكلف، ولو خف أثره، لجهله بالعلل، والأسباب. ولذا، يكون مقتضى العلم مطلوبا، لأنه نجاة، ووقاء، وستر. وإذا أيقن الإنسان بهذا المعنى، جعل حلية ذاته ما علمه من مجهول المعلوم، وما جهله من معلوم المجهول. لأنه لا يتأتى للفرد المدرك أن يعرف كل ما يفور به الزمان، والمكان. وهنا، تلتقي فضيلة العلم الذاتية بالعرضية، لكي يتشكل هذا الإنسان الذي يجعل العلم قانونا أسمى في عقله، وفي حياته.
ولذا حارب الإنسان ما يشبه العلم من خرافات، وأساطير، لأنهما تمنحان إيانا نوعا من الحكم على المجهول، لا يستقيم به الرأي في ميزان الحجية، ولا تتركب به معرفة تطيق الجدال على الاستدلال. إذ هما لا تردان إلا في المجهول الذي لا يدل عليه المعلوم إلا بعنوان الظلال، والتجلي. ومن هنا، فإن ما ينتج عن الخرافة، والأسطورة، ليس مما يهدف إليه العلم، ويقصده، لأنه يريد استجلاء الحقيقة بكليتها الباطنية، والظاهرية. بينما يتأسس عليهما حكم لا يستند إلى الماهية في تحديد المعنى، ولا يتكأ على الطبيعة في بناء المبنى، بل قصارى الجهد فيهما، أنهما تفسيران للحقيقة بالخيال. ولا غرابة إذا ولجتا عالم الإنسان، لكونه وعاء يقبل السرعة في محل التأني، والجمع في مقام التشظي. إذ لا يستكان إلى رجاحة القول إلا عند كد العقل في تحديد المعنى. وما دام الحكم، هو المراد، والأثر هو المقصود، فإن ما ينشأ عنهما، قد تضمن ذلك بدون حرج العقول في البحث عن الحقيقة، والفتش عن الطبيعة. وهنا اختلفتا مع مفهوم العلم، لكون العلم قد تجاوز الخيال في كثير من أنحاء مداراته، بينما توقفتا عند هذا الحد، ولم يَفض منهما مزيد أمل في الاستطلاع، والاستكشاف. ولذا يفوقهما العلم من حيث الامتداد، والاتساع، والشمول. إلا أن الخرافة استحوذت على غير المشاهد، واكتفت الأسطورة بحكاية ما في الذاكرة من نتائجه.
فلا غرابة، إذا كانتا مهيعا لكل من يريد أن يقرأ العقل البشري في تعاقب أدوار تطوره، عساه أن يكتشف فيه أدوات علمه، ومعرفته، ويسترفد منها قوانين نظمه، وقيمه. بل لا غرابة في إنصافه إذا حكم على مجموعهما بأنه نوع من المعرفة الغيبية، لأنه في نوعيته مرتبط في كثير من سياقاته الأولى بالسؤال الوجودي عن الجوهر، والماهية، والهوية، والكم، والكيف، والأنا، والآخر. ومن هنا ارتبطت الخرافة بالدين، أو الأسطورة بالدين، لأن إثبات العلم لهما، أو نفيه عنهما، لم يكن إلا رأيه الذي استحال مع تطور الأفكار مقابلا لهما. إذ هو الذي تولى عظم أمر تفسير هذه الحقائق على رأي قائم على التوحيد الأزلي، وهو الذي تأسست عنده المعرفة على سياق المعلوم العقلي الضروري. وذلك قبل أن تظهر التفسيرات الأخرى للوجود، وتنتشر الخرافة والأسطورة إلى ميادين أخرى. ولذا، فإن رأي الدين في الخرافة مقبول عقلا، لكونها أتت ضدا له في سابق نشأتها، وإذا حاربها، فهو يريد صفاء معرفته، لأنها تعطل العقل الإنساني، وتثقل كاهل الجسد البشري. وإذا رفضها مَن هدم الأديان، وسجن الآلهة، فكلامه معتبر في كونه يريد أن ينسف كل ما له علاقة بغير المشاهد، وسواء عنده في ذلك الدين، أو الخرافة. وهي في حقيقتها لا تعرف إلا بالدين، ومحلها التصور البشري للعالم الفوقي. ولذا خالفت العلم، لأن الدين جعل موئل إدراكه التوحيد في الحقيقة، لا التعدد في طبيعة الأقوال، والأفعال، وصير مجمع اهتمامه الاتئلاف حول القصود، والغايات، لا تنافر الذوات، واختلافها حول المباني، والمعاني. بينما الخرافة استقت من معين الغيب ما لا دليل عليه في الشهادة، فكان تفسيرها مستوجبا للتعدد في الماهية، والاختلاف في النتيجة، وكان ما تفيده نقضا لنظام العقل في الدين، وفي العلم، وفي التاريخ، وفي الحضارة. ولذا حارب الدين الخرافات، والأساطير، بل كل ما يعكر صفاء الوحدة في التوحيد، لئلا يتوه مَن قبل فسحة الدين في رص عقيدة الباطن بما يتنافى مع سر الظاهر المحكوم بعلاقات تمتزج فيها المعاني الروحية بالمادية. لأن إدراك ذلك المحيط الذي يمزج بين المعنيين، هو السر الذي فقده كثير ممن خاض لجة العلم بوقاحة، وصلافة. فكان وباء على ذاته، وعلى نوعه. ومن ثم، فإن عدم إدراك ذلك، لن يمنح العقد الباطني معنى، ولا الفعل الظاهري قيمة. وحينئذ، لن ننتج بالعلم صرحا مشيدا، ولا أملا مقيدا.
