لمحة عن العلمانية

حسن الزهراوي
2016 / 10 / 31

محاور المقالة؛
1) العلمانية نحو تحديد المفهوم والسياق
2) العلمانية ليست ضد الدين
3) حاجة الدول العربية للعلمانية لانهاء الصراع
4) العلمانية ليست في صالح التيارات المحافظة والانظمة الاستبدادية
يعتبر مفهوم العلمانية من بين المفاهيم الأكثر إثارة للجدل واللّغط، لما تحتمله من تأويلات وقراءات ومقاربات تكون مغرضة، وملتبسة أحيانا بقصد التشويه والإساءة بعيدا عن نقاش علمي هادئ، سنحاول في هذه المقالة تَسْيِيق هذا المفهوم؛ أي وضعه في سياقه التاريخي، ذلك أن العلمانية هي وليدة للتجربة التاريخية الغربية، ولا يمكن فهمُها إلا انطلاقا من هذه السيرورة، وكما عرفها ونظّر لها أصحابها، وسينتظمُ حديثنا في هذه السطور مع مستويات وأبعاد العلمانية الثلاث ؛ الفلسفية والاجتماعية والسياسية وإن بصورة مقتضبة، حتى لا نطيل على القارئ الكريم، لنجيب بعد ذلك عن سؤال ؛ لماذا ترفض التيّارات المحافظة، والأنظمة الاستبدادية العلمانية ؟ وهل العلمانية ضد الدين ؟ وهل فعلا نحن اليوم في العالم الاسلامي بحاجة للاطار العلماني، لفكّ النزاع والاشتباك الدموي بين الإخوة الأعداء بمختلِف تعبيراتها وتياراتها ومذاهبها وأطيافها الدينية المتعدّدة ؟
العلمانية نحو تحديد المفهوم والسياق:
العلمانيةُ تجوزُ بكسْر العين وفتحه، بالكسرة نسبة إلى "العِلم" ذلك أن ارتباط الحركات والاكتشافات العلمية بالعلمنة كان ارتباطا جدليّا قائمًا لا سبيل إلى إنكاره أو القفزِ عليه بسهولة، ولا يمكن أن نتصوّر وجود علاقة مفكوكة بين الاكتشافاتِ المعرفيةِ والثوراتِ العلميةِ المَفْصَليّة في التاريخ العقلي للحضارة الانسانية؛ بدءًا "بالثورة الكوبيرنيكية" و"ثورة كاليليو كاليلي" وبين العَلْمَنة كتوجه فلسفي وامتدادا جتماعي بدأت تشقّ طريقها في أوربا الوسيطيّة بكل ثبات، ولم يكن لأروبا أن تصل إلى التنوير والتّحديث و"الدمقرطة" وتأسيسِ الدّولة المدنية لولا العلمانية، وتمرّد العقل الأوربي على الكَهنوت الكنَسي القورسطوي، وخَلْخلة الخرافات، وتفكيك المقولات الأرسطية التي كانت تروّجها الكنيسة، التي كانت تحجِّرُ على العقل و تكبل الفكر، وتستغل الدين، لحدّ الغلو في قمع الحريات بممارسة حق الوصاية والمغفرة "صكوك الغفران"، بتطور العلم وإعادة فهم الكونِ والعالم على ضوء معطيات وأبحاث فيزيائية نظرية جديدة، بدأ دور الكنيسة يتقزم شيئا فشيئا، ويزداد انكماشا وتراجعا، إلى أن أزيح البساط من تحتها، ولذلك كان ردّ فعل الأخيرة قاسيا وعنيفا فأعدمت عددا من العلماء الذين عرّوا وفضحوا أباطيلها، وكسروا أساطيرها بمطرقة الشك، وظهرت أصوات تنادي بتجاوز القراءة الكنسية للكتاب المقدس مع حركات الإصلاح وترجم لأول مرة، ولدينا حقيقة ما يشبه هذه الوصاية التيوقراطية في التاريخ الاسلامي ( دولة الخلافة وما فعل بالمفكرين والأدباء ورجال الدين / التنكيل بالعقل الإسلامي ولعل جردا أمينا لأسماء الأعلام يكشف هذه المحنة وهذا البؤس الذي تعرّض له رجال الفكر، ولاسيما الذين كانوا يشتغلون في الأنساق العلمية الطبيعية والعلوم الدقيقة، واحرقت كثير من التصانيفِ والكتبِ التي لم تكن تخدمُ الأجندات السيّاسية والخيارات الايديولوجية لمؤسّسة الخلافة وباسم الخلافات المذهبية (محنة ابن رشد أحمد ابن حنبل ابن سينا ، السهروردي، الحلاج ، ابن حزم الظاهري ..) وتهمة الزندقة تماما كما فعلت الكنيسة حينما وظفت لأول مرة مصطلح "الهرطقة" لتسفيه المخالفين لطروحاتها الباباوية، وفي التراث الإسلامي أيضا وجدنا من استغل التفويض الإلهي ليستبدّ سياسيا ويفعل في الرعية ما يشاء لأن الاستبداد أنذاك صار قضاء وقدرا، فالخلافات والنزاعات المذهبية هو الذي جعل اروبا تنتفض وتنتصر للعلمانية وهو الأمر الذي عانيانا منه نحن أيضا ـ ماضيا وحاضرا ـ من تاريخنا الإسلامي المثقل بالخلافات والصراعات والتطاحن المذهبي. ( ينظر خالد كبير علال المفكر الجزائري "التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي" لمن أراد أن يتوسع في الموضوع".
والعلمانية بالفتح أيضا نسبة إلى "العالَم" أي تدبير ما هو أرضي بما هو أرضي، وذلك بالاعتماد على العقل وآلياته الاستدلالية القياسية وقواعده المنطقية، دونما حاجة إلى رأي "البابوات" وكهنة المعبد القديم، أو سلطة ميتافيزيقية مفارقة للأرض، وهناك من يرى في قول النبي الاكرم (أنتم ادرى بشؤون دنياكم) في واقعة تأبير النخل المشهورة بعد الهجرة إلي المدينة، نصّا تأسيسيا مبكرا في الفصل المؤسساتي كمبدأ من مبادي العلمانية للدولة المدنية الحديثة، فالزراعة لها خبراؤها ومتخصصوها ومنطقها وبذلك ينبغي أن تبقى بعيدا عن تدخل السماء والوحي بعبارة الامام الشعراوي وهو يعلّق على واقعة التأبير هذه، وقس على ذلك شؤون الاقتصاد والإدارة والحكم والصناعة ومشكلاتها. إن بحثا أركيولوجيا بتعبير ميشيل فوكو في جذورنا الثقافية والتاريخية والأنثروبولوجية يؤكد مسألة ذي بال وهي كون أننا لدينا من العناصر والمعطيات ما يفيد ويؤشّر بما يكفي للتدليل على أن الفصل بين الشؤون الاقتصادية والسياسية وما هو روحي بدأ عندنا بشكل مبكر، كما دعا مجموعة من مفكري الإسلام منذ القرون الهجرية الأولى كابن سينا وابن رشد وعلماء الطبيعيات والفرابي والخوارزمي إلى أن الشؤون السياسية ينبغي أن تساس بمنطق العقل، وتدبر خارج اطار الدين. (السياسة العقلية) .
العلمانية ليست ضد الدين :
العلمانية لا تعني الالحاد وتسفيه الأديان، ولا تقف ضد الدين والمؤمنين اطلاقا كما تروج التيارات النكوصية الارتدادية لحسم المعركة لصالحها، بل إن "حقّ التديّن" يعتبر من الحقوق المكفولة في الدّول العلمانية، بدليل أن في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها ما يزيد عن 200 جماعة تنشر الاسلام الوهابي العنيف دون أن تمنع من نشاطها الدعوي، ومن نشر أفكار الرفض والتطرف، وقس على ذلك باقي الدول الأوروبية الأخرى التي تتبنى العلمانية كنهج سياسي وخيار اجتماعي، بحيث يمارس المسلمون وغير المسلمين الذين يدينون بديانات أخرى شعائرهم وطقوسهم الدينية بكل حرية، وما عدد المساجد اليوم التي يسمح بتدشينها في أوربا التي يفوق مساحتها مساحة الكثير من الكنائس والكاتدرائيات عنّا ببعيد، وتمارس الشعائر الدينية بكل حرية كحق مكفول يضمنه القانون، بل من الواجب على الدولة أن تتدخل لحماية الموحِّد والملحد وتساوي بينهم. كما أن الكنائس والأديرة في أوربا العلمانية تزدهر، ومن حق المؤمنين والمؤمنات أن يؤدوا واجباتهم الروحية، ولم تكن العلمانية ضد الدين ولكنها كانت دائما ضد توظيف الدين في السياسة، وهذا ما يزعج التيارات المحافظة عندنا في بلداننا. إن العلمانية هي بنت التجربة والبيئة الرأسمالية وليست وليدة الاشتراكية التي عرف عنها عداؤنا للدين. ولذلك القول بان العلمانية جاءت لمناهضة الأديان كلام لا تاريخي، اللهم إلا استثنينا فرنسا التي تتبنى نموذجا متطرفا في العلمانية.
إن النّسق العلماني هو النسقُ الوحيدُ في العالم الذي يضمن للنّاسِ أن يعيشوا تحت سقف واحد، (المستوى الاجتماعي للعلمانية ) وينسجموا داخل الاختلاف، ويقبل بعضهم البعض رغم تعددهم في اطار التعدد في الوحدة والوحدة في إطار التعدد، دون أن يقتتلوا فيما بينهم، بصرف النظر عن الجنس والعرق واللون واللغة والدين ..، إنه الاطار و"الباراديكم" الذي تذاب وتفتّت فيه كل هذه الفوارق والتمايزات والاختلافات التي تفرضها السّجيةُ البشريةُ من حيث المبدأُ، لأن طبيعة العلاقة التي تربط المواطن بالدولة العلمانية المدنية الحديثة هي "علاقة المواطنة" "كفكرة أنوارية حداثية" التي تتأسّسُ على عقد اجتماعي، كما أرساه جان جاك روسو، وليس على أساس الدين أو اعتبارات أخرى، دون أن تلجأ الدولة إلى فرض نمط من التديّن أو عقيدة معينة بشكل الزامي وهذا هو جوهر وروح الدين القائم على الاختيار، وحرية العقيدة دون الزام المواطن على دين معين؛ وفي التنزيل العزيز " لا إكراه في الدين" وفي موضع آخر "وما أنت عليهم بجبار " أي أنك لا تجبرهم على الايمان، وهذا إقرار قرآني بمبدأ الحرية في الاختيار في العقيدة.
الحاجة إلى العلمانية كضرورة مجتمعية لإنهاء الصراع:
إن ما تعرفه الدول العربية والاسلامية من تطيّف وصراعات وحروب طائفية بغيضة حاضرا وما عرفته ماضيا في سياقات تاريخية مختلفة، يثبت شيئا واحدا وهو حاجتنا الماسة إلى العلمانية، لضمان العيش المشترك وتدبير الاختلاف بيننا وبين الآخر المختلف الديني دونما إراقة وديان ومستنقعات من الدماء، باسم المعبد والرب التي أصبحنا نتفرج عليها صباح مساء، حتى تحول المجتمع الاسلامي الى أضحوكة بين الشعوب والأمم. نحن في مسيس الحاجة إلى العلمانية لفك الاشتباك بين السني والشيعي، و لإنهاء الصراع بين أهل المذاهب السنية ذاتها، وبين الدرزي والعلوي والصوفي والبهائي والمسيحي والكردي والعربي والأمازيغي..الخ ثم ما معنى أن تقمع الدولة الايرانية الأقلية السنية كونها دولة دينية ؟ ألا يضطهد الشيعة ويمنعوا حتى من التصريح والجهر بهويتهم الدينية في البلدان ذات الأغلبية السنية مخافة الاعتقال أو الاضطهاد ؟ ألا تشن حروب على اليمن السعيد باسم المذهب والطائفية؟ ألا يعتبر محور الصراع في الشرق الأوسط صراعا مذهبيا بنكهة أجنبية؟ ألا توظف مجموعة من الأنظمة العربية الدين لاضفاء الشرعية والمشروعية عليها، وتكريس الاستبداد إن ذلك كله أمر مرفوض لو احتكمنا إلى المنطق العلماني الذي يساوي بين جميع المواطنين ويرفض الاقتتال بينهم باسم الطائفة أو المذهب .
العلمانية ليست في صالح الاستبداد والتيارات المحافظة:
إن العلمنة ليست في صالح التيارات المحافظة الرجعية (الإسلام السياسي) لأن مشروعها الذي تحمل وتتبنى يقوم أساسا على الاشتغال بالدين وتوظيف "المقدس" في "الماتش السياسي" في حين أن المقدس ينبغي أن يظل طاهرا نظيفا في روحانيته وسموه، بعيدا عن كل النزوعات والتوظيفات التي من شأنها أن تدنس طهرانيته، وليست العلمانية في صالح الأنسقة السياسية الاستبدادية الشمولية لأن الاطار العلماني مرتبط بالدمقرطة بالضرورة، أي لا يمكن لك أن تكون ديموقراطيا بالفهم الصحيح للديموقراطية الا إذا كنت علمانيا، وتتبنى الفصل الحقيقي للسلط، وتحترم الأقليات الدينية والثقافية واللغوية، وبالتالي لا نستغرب اذا حاولت التيارات المحافظة جاهدة وبكل ما أوتيت من سبل تشويه مفهوم العلمانية في أذهان الناس والصاقه بالإلحاد والانحلال الخلقي، وازدراء الأديان ومهاجمتها الشيء لكسب مزيد من التعاطف والشرعية الشيء الذي يؤكد ضرورة تصحيح هذه المفاهيم وما لصق بها من ترسبات قيمية، وشوائب مشوهة، وتمثلات مغلوطة، في أوساط سوسيوثقافية تحركها وتهيجها العواطف أكثر مما تستمع وتستجيب لصوت العقل.