العلم حين يصير صناعة -1-

إبراهيم الوراق
2016 / 10 / 31

العلم حين يكون صناعة
1
قد يكون هذا السؤال مستساغا حين نشاهد العلم يتلوى بالكمد من شدة الظواهر الفجة التي آلمته، وأهانته، ونلاحظ الديار التي كانت فيها صولة المعرفة أخاذة بالألباب مدمرة الطبيعة، ومزورة الحقيقة، وكأنها ما صنعت لغة العقل في زمن من أزمنتها الفياضة بالمبرات، والخيرات، وما أنتجت صوت الخلق الذي احترم به الإنسان أخاه على وجه هذا الكوكب الجميل، والجليل. فهل طاف عليها طائف ما، فصيرها بعد عمرانها خرابا يبابا.؟ قد يكون مرضيا لغيرنا أن نحرق دورنا، ونفسد زروعنا، ونجفف ضروعنا، لكن هل ذلك مرضٍ لنا في بقية أعمارنا، ونحن قد سمعنا أخبارا تحكي عز من مضى هنا بلا شكوى، ولا بلوى، وألفينا آثارا تدل على جثو الركب فوق هذه الربى بسكينة، وطمأنينة.؟ شيء من ذا، وذاك، يرد علينا وجعه في زمن الانتكاسة التي دهمتنا بغوائل الهزيمة، ويفد علينا عناءه الذي يشعل في أعماقنا نيرانا كثيفة، وحرائق عظيمة. فهل ضاع العلم فينا، ففقدنا بموته الديار الآمنة.؟ أجل، لم يشرِّف الإنسان شيئا أجل من العلم، وأتم من العقل، وأكمل من الخلق، بل لا وجود للإنسان بدون هذه المعاني الأنيقة، لأنها هي التي تحيط به في حياته، وتدبره في نموه، وترصف غاياته، وتبني قصوده، فإن اهتدى بنورها، كان جديرا بأن ينال فضل من قدس العلم، وقدمه، واقتدى به، وأنتج به في الكيان سعادة عظمى، وهناءة مثلى. وإن لم يهتد بها في الفعل، ولا في الأثر، فما أفلح من عاتبه على ما أضاع من سمو الجمال، والجلال، ولا على ما أبقى من معرة بين تاريخ الثقافات، والحضارات. إذ لا ينزل العتاب إلا من عرف قدر ذاته التي بها وجوده قائم بين الموجودات، وابتغى أن يكون لها محل يؤثلها بالفضل، والنبل. فكيف سنعتب على من لم يقدس العلم في عبادته، ولم يجعل له في تدبيره مساحة، ولم يقطع به في سبله مسافة.؟
سيكون عبثا فينا أن نطالب ديارا نكبها الجهل بأن تسير بسير الحضارة التي منحت الإنسان سر الأمل الوديع، وسيصير خرافة منا أن نواجه ما يمور على هذا الكوكب من الثقافة بعقول تجد لذتها في استهلاك نفَس الغير، لا في إنتاج الأشياء بروح الأماكن المقدسة في المولد، وفي المرتع، وفي المغنى، لأن الحضارة بنت تولدت من رحم العلم، ونشأت في حضن المعرفة. وما لم تبن على هذا الأساس القويم، فإنها لن تكون أثرا في حياة هذا الكائن الإنساني، ولا أملا فيمن يرتحل بين المراحل المتعاقبة على هذا الفلك الأرضي. ولذا، يستحيل أن نجد لنا نجما مرفرفا في السماء، ما لم ننظر بنظر حاد إلى هذا الموجود، فنغوص فيه بحثا عن سره الذي من أجله وجد في أزل العلم، وغايته التي أريد لها أن تكون علة تكليفه بإجادة السيرة في رحلة الكون، وسفر الحياة. لأن إدراك الموجود على ما هو عليه في الحقيقة، والطبيعة، هو العلم بالمعلوم الذي نتعالى به على الجهل بما فيه من معان خالدة. وربما من شدة انتكابنا بأنايتنا نتباهي به، ونتعادى فيه، ونرى ما نملك فيه أقدر على تطويع الأشياء، واستعمالها فيما يخدمنا، لا فيما يهدي إلى الكون بسمة، ووردة. وحقا، إن ما أوصلنا إليه إلى خيلاء مشية المتجبر الأحوال، لم يكن مستحسنا في كثير من العقول التي شهدت الاستكبار سببا في خراب العالم، ودماره، ولم يكن مستساغا لمن أيقن بأن قيمة العلم في إسعاده، وإسعافه، لا في فتك فتوته، وجولته، بل حاربه قوم شهدوا على مرآة الكون هذا الكوكب مهددا بطيش العلم، وسفهه، وغروره، فانزووا إلى قاع عميق، وغور سحيق، لعلهم يبقون ما توارى بين الديار من روْح الوجدان، والعرفان. وحقا، ما زالت هذه الحرب قائمة بين أنصار العلم، وأعدائه، ولو شوش عليها كثرة الصاخبين بالأصالة، أو الحداثة. ونهاية صوتها الرافع لعلم الصيانة، والممانعة، هو استسلام للصناعة الشرهة، الجشعة، واستكانة للوأد الفاجر لرحابة هذه الطبيعة، وسعادة هذا الإنسان.
يجرنا داعي الألم إلى البحث عن أصل العلم، ومولده، ومنشئه، ونحن لا نريد بذلك أن نطيل الأمد على ابتناء قناعة تفيدنا في تحرير أوراق ما تبقى من عمرنا القليل، بل نبتغي أن يكون لنا شرف ما نعشق إنفاق صميم المهج في صيد جماله، ونرتجي أن يكون لنا سير محفوف بالأمل الناطق بين هذه الديار بصوت السلم، والأمان.
لعل ما تجود فيه الأرواح بوجودها الذي تبخل به عما سواه، هو المحل الذي يحوي السر المكتوم روحه في عمقه، والمقام الذي يتضمن ما ظهر وجوده في كونه خفيا إلا عن النظر الحاد فيه. إذ الخفاء دليل على شدة الوضوح في المعنى. لاسيما إذا اهتدى الساري بنور ذاته إلى الديار التي تعشق الأمل الحاني، والأمن الداني. لأن أجمل شيء يعشق في الوجود، هو البقاء في هذه الطبيعة التي تنفيأ منها ظلالها الوارفة. وإذا رضيت الذات ببيع البقاء في شيء له معنى، وقيمة، فإنها ستنال به الفناء الصوري في الظاهر المترع بالأوجاع الكاسرة، ولكنها في المقابل، ستحظى بشرف اليقظة في الباطن المفعم بالمعاني الباقرة. وإذ ذاك، ستكون أجود في الإفصاح عما في مخبآت السر من صوت القيان، وأجدر بأن يكون لها دليل على صحة القول في مجمع البيان.
ومن هنا، فالعلم معشوق للآمِل الذي يبحث عن نشدته في الكون، لكونه في ظاهرة زينة لمن رآه لباسا مغريا، ومثريا، وفي باطنه جمال لمن شاهد في طياته معاني الربوبية، والألوهية. ومن هنا، فإن من لم ير فيه كماله الأسمى، لن يدرك فيه لنقصه حدا أجلى، لأن إدراك الحدود بين أمداء المعنى، مما يبني لدلالة الألفاظ مدلولا في النفوس، والعقول. إذ لا ننطق بصوغنا للعبارات إلا فيما يفيد، وما لم يفد بذاته المعنى، كان لغوا بين الكلام الفصيح بالمراد المعرى. فنحن نكره اللغو في كل شيء نحس في زيادته على المحدود بالألم، والعناء، لاسيما في لحظات الصفاء، والنقاء، ولذا، لا نرى للغو أصلا في الطبيعة البشرية، إلا إذا انبنت الألفاظ على الإدراك العاجز عن المقصود في الدلالة بالأصالة. ومن لم يدرك الكمال في تمام ذاته، فأنى للنقص أن يكون له حلية في جماله.
وإذا جادت الذات بأغنم غنائمها التي نالتها من صراع الوجود، وأثمن حظوظها التي حازتها من قصة الطبيعة، فإنها لم تجد بذلك إلا لتخطب الحسناء بأغلى المهور، وتنشد الضالة بأعلى البرور. ولا غرابة إذا بخلت في أمر حقير، وجادت في شيء كبير، لأنها تكون تبعا لما يدبرها من معان، ويغيرها من مبان. فإذا رأت العلم جمالا على الخلقة، جادت بألذ ما فيها لحرز بهاء ما له فيه صولة. وإذا رأت المال كمالا، جادت بأكمل ما فيها لنيل رقمه، وكسب عده. لأننا لا نجود بطبيعتنا إلا في الأشياء التي تستحق أن توصف بالعظمة، ويكون لنا بها تمام منة الهيبة. ومن جاد في قبحها بالآمال العريضة، فإنه لم يجد بها إلا لكون الجميل مستغنيا عنه في دائرته الحسيرة. ومن هنا، يمكن أن نفصل بين أمرين: نظر رأى العلم ذاتا، ونظر رأى العلم صفة. وهنا اختلفت الأنظار، وتنافرت الأفكار، وتواترت الأحقاد، وتناحرت الأكباد. لأن اختلافنا في العلم ماهوي، قبل أن يكون اختلافا في الجزئيات، والكليات. ومهما دبرنا أمر ذلك الاختلاف بأقدس العقول، فإنه لن يظفر بلحظة الاتحاد على أظهر المسالك في الأصول. إذ العلم، ما كان صفة تقوم بالخارج، إلا لكون موجودها حيا في الذات العاقلة، وهو الذي سكت صوته لضرورة الطبيعة، لكي تتحدث الذات عن نفسها بألفاظها الدالة على معانيها المختلفة، لأنها مرتبطة في الخارج بذلك العلم المتآلف بالأوضاع البشرية المتنوعة، وهو حقيقة جزء من محل المعلوم الذي يمتزج فيه الفحوى، والطوبى. إذ معلومها كما له في الداخل نظام، فإن له في الخارج قانون. وهما يختلفان من حيث وضع الأدوات، والغايات، ويتفقان من حيث بناء الكينونة، والصيرورة، لأن ما كان جوهره المادة، لن يخرج منه إلا ما كان في حدودها، وهكذا الروح، لا تقاس إلا بمقياسها، ولا توصف إلا بما في مرتبتها. ولا أمل لنا في تلك الغاية، لأنها فوق الحد، والإدراك. وهي النسيم الذي لا يرى، وإنما يشاهد بالوجدان العميق. وهنا توقف قلم العلم الظاهري.
ومن ثم، تكون صفة العلم ذاتية، إلا أن من اكتشف منها تزواجها بالحادث، رآها مادية تنضاف إلى صفات الذات، وكأنها على هذا الاعتبار، وجدت جبلة بلا علم يصيرها عاقلة، فاقتضى جهلها المركب معها، أن تتعلم أنجع السبل للهداية، والرعاية. ومن اكتشف علاقة المعلوم فيها بأصل خلقتها، أيقن في وجودها بمعلومها قبل كسب ما خرج عنها من علاقات، واتفاقات. لأن الذات على هذا المعيار، لن تكون ماهية وافية، إلا في تمام كليتها بوجودها كاملة. ونفي العلم عنها، سلب لوجوده فيها. وهنا تلتبس المفاهيم، وتختلط الآراء، وتنتحر الأطماع. لأن اتحاد النظرين يمكن رؤيته في غاية العلمين، لا في نقطة التأليف، والابتداء. لكن هل نظر الإنسان إلى هذه الغايات، ونسي ما عداها من سبل اجتازها للوصول إلى سواء الآمال، والأمنيات.؟ لقد تجاوز النقاش هذا الحد المعتبر في محمود العقول، وابتدأ الصراع حول نبش البدايات، لكي يؤسس لمفهوم العلم الذي ينتج الخراب، والدمار. تلك هي الغصة التي تتحجر في حلوق المنادين بتخليق العلم، وتهذيبه. وربما من شدة الإفراط في صوغ ضرورة هذه الدعوة، دعت إلى إعادة بساطة هذا الكوكب الذي نزعت منه مسرته بسطوة العلم المدمر، والقاتل. لأن ما وصل إليه هذا الاغترار به، لم تألفه البشرية، ولم تعرفه في سابق الأزمان. ومن هنا، تناحر النظران في منظومتنا الفكرية البعيدة عن عوالم الصناعة، والتقنية، والتكنولوجيا. فأحدنا يرى العلم ذوقا، وأحدنا يراه كسبا. وكلانا لم يخرج به عن دائرة المحدود في الأذهان. لأن العلم في ماهيته غير مشاهد، ولا مرئي، إذ لم يصل فيه أحد إلى نهاية وافرة. وكل معنى لا تُرى ذاتُه، وإنما تشاهد آثاره، يكون سببا في الصراع، والنزاع، لأن ما خفي فيه، هو أمل الذوق، وما ظهر منه، هو أمل الكسب. والحدود تختلف باختلاف إدراكاتنا للمعنى. إذ لا يكتفى بالتعريف إلا عند حصر المعنى. لكن ما انطوت عليه الذات من مدى سحيق، لا يجوز لنا أن نصوغه بالحدود، والرسوم، لأنه غير محصور، ومقصور، وإنما يكتفي فيه بالإشارة، والرمز. وهنا تضيق العبارة لشساعة المعنى. فما هو المحدود عندي بالذوق.؟ وما هو المحدود عندك بالكسب.؟
لو قلت بأنني أعني ذلك المسمى المتواضع عليه، أو المتآلف حوله، لقلت لك بأنني أعني ذلك المستوى المتعالي على ما معروف عندك. أو ذلك المتداني، لأن المتعارف عليه، لم يكن علما إلا بالتواطؤ عند جماعة معينة، فيناط فيه الرأي إلى المحدد في تلك الدائرة، وينحاز فيه رأي آخر يعزى إلى المخالف غير الموافق. لأن تحديد الدلالة على المعنى بمسرب ما، يفضي إلى وجود معنى للقول بنهاية العلم. وذلك مما لم يقل به أحد. لكن اختلفنا في هذا المعلوم الذي ارتبط به العلم، فبعضنا يراه بدون حد، ويعتبره أزليا لا يقبل الحدود، والقيود. وبعضنا يراه في الموجود، فقال: إن مقتضى الوجود الموجود في الأشياء، يستلزم أن يكون العلم محدودا بها، لا بغيرها، لأنه شاهده في التكوين، والترتيب. وهنا اكتفى بالبحث عن القواعد، والأدلة، بينما جعل غيره علة ذلك واحدة. وهي العقل الكلي الذي يحتوي ما هو معلوم، وما هو غير معلوم. ولذا، تختلف مراتب الإدراك، وطرق التحديد، ووسائل المحاججة، وأدوات المجادلة. وإلى جانبها تختلف الأسئلة التي نستجلي بها الحقيقة. ففرق بين أن نتساءل عن ماهية المعلوم في المجهول، وبين أن نتساءل عن مدى المجهول في المعلوم. لأن إدراك الماهية للتحديد الذهني، وبذلك نعرف العلم النافع، والضار، وأما إدراك المدى في النظر البعيد، فهو الذي نرى به العلم ساريا، والجهل طارئا، فنبحث عن العلم بلا نهاية للطلب، ما دمنا لن نصل إلى أصل المدى.
إن الانتقال من مرتبة إلى مرتبة في التحديد للمعاني، هو الذي سيوضح لكل واحد سبيله في إقامة الدليل على قوله. إذ لا نطيق أن نرسخ الرأي في لحظات التشويش، والبلبة، والفتنة، ولا أن نأتي بجديد يجمل وجه العلم، ويزين صدر الطريق للإنسان. وإلا، فإننا لن نتعارف، ولن نتآلف، ما دمنا نجهل قوانين الحوار حول المحدود في الذوات، ونكره أن يكون لغيرنا رأي كما هو لنا في الردود. ومن هنا، لا بد من تجديد المنطلق بتحديد السؤال عن المحدود، وترتيب المباني بما تقتضيه الدلالة في المعاني، لئلا نحيد عن دائرة الكمال في الحوار، والنقاش، وإلا، تولد منا نراع يسوقه كره، وعداء، وإذ ذاك سنحترق في هذا العالم بالحروب، والفتن، والأمراض، والأوبئة.
وهكذا، فإن الأمل قوي في أن يقال: ما الذي تريد بكونه صفة في الذات، أو صفة للذات.؟ وماذا تعني بأن تمام العلم في الذوق، لكونه كسب الباطن.؟ وبم تفسر قولك بأننا إذا قلنا: هو صفة، فإنها لا تتأتى إلا بوجود الخارج.؟ أشياء كثيرة وقع فيها الاختلاف، لكون التحديد لم يراع مقياسه في ضبط الألفاظ، ورص المعاني. فلو تمعنا قليلا في كثير من موارد اختلافنا، لأدركنا خطأنا في كثير من أوهام صراعاتنا. لأن الألفاظ التي تستعر بها الذات، هي التي تحرك حركتها نحو الإثبات، والنفي، وما دمنا لم نهذب الباطن، والظاهر، فإننا سنعيش على فوهة بركان، وسنحيي في هذا الكوكب على بساط رداءة الأقوال، والأفعال. ومن هنا، فإن العلم، لو لم يكن ذاتيا، أي جزءا من الماهية، وما عبر به عنه، فهو الاستدلال عنه في مقام الظاهر، فإنه سيكون خارجا عن الذات، وقابلا للمتناهي الذي ارتبط به المعلوم في المجهول لنا. وإذا صار الانفصال برزخا يفصل بين الذات، والعلم، وبين العلم، والواقع، غدا مسمى العلم بلا معنى، ولا قيمة، لأنه سيتحول إلى شيء مكسوب للإنسان بطرق من الطرق التي تجعل بعض معلومه أصلا في الرأي، والموقف. وسواء في ذلك ما كسبه لتقوية الذات، أو ما جمعه لتحسين الكيان الجسمي الذي تعتريه نظم الطبيعة بالبقاء، والفناء. وهنا سيتحول العلم إلى صناعة، وإذا تحول إليها، رؤي فيه ما يؤدي إليه من غاية، ولو تنافى مقتضاها مع ما تريده الإرادة الأزلية في الخلق طرا. وربما كانت قبل حدوث أدوار خفيت عنا، ولو أردنا تتبعها، فإننا سننتقل من طور إلى طور في أطوار التطور البشري فوق هذا الكوكب الجميل. وذلك مرده إلى دراسات أخرى، تستغني عن القول بارتباط الإنسان بعالمه الروحي، لا بعالمه المادي الذي هو سبب هلاكه، وفنائه.