قد يكون ما نجود به في سبيل العلم أثمن شيء عندنا، لكن ما يؤرق وجودنا النبسي في دائرة العقلاء، هو كيف نمشي على طرق حماية ما صار لنا صفة بين الصفات، وتاجا بين التيجان، وموطنا بين الأوطان، لأن العلم، ولو هو في حقيقته ذاتي، ومصدره الله عز وجل، فهو من شدة جلائه يبدو أكمل صفة تستحق التبجيل. وكل ما يأتي مبجلا، ومفخما، فحقه الصيانة، والوقاية. ولذا وصف الإنسان بالعلم مدحا، وهو صفة الجمال، والكمال، ولم يوصف بالجهل، إلا قدحا في القول، والفعل، وإن كنا لا نرى للجهل قدرة على أن يكون ضدا للعلم في المرتبة. لكن ترتيب الخِطط، وتأثيلها، وتقويمها، قد ميز بين الصفتين، فجعلهما في الشيء الواحد، كما جعلهما في الأشياء الكثيرة، لأن المراد عنده هو صياغة الحكم على الموضوع بالنفي، أو الإثبات، وصناعة الأثر في المحمول بالمصلحة، أو المفسدة. ومن هنا اقتضى مفهوم العلم أن يصان عن الرقاعة، والسفاهة، لئلا يتوقف به السبيل عند جيل، فيصير مقطوعا، ويغدو مفصولا. لأن دائرة العلم تقتضي التسلسل في تاريخ العلم، وفلسفته، وأنماطه، وسلوكه. وإلا، فإن انفصاله عنا في عالم الروابط، والعلاقات، يعني أننا قد ابتدأنا تحريرا جديدا لمعرِّفات الكون، والحياة، والطبيعة، والإنسان. وذلك لا يقول به إلا من أوغل في غابة حقده للآخرين بدعوى صراع الثقافات، والحضارات، وأوضع بخيله في أرض مغتصبة بنى عليها ربعا لغروره، وكبريائه، وأوجع بكيله قوة كاهل هذا الإنسان الذي وجد ليصنع ذاته من مادته، لا ليكون عبدا لهذا الوحش الكاسر الذي سموه "الشخص الأمبريالي". لكن من يرى امتزاج اللاحق في العلم بالسابق، لا محالة، سيستأنف جهده حيث انتهى الأول. وإذ ذاك، لن يكون جهدنا إلا حلقة لوصل هذا الأمل إلى آخر كائن سيحتضنه هذا الكون. وما دمنا، لم نقتنع بأننا لسنا إلا جسورا تمر منها هذه المعارف إلى غيرنا، فإننا سنعق أمر العلم، وشأنه، وربما نثور عليه، ونتمرد، وكأننا ما وجدنا لذواتنا، ولا لغيرنا. فاقتناعنا بهذا الدور النوعي في تاريخ البشرية، هو الذي يعطي كل ما نقوم به من أجل جمال هذه الدائرة قيمة، ومزية، ومرتبة. وإلا، فإن ما نقوم به من نشر الخرافات، والأساطير، لن يجيء منه إلا ما يقوي أمد الحروب على المصطلحات، والمفاهيم.
لعل نشر العلم وبثه في النفوس، والعقول، هو الشيء الذي تفانى الإنسان في سبيله، وتنافس في جميله، لأنه يؤكد على استواء الخلقة في الجبلة، واحتواء الباطن للظاهر، واكتمال الفعل بنيته، وغايته، ويؤسس لقدرة الذات على صناعة السلم العالمي الذي يغرد به على فنن المعاناة لحن العصافير، وصراخ الغربان. وذلك ما يجعل شأن العلم عظيما، وفضله كريما، لأنه الدليل الذي يقودنا إلى ما تشتهيه الذوات من لطف المناكب، وروْح المطالب. وإلا، عجنتنا الأحداث في طين الألوان، ودفنتنا الوقائع بين قبور النسيان. ومن هنا، فإن الحفاظ عليه مسؤولية جسيمة، لا تنوء إلا بكاهل حُجب عنه المعنى البشري بألطاف المعنى الإلهي، فكان ذائدا عن الحوزة، وحاميا للدورة، لئلا تداس بعقائد الجاهلين، ودسائس الماكرين. وإن لم يكن القيام بخدمة العلم لهذه الغاية، فإننا نبث السموم في مسارب الناس، ومسالكهم، ومشاعبهم. وإذ ذاك نكون قد أبعدنا شغف الإنسان إلى ميلاد شمس هذا العيد الجميل في الأذواق، وعلى الأوراق. وهو مقام عتيد في المعنى، لا يُهدي إلينا بشراه، إلا وترنح الإنسان بين أحضان المعرفة البريئة. وذلك مما يبعد العلم عن دائرة الصراعات، والنزاعات، بل يغدو أملا في بناء كوكب يؤمن بحرية الآخر، وكرامته، وعدالته، ومساواته. وإلا، فإن أي علم خرب المعاهد، والمعابد، لن يؤمل منه أن يكون دليلا على مركز العلم، ومحوره، ولا حجة على سمو قصده في الفعل، والترك. ولذا، كان من لازم الوفاء بعهد العلم، أن نتعرف فيه على الحقيقة، وإذا تنافى مع لازمه، لن ندرك منه معنى العظمة السارية في الأكوان. وهي لا تكون إلا تجليا في العظيم، والجسيم، وإذا هانت الصفة في التقدير، لن تكون إلا أداة للمسخ والتشويه في التدبير.
إن الأشياء لا تكون حقيقة إلا إذا دلت على معناها. ولا معنى فيها إذا لم يكن لها حكم تتضمنه، وتحتويه، والعلم كذلك، له حقيقة تفرد مسماه عن غيره، وهو إلى جانب ذلك يؤسس لأحكام بها يتم الفصل، والوصل. فلا بد إذن أن يأتي منه ما هو موضوع له أصالة، وإلا نتج عن تنحيته حكم آخر، ينكس النتائج، ويعكسها، فتتحول إلى الضد في المثال. وهكذا، فإن العلم إذا لم يثمر المعرفة الخالدة، لن يفضي إلا إلى مسخ للحقيقة، وتشويه للطبيعة، لأن تمام العلم، هو نهاية الخشية فيه، وبه. وإذا لم تكن هي الغاية، وكانت الوسيلة، تولدت من أحشاء الحياة مغبة خطيرة. وأعظمْ بها من معرة، إذا أجرت التعديل على نتائجه الإنسانية، وغاياته الاجتماعية، وقصوده الأخلاقية. إذ نتائج الشيء، هي التي ينظر إليها عند صياغة الأحكام في الشرائع المحترمة، لأن الفعل موجود فيها بالخطأ، أو بالعمد. وهما قد اختلفا في النتيجة، لكون كل واحد منهما ينظر إليه بنظر خاص. وربما قد يكون موحدا في الأثر، لكنه لا يتفق الحكم عليه فيما بين بدايته، ونهايته. واقتضاء اختلاف النظر لاختلاف الحكم، هو الذي خفف هنا، وشدد هناك. ومن هنا، فالعلم الذي لا يثمر خشية، لا يفضي إلى الاعتقاد بصدق المعرفة، وحقها في سبك سلوك الإنسان السوي، وأثرها في صوغ الأحداث المختلفة. ومن هنا، فالعلم، هو في ذاته قوة، ومناعة، وهو في بارز ظاهره جمال، وأمن. ولا شيء يهابه الإنسان أكثر مما يتضمن الصلادة، والشدة، ولكنها غير مرئية عليه في ملامحه، ومعالمه. فيزداد حبا في درك ما خفي عنه من أمره، ويشتاق أملا إلى تلك اللحظة التي يمتزج فيها بذاته، وهو لا يحس بانفصال في مقام يحتاج إلى الاتصال، والاتحاد. وهكذا العلم، فهو من شدة وضوحه اختفى، ومن قوة بروزه انطوى.