ترامب وخطاب الكراهية ضد المسلمين

جعفر المظفر
2016 / 10 / 31

ترامب وخطاب الكراهية ضد المسلمين
جعفر المظفر
يوم نتكلم نحن عن الإسلامويين وعن التطرف في الإسلام ومدارسه الفقهية وعن جذور الإرهاب في فكرنا الإسلامي ترانا نتحدث بدون توقف فلا الأوراق تكفينا ولا الفضائيات تسعنا, ولكن حينما يتحدث أوروبي أو أمريكي بنصف ما نتحدث به ترانا نهاجمه فورا ونتهمه بمعاداة الإسلام وبكونه ليس أكثر من عنصري حاقد وحتى صهيوني متمرس في التآمر ضدنا, فهل نحن نمارس الآن نفس الإزدواجية, أم أن موقفنا السلبي يمكن تصريفه كموقف توجسي طبيعي إزاء الحق الذي يراد به باطل.
يرى البعض أن مواقف ترامب توسع دائرة الكراهية ضد المسلمين بشكل عام وتبلورها بإتجاهات عنصرية, وهذا الموقف لا ينطلق من نزعة دفاع ذاتي عن النفس بل عن فكر إنساني مضاد للعنصرية بشكل عام وغير متحرك بمساحته الدينية, فكما نحن ضد الثقافة المعادية للمسلمين فنحن ضدها أيضا حينما تكون موجهة لأقوام الديانات الأخرى, ومأخذنا عليه لا يتأسس على وجود تناقض جوهري بين ما يقوله عن الإرهاب الإسلامي عن ذلك الذي نردده, بل لعل في مقدوره أن يعرض علينا بسهولة آلاف المقالات والخطابات والإفلام التي صنعناها نحن ضد الإسلام التكفيري وبلغة تفوق حدة لغته باضعاف ليقول لنا من فمكم أدينكم, وبما أنكم لا تدخرون وسعا في محاربة الإرهابيين على أراضيكم وقتلهم وإفنائهم, فلماذا تقفون ضد حقنا في إتخاذ الإجراءات الإحترازية الكفيلة بمنع دخولهم إلى أراضينا.
إن ما يخيفنا هو الإنفلات العنصري الذي سيطلق سراحه ضمن خطاب لا يخلو من العنصرية. لكن دعونا نتفحص بدون تعصب قومي أو ديني ما يقوله عن الإسلام والإسلامويين ولنسأل أنفسنا بعد ذلك بماذا يختلف معنا ترامب وما هي نقاط الإختلاف بيننا نحن الذين نعترف وندين بشدة فقه الإرهاب والتطرف الإسلامي وبين الأوروبيين الذين ربما هم أقل حدة في طريقة الهجوم.
ونحن لا نتحدث هنا عن النوايا بل عن الموقف من لغة الخطاب المعادية أو المتعاطفة.
قبل ذلك لا اظن أننا نختلف حول حقيقة التوظيف السياسي لكلا الخطابين, فالذي معنا (بإفتراض انها كلينتون) وكذلك الذي ضدنا (بإفتراض أنه ترامب), يسعى كل منهما لتحقيق مصالحه أكثر من سعيه للوصول إلى هدف لحسابنا او على حسابنا. والواقع ان كثيرا من المسلمين في امريكا يعتقدون أن إنحيازهم لهيلاري كلينتون على حساب دونالد ترامب هو كالهزيمة من النار إلى الرمضاء, لأن الأولى كانت وراء الكثير من المشاكل المدمرة في مناطقهم الأصلية بداية من فوضى العراق المدمرة وليس إنتهاء ب (الربيع) العربي. ولا يلام البعض حينما يؤكد على أن مواقف ترامب بشأن الإسلام السياسي والإرهاب هي أقل نفاقا ورياء من مواقف كلينتون.
في الحملة الإنتخابية الأمريكية إرتقى الموقف من المسلمين لكي يحتل مكانا متقدما من الخطاب الإنتخابي. ما لمسناه أن جميع المسلمين في أمريكا باتوا يعارضون المرشح الجمهوري ترامب ويساندون كلينتون, وسوف يكون من الغرابة أن يحصل ترامب على صوت مسلم واحد. في المقابل ستحصل كلينتون على كل اصوات المسلمين.
لا شك أن ترامب يتحمل نصيبه من المسؤولية, فهو على الأقل, فيما يخص القضايا الإجرائية التي إقترحها لمنع دخول المسلمين المهاجرين من دول الصراع في الشرق المسلم, لم يكن موفقا على مستوى صياغة خطابه, لكن معرفة أن نسبة المسلمين الذين تحق لهم المشاركة في الإنتخابات لا تتجاوز الواحد أو الإثنين بالمائة سوف تعفينا من التفكير بأن مجموعة كلينتون الديمقراطية إنما تقف ضد إطروحات ترامب من موقع الطمع بصوت الناخب المسلم, ويعني ذلك أن الطرفين ليسا معنيين كثيرا بمخاطبة الطرف المسلم في امريكا وإنما هما مهتمان بتشغيل قضية الإسلام لمخاطبة الناخب الأمريكي نفسه, لكن الأمر سيختلف بالحتم حينما نتحدث عن الأقليات الأخرى مثل الهسبانيك والأقلية الصفراء التي تضم الصينيين والكوريين في المقام الأول, والموقف من قضية المقيمين بشكل غير شرعي الذين سينال تهجيرهم من مصالح الكثير من الأمريكين أنفسهم لأن هؤلاء باتوا يشكلون (بروليتاريا) المجتمع الأمريكي الذين يستلمون أقل الأسعار في مقابل أعمال مضنية لا يتحمل الآخرون القيام بها.
فالمسلمون لم يشكلوا بعد صوتا إنتخابيا قادرا على جذب الإنتباه. إن ما يجب ان يهتموا به في حقيقة الأمر هو كيف يؤكدون للمجتمع الأمريكي هويتهم كأمريكين في المقام الأول بالرغم من تمسكهم بهويتهم الدينية وحبهم لبلدانهم التي هاجروا منها.
إن قدرة المواطن الأمريكي المسلم المنحدر من أصول غير أمريكية أو أوربية على تقديم نفسه بشكل يوفق بين مصلحة البلدين بما يتفق مع المفاهيم الإنسانية المتحضرة سوف تساهم بعض الشئ بتغيير الصورة النمطية التي باتت ترسمها الدوائر العنصرية المعادية, أو فلنقل أنها ستخفف منها ولو قليلا. وفي كل الأحوال فإن على مواطن كهذا أن لا يجلس مستريحا بإنتظار الدفاع عنه بالنيابة, لكن عليه في نفس الوقت أن لا يظن بأن الطبقة الأمريكية المتنفذة ستتبنى قضيته حبا به أو عطفا عليه أو حتى حفاظا على روح الدستور الأمريكي الذي يمنع التعامل مع مواطنيه على اساس عرقي أو ديني, وإنما عليه أن أن يستوعب ان ذلك يحدث بسبب طبيعة المتغيرات العالمية التي تترك تأثيراتها على السياسة الأمريكية وعلى الخطاب الثقافي والإجتماعي الذي يفرز تلك السياسة أو يدعمها أو يناهضها, فإذا تغيرت المعطيات فستتغير هذه السياسة. فالدولة الأمريكية, على مستوى هيئاتها المتحكمة هي مؤسسة مناط بها إدارة مصالح الطبقات الغنية ضمن مفهوم الأمة المتماسكة الذي يفرض عليها بالمقابل إدارة مصالحها الداخلية بشكل يكفل التوازنات الضرورية لإستمرار كيان هذه الأمة.