المُتنطِّعُون: في إرهاب اللغة

سامي عبد العال
2016 / 10 / 30

من يُعطِّكَ حبْلاً، ضَّعه(لفه) حول رقبتهِ. وفي الأمثال الشعبية" من ذقنهِ وافتلّه" كاستراتيجية لكشف تناقضات المتحدث( الكاتب/ الخطاب) ونقض مبرراته وإظهار زيفها. هكذا فإنَّ أعمق ما يفكِّك التفكير الإرهابي تبيان: كم هو يدمر الدين قبل أي شيء آخر. ذلك يجري تنكيساً لكاملِ البناء الايديولوجي وخلخلة أركانه. إنها الحركة السالبة المتاحة للرصد مع عنف الخطابات المتداولة. فإذا ما تتبعناها كانت كفيلة بشق دروبٍ جديدة للفهم والاختلاف. وبالتالي: هل ثمة إشكالية فكريةٌ حول الكلام الديني المتنطع، أي المفرط والمتقعر والمتشدد؟
هذا العمل الناقض داخل الخطاب يشبه عمل الفيروس. إذ لا يهاجم أبداً الخلايا من الخارج. إنَّه يسكن تكوينها ناخراً عبر بنيتها الأساسية حيث ينتشر ويقوى. فيعيد توزيع أدواره للاختراق والتجاوز. عندئذ الفيروس يصمم وجوده الطفيلي في جسم الإنسان. يغتذي على موارد الخلية المستهدفة. أي أنه يلتصق بآليات عملها مبرمجاً إياها وفقاً لوظائفه الجديدة.
بالنتيجة يجب تناول الاتجاهات الارهابية باستراتيجية التَّحلُّل الداخلي. أي: أقتل نفسك بنفسك...أو دعه ينتحر بسيفه(كيدهم في نحورهم). على ألاَّ يتم ذلك بخبط عشواء ولا بمجرد استنكار من قراءة أو تأويل. فالاعتقاد الديني دون غيره يتصلب- إلى درجة الاستحالة- في مواجهة أي هجوم خارجي. وهو أشبه بالقنفذ التي يدخل لحمه الحي داخل أشواكه ليدمي أي عدو مفترس. لأنَّ المضاد البيولوجي anti- biological للاتجاهات الدينية العنيفة ليس العلمانية، بل لو أثبتنا رجع الأثر السالب لرؤاها كان ذلك قميناً بإضعافها وغربلة ذُراها.
في هذا السياق: من هم المتنطعون دينياً؟ جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. قَالَهَا ثَلَاثًا ) رواه مسلم. هنا لدينا فرصة ثمينة: كلام ديني عبارة عن "حديث نبوي" يقر بعدة أشياء حول خطاباته. وبواسطتها يصح التساؤل: كيف يعارض الدينُ نمطاً معيناً من العنف على ذاته؟! ولماذا يتهدد الدين من أقرب الخطابات إليه؟ وهل بالإمكان التبرؤ من طابع التدين باسم الدين؟ بكلمات أخرى: هل يسقط الدين متحدثاً عنه وفيه؟
إنَّ هذا تظهر نقطة تقوم على مفارقة مهمة. وهي أنَّ الاعتقادات الدينية تحمل نقائضها على الدوام لدرجة الاختلال. حتى وإن كانت في خدمة أهداف علياً بالضرورة. وأنَّ تلك الاعتقادات عندما تصاغ تكتسب احتمالات تأثيرها بمآرب منحرفة وذات طابع افراطي ومغالٍ فيه.
هل سيواجه الدين وجوده السالب(أي الوجه الآخر له)؟ ينطلق هذا الحديث النبوي كأنَّه مرآة في محيط اللغة الدينية. فثمة كلام يعتبر كلاماً في الكلام. أي ماهية الأساس باصطلاح مارتن هيدجر. فإذا قلنا إن الدين اعتقادات وإيمان وأفكار متعالية فتلك الذخيرة اللغوية تأخذ في كشف مسيرتها. أي تقدم جرداً نقدياً أساسه التباين لما يمكن أن يحصل في مضمونها. وبذلك يمكننا القول : وشهد شاهد من أهلها. وبالتماثل على نفسها جنت براقش.
وعليه يتأتى خطر العنف من ألصق الأشياء بالدين، التدين، التجربة الدينية، التعامل مع المقدس، القوى العليا. إنها تمارس انقلاباً على ذاتها لا شيء آخر. فكلام الحديث ينتمي إلى "خطاب الخطاب الأصلي" على طريقة نقد النقد. وأنه لن يوجد هناك أي كلام محصن دون ملاحقة تساؤلية لا تبقي ولا تذر.
ليس ذلك الأفق إيماناً بديلاً بقدر ما سيفعل فعله داخل الأنساق الدينية. فكل نسق من هذا القبل يُبنى على لحظات لا واعية خاطفة إزاء التلقي. بالتالي تحمل فوقها موارد الخطاب إلى أقصى نقطة ممكنة. لأنها لحظات تسرق الفهم والتحقق من المعنى المقصود. وإذا تمكنا من الوقوف على تلك المداراة – المظلمة – سيكون ثمة خيط لنقض الثوب البراق. ولهذا فإن الشكل العنيف للطرح الارهابي لهو أقرب الأشكال التي تصب فيها الكلمات وتقولب المعاني.
1- يتكلم الحديث المذكور بسلطة الدين لنهاية هؤلاء المتنطعين. وليست النهاية في الحقيقة استبعاداً لكنه هلاك لكيانهم المادي والمعنوي. لقد قالها الكلام( ثلاثاً) بصورة قاطعة على لسان النبي. ولنا أن نتخيل كم من المرات قيلت طوال تاريخ القراءة للنصوص الدينية. أتصور أنها إهلاك مستمر دوماً. لأنَّ اللغة تنطوي على إمكانية الإعادة والصياغة إلى دون نهاية.
2- الهلاك فعل ذاتي. أي أنهم(المتنطعون) حكموا على أنفسهم بالموت المؤكد. وبالتالي خطابهم خطاب موت كامن في كلامهم.
3- بذلك يعتبر هناك تنطع، انحراف في عمل الدين مع أتباعه. إذن كما تنمو دلالة النصوص المقدسة في جوانب مبتغاة. كذلك تنمو في الجانب النقيض والعنيف. ولا يعد النمو النقيض طارئاً لكنه من صلت التدين. لأن إيماناً بالمعاني في اتجاه واحد إنما يتزيد رامياً نحو الافراط فيما اكتسبه.
4- التشدد الديني يمارس اكراها على كيان الدين ذاته وعلى الآخرين. ويبدو ذلك واضحاً من تكرار الهلاك بلا أفق. ويقف وراءه التأكيد على أثر التنطع على أصحابه. وحتى لا يحسبه المتلقي من طبيعة الدين على الدين أن يلفظه.
5- المسألة تعني النبي كصاحب رسالة. وعليه سيكون هلاكهم اعترافاً بخطيئة مواقفهم. لأن الموت ولو كان معنوياً فإنما يصفي الوجود البارز لظاهرة التنطع. كما أنه تحقير لتلك المواقف. لأنها ربما لا تستطيع العودة ثانية بقدر ما تترك أضراراً لا براء منها.
6- ايراد الفعل هلك بصيغة الماضي يعني أن الحكم المتضمن فيه حكماً باتاً ونافذا ولا رجعة فيه. ويبدو الزمن مهماً بمقاييس دنيوية وأخروية على السواء. لأن الهلاك يتعدى إلى الإهلاء من الخارج هذه المرة. فالخطاب الديني الذي يمارس موتاً يحتاج إلى نقض.
7- التنطع لصيق بالخطابات الدينية. أي أنَّها بهذا الوصف صيغ لغوية تحت تهديد الانحراف والتشدد الدائمين. وكأن الكلام يدلل على معالم التطرف استناداً إلى المقدس.
8- المتنطعون ملعونون فوق هلاكهم. فمنطق الحديث أنهم يسيئون فهم الكلام والفعل. كما أنهم قد اتخذوا رؤى حدية من الحياة والمجتمع.
9- يحمل الكلام تحذيراً من التنطع. ويقر بأنه سيموت لا محالة. لأن مستقبله مرهون بعدم فهم مقاصد الدين. كما أنا ما لم يأت بخطورة أكبر على الايمان إجمالاً ما كان ليترصده الرسول بالإهلاك.
10- التنطع في الدين يعني أن بنية التشدد سلطة ما. والسلطة قابلة للاستنساخ لمجرد أن يعلن المتنطعون قدرتهم على ممارسة الخطاب.
11- التنطع يسبب تمزقاً داخلياً للخطاب الديني. فعلى الرغم من كونَّه سلبياً إلاَّ أنَّه يطرح معياراً ما. ويدفع المتلقي لاعتباره انتهاكاً غير مبرر. ويصبح طوال الوقت عرضة للنقد.
إذن السؤال القريب: ما خطورة هذا التنطع؟ الخطورة تأتي من أنه في صلب الدين. أي لا يذهب بعيداً بقدر ما يعرِّض ما يدافع عنه للانهيار كما قلنا. وربما اللغة العربية- عن قصد- لم تمس هذه القضية بحقيقتها. وتعاملت مع التنطع كسلوك انحرافي خارج سياسات الدين. لأن المعجم اللغوي لدينا لا يخرج بجذوره الثقافية والاعتقادية إلا نادراً. وكأن اللغة العربية تتواطأ للحفاظ على صورة الدين بمبررات عدم المساس بثوابت الأمة. فاللغة هنا أكبر مصفاة ثقافية للدفاع الضمني عن الدين السياسي الثقافي.
ولهذا فإن اللغة جدار صلب يحتاج إلى حفر تحت جذوره العميقة. فأول مقابل للتنطع حينما يطلق على إلصاق الطعام في أعلى الفم. فيقال تنطع الرجل، جعل طعامه عالقاً في الغار الأعلى من فمه، حيث موقع اللسان من الحنك. ربما كانت الإشارة مواربة خلف المعنى حينما ينصرف إلى حاجة بيولوجية مباشرة. وربما يندفع المعجم بحيلة ثقافية إلى درجة الإلهاء لمعاني بعينها خوفاً من انزلاقها في طريق المحظور. وبخاصة أن لدينا خطاب مغاير قائم على الحديث النبوي السابق. والمضمون المقصود هنا أنَّ كل شيء مباح في السياق الديني العام طالما لا يضعف قبضته الحاكمة. فلنتلهى بمعان وإيماءات هامشية. حيث يمكن أن تأخذ القارئ نحو أهداف أخرى غير الكشف والتعرية.
لكن لأنَّ الهامشي يستدعي المتن بالضرورة. فالدرجة الثانية لمعاني التنطع هو التقّعُر والتفصُح. فهناك الرابط السري بين اللسان في المعنى الوارد بالأعلى(تناول الطعام) ودرجات التقعر الخطابي. وهو يتم عن طريق اللسان كذلك. لعلنا نلاحظ هذه السمة التي تميز الخطاب الديني بالتحديد بجميع أطياف التقعر البارزة. وليس ذلك تعليقاً لشيء بقدر ما يعلِّق المتلقي في سقف الطيش اللغوي. لأن التقعر والتحذلق البلاغي يعمي المستمع. ويصم أذنيه عن التأمل الحر. وللتأكيد فإنه يربط التفكير بالتشدد في نحت الألفاظ ولي عنق الكلمات. واختيار العبارات الغريبة للإيهام أنَّه يقول شيئاً مهماً. وطبعاً يبدو سمة عامة تكاد تشترك في جميع الخطابات الدينية والأيديولوجية. فالالتواء في الإلقاء والنطق والطرح بات مضموناً للخطاب الديني.
وليس بعض التنطع هذا وحسب بل شمل قراءة النص الأولِّ في الإسلام(القرآن). فالشيوخ يتفننون في القراءة الشفاهية المتقعرة. وذلك مدعوم بأحكام التلاوة والتجويد على ذات المنوال. وليت التلاوة الصوتية تزيد المستمع فهماً وتدبراً، إنما يقصد منها إيقاع الرهبة فقط. كما أن تأكيد القارئ على ألفاظ العذاب والجنة والنار قد حول الكلام من سياق الاعتقاد إلى ممارسة خطابية. أي يضاف بالتكملة إلى النص المقروء. بل يمارس وجوداً بديلاً للنص الأصلي ويحل محله. لأن مغالاة الشفاهية المتقعرة تملأ المساحة المضروبة بسلطة اللغة على إفراط المعنى المقصود ودرجاته الغائبة أيضاً. فجهنم الواردة في القرآن( مع القراءة الصوتية) ليست كلمة لكنها حادثة في صورة حية. وكأن القارئ يريد إدخال المتلقي إليها عنوة.
حيث يقصد الصوت الشفاهي إلى تكريس الحضور المقوى للمعني. فلا يعرف المستمع فارقاً بين الحالة الشعورية للصوت وبين الواقع. وفي تلك اللحظة لا يستطيع أن يستفيق إلاَّ وقد خضع تماماً. إنها سلطة الإمعان في الاستحواذ على التنوع بمبررات التماثل. وإذا تأملنا سرادقات قراءة القرآن سنراها عزلاً شعورياً وتضخيما للمعاني بموجب الاستماع.
والتنطع في العمل يشير إلى المبالغة فيه. والخطاب الديني يستأثر بالمبالغة في وصف العصر الذهبي والأئمة وأمراء وشيوخ الإسلام. حتى يقال إن هذا العالم أو ذاك كالغزالي مثلاً حجة الإسلام. هل يوجد دين له حجة متمثلة في شخص؟ أي أن قدرة الدين على محاججة الآخرين لا يتم إلاَّ بواسطة شيخ أيا كان. إنَّ أكبر تنطع يأتي من تلك الزاوية... فهناك ألفاظ التأله المنسوبة إلى أئمة الفرق والمذاهب. حتى ليظن القارئ أنّه لا إسلام بلا شيوخ. وهو كذا في الفقه والفتوى والخطابة. لكن ذلك يتيح مساحة كبيرة لهؤلاء لتحريف الدين ذاته والتلاعب به. فالدين الاسلامي –بحكم اهتمامه بالتوحيد- لا يرتبط بأشخاص حتى وإن أسهموا اسهاماً بارزاً.
ثم كان التنطع في الشهوات... أي التأنق فيها والتشبع بها. وهذا المضمون يلتقي مع التنطع في الطعام. من حيث كونهما يتعاملا مادياً مع الغرائز. وبالرغم من بعد المعنيين لغوياً إلاَّ أنهما يوضحان التنطع الديني بشكل أو بآخر. لأنَّ التنطع يمثل شهوة الهيمنة. وليست الشهوة هنا بسيطة التركيب وفق آليات ثقافية وسياسية واجتماعية فقط، إنما ترتبط- وتختلط كذلك- بشهوة التأله المسكونة بالبصمات الإنسانية الأولية في تاريخ البشر. إن المتطرفين لا يمارسون التنطع من باب خدمة الدين. لكن تأليه ذواتهم يلعب دوراً في رؤية الله منعكساً في وجودهم المقدس. وهم الناطقون بلسان السماء .
والأغرب أن الأدبيات الدينية تعالج التنطع بمعايير الدين لا الفكر الحر. ويعتبرونه شاذاً بالنسبة إلى تمتين قوة الدين على تجديد نفسه بنفسه. جاء في "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير: "(هلك المتنطعون) هم المتعمقون المغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم. مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل تعمق، قولا وفعلا". واعتبر ابن الأثير أن هذا منهيٌّ عنه. والنهي هنا إذا ورد صراحة أم ضمناً يرد القضية إلى بيت الدين لا غير. وذلك نