الكتابة في الصحف العبريّة

راضي كريني
2016 / 11 / 2

2-11-2016
كتابة العربيّ الفلسطينيّ في الصحف العبريّة، لا تشبه أيّة كتابة في الصحف العربيّة؛ فهي لا تعكس، بالضرورة، حقيقة الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والنفسيّة السائدة في الوسط العربيّ.
يكتب بعض الكتّاب العرب المقالة ... في الصحف العبريّة ليوضّحوا للغالبيّة اليهوديّة في إسرائيل، موقفهم ورأيهم وفكرهم حول العديد من القضايا التي تهمّهم. ومقالاتهم لا تناقِش مجتمعهم باصطفافاته وانقساماته واختماراته وصراعاته و...؛ لذلك لا تسهم هذه المقالات في صياغة الرأي العامّ للأقليّة العربيّة الفلسطينيّة في إسرائيل، ولا تغيّر رأي قارئها اليهوديّ ومفاهيمه ومعتقداته في الصراع العربيّ الإسرائيليّ؛ لكنّها تفتح عيون القارئ اليهوديّ على سطح المجتمع العربيّ المثرثر، وعلى تجربة الكاتب العربيّ نفسه وملامحه السياسيّة، ولا تأخذ هذه المقالات القارئ اليهوديّ إلى العمق المصغي والمتشكّل والمتفاعل للأقليّة العربيّة، ولا تنبّهه، بشكل عامّ، لخطورة سياسة الاستغلال والتمييز العنصريّ والاحتلال و.....
تبقى كتابة العربيّ للمقالة الأسبوعيّة بالعبريّة مسايرة شكليّة لخطوط الصحيفة العبريّة الحمر، وتبغي إيجاد علاقة وطيدة مع القارئ اليهوديّ الذي يحاكيه بغير ما يرغب؛ لكي يرغب، و... ويتعاطف ويتضامن، وبالتالي هي بذلك تخلق علاقة مشوّهة بين الكاتب العربيّ والقارئ العربيّ الذي يؤمن بغير ما يقرأ، ويعيش نمط حياة غريبًا عن الوسط اليهوديّ، ويطالب برفع الظلم عنه، وبالمساواة، وإنهاء الاحتلال، ووقف العنف وفوضى السلاح، وإيجاد فرص العمل والعيش الكريم، ورفع المستوى التعليميّ والتربويّ والثقافيّ والاقتصاديّ، والتخلّص من قتل النساء، وحوادث الطرق والعمل، ومن الفقر، ومن البطالة، ومن آفة الجهل، ومظاهر التديّن الزائف و....
اكتب أين ما شئت، لكن بشرط أن تكون صادقًا، وأن تصبّ كتابتك في صالح شعبك الذي يحتاجك كمقاتل/كمدافع من أجل حقوقه، وعيشه الكريم، وحياته الآمنة،... والسلام.
اكتب أين ما شئت، لكن لتكن قضايا شعبك وقودًا لنور مقالاتك، اكتب واقدح النار من الزند، والخير في صدره، والذهن في المسائل، ولا تقدح في عرض شعبك وتشنّع في شهادته وحضوره ومكانته!
اكتب أين ما شئت، لكن لا تنسَ جوهر الصراع بين الرأسماليّة والاشتراكيّة، وبين الظلم والعدل، وبين الحريّة والعبوديّة والحبس والسجن والأحكام الإداريّة التعسّفيّة والعرفيّة، والحواجز والجدار العنصريّ الفاصل و.....
اكتب، ولا تحاول أن تثبت خلود الاستغلال والاحتلال والاستئثار بمقدّرات الشعوب، ولا تؤجّج النزعة الفرديّة، والأفكار الشوفينيّة والعرقيّة، ولا تستخفّ بالصراع الطبقيّ، وتشوّه فكر المسحوقين،
اكتب أين ما شئت عن سوريّة، لكن تعلّم عن نشأة وتمويل "داعش"، واعلم أنّ أقسى تهمة وجهّها الثالوث الدنس؛ الاستعمار والصهيونيّة والرجعيّة العربيّة، إلى النظام في سوريّة، هي أنّه يستغلّ إرهاب داعش لتثبيت حكمه! وأرقّ تهمة وجهّها إلى تركيا والسعوديّة وقطر والإمارات و.... أنهم يخشون عودة مقاتلي داعش إليهم وانقلابهم عليهم! لكن لماذا تتجاهل مَن أيقظ الفتنة السنيّة الشيعيّة، والعربيّة الكرديّة؛ كي يكسب رضا حكومة إسرائيل اليمينيّة المتلذّذة على الخوف من النوويّ الإيرانيّ.
اكتب أين ما شئت، لكن لا تأكل على حساب شعبك الجائع!