هكذا أساء التراث الفقهي إلى الرسول(ص) .

سعيد الكحل
2016 / 11 / 1

لا غرو أن نجد الذين اتُّهِموا بالإساءة إلى الرسول محمد (ص) اتخذوا من التراث الفقهي وضمنه كتب السيرة والصحاح المادة المعرفية التي حاكموا بها التراث نفسه والصورة التي رسمها لنبي المسلمين . وما لم يدركه المسلمون بمختلف تياراتهم ومذاهبهم أن نقد التراث لا يعني بالضرورة نقد الرسول ولا الإساءة إليه . وإذ يضع نقاد التراث الفقهي أصابعهم على مكامن الخلل فيه فإنما بغاية حث المسلمين على إخضاعه للمراجعة والغربلة لفرز الغث فيه وطرحه حتى لا يظل عائقا أمام الفكر والقيم والحقوق الإنسانية .والإساءة إلى النبي لا يتضمنها فقط التشريع الفقهي في كثير من جوانبه وأحكامه باعتباره اجتهادا فقهيا تم من داخل التراث وبتفاعل مع الأعراف الاجتماعية ،بل تكرسها كتب الحديث التي أضفت عليها المؤسسات الدينية الرسمية كل القداسة التي لم يعد ينفرد بها القرآن الكريم .وتكفي إطلالة بسيطة على ما يعتبره المسلمون "صحاحا" حتى يكتشف كل ذي عقل سليم هول التناقض بين كثير من الأحاديث المنسوبة إلى الرسول وبين أخلاق الرسول وتعاليم الإسلام ومضامين القرآن الكريم . وهذه نماذج منها :
ــ في رواية للبخاري عن قتادة أنه قال : حدثنا أنس بن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قال : قلت لأنس : أو كان يطيقه ؟ قال : كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين... وفي رواية «قوة أربعين « .قال الحافظ في الفتح : وفي صفة الجنة لأبي نعيم من طريق مجاهد مثله وزاد »من رجال أهل الجنة« وعند أحمد والنسائي وصححه الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفع» إن الرجل من أهل الجنة ليُعطى قوة مائة في الأكل والشرب والجماع والشهوة» فعلى هذا يكون حساب قوة نبينا أربعة آلاف (فتح الباري «.
إن رواة هذا الحديث ومروجيه لم يسألوا أنفسهم عن الحكمة أو الموعظة من رواية هذا الحديث ؟ ألم يعلموا أن الله مدح نبيه الكريم (وإنك لعلى خلق عظيم) ؟ فهل من عِظم الخلق الإفراط في الجماع ؟ وهل يريد الرواة أن يأخذ المسلمون عن الرسول كثرة الجماع والإفراط فيه امتثالا للأمر الإلهي (وما آتاكم الرسول فخذوه )؟ إن الرسول الكريم كان يأمر الناس بالبر ، فهل الإفراط في الجماع من البر؟ لكن المسيء حقا للرسول الكريم هو أن الفقهاء والأئمة جعلوا من تضخيم قوته الجنسية إحدى معجزات نبوته. ففي جامع الأصول 2/255 نقرأ: " فإن الأنبياء عليهم السلام زيدوا في النكاح بسبب نبوتهم، فإنه إذا امتلأ الصدر بالنور، وفاض في العروق، التذت النفس والعروق، فأثارت الشهوة وقواها، وريح الشهوة إذا قويت، فإنما تقوي من القلب والنفس فعندها القوة".وقد حاول العلامة المناوي في فيض القدير ، البرهنة على أن كثرة الجماع معجزة الأنبياء كالتالي: "فإن قلت: هل للتمدح بكثرة الجماع للنبي صلى الله عليه وسلم من فائدة دينية، أو عقلية لا يشاركه فيها غير الأنبياء من البرية؟ -قلت: نعم- بل هي معجزة من معجزاته السنية، إذ قد تواتر تواتراً معنوياً، أنه كان قليل الأكل، وكان إذا تعشَّى لم يتغذّ وعكسه، وربما طوى أياماً، والعقل يقضي بأن كثرة الجماع إنما تنشأ عن كثرة الأكل، إذ الرحم يجذب قوة الرجل، ولا يجبر ذلك النقص إلا كثرة الغذاء، فكثرة الجماع لا تجامع قلة الغذاء عقلاً ولا طباً ولا عرفاً، إلا أن يقع على وجه خرق العادة، فكان من قبيل الجمع بين الضدين، وذلك من أعظم المعجزات فتدبر" والله أعلم.
ــ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية يعني ابن صالح عن أزهر بن سعيد الحرازي قال: "سمعت أبا كبشة الانماري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في أصحابه فدخل ثم خرج وقد اغتسل فقلنا يا رسول الله قد كان شيء؟ قال أجل مرت بي فلانة فوقع في قلبي شهوة النساء فأتيت بعض أزواجي فأصبتها فكذلك فافعلوا فإنه من أماثل أعمالكم إتيان الحلال". فكيف يقبل المسلم أن الرسول لم يمتثل للوحي الذي جاء به حاضا على غض البصر ؟ أهذه هي الحكمة التي يريدها واضعو الحديث ؟ أيريدون إعطاء القدوة والنموذج في الخُلُق أم هدمهما وتكريس النقيض ؟ أيحرضون على الفتنة أم يدعون إلى الفضيلة بهذا الحديث ؟
كان حريا برواة الحديث أن يستحضروا الحديث الذي رواه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها." وهذا الحديث كاف ليجعل الفقهاء المتبصرين يحذفون هذه الأحاديث التي تناقض نصوص القرآن الكريم وتعاليم الإسلام التي تزكي النفوس وترقى بالأخلاق .
ــ جاء في "صحيح البخاري" من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير). هذا الحديث بقدر ما يناقض قول الله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَإنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) وكأن الغنائم والفيء لم يكن خمسها يكفي حاجات الرسول ومتطلبات نسائه، يمس بشرف وكبرياء الصحابة الذين عُرف عن بعضهم الغنى والثراء ؛ إذ كيف يقبل الرسول على نفسه الاقتراض من يهودي دون صحابته الذين كانوا يفدونه بأرواحهم وأبنائهم وأموالهم؟ ألم يكن ابن عوف من أغنى الأغنياء حتى إن الرسول قال له يوما"يا بن عوف، إنك من الأغنياء، ولن تدخل الجنة إلا زحفًا، فأقرض الله يطلق لك قدميك"؟ فهل كان عثمان بن عفان زوج ابنة الرسول أن يبخل على النبي ويتركه يرهن درعه مقابل الشعير وهو الذي تقدر ثروته بـ «ثلاثين مليون درهم فضة، ومائة وخمسين ألف دينار« ؟ أكيد من جهز جيش العسرة «جيش تبوك « لن يرض الفاقة والعوز للرسول (ص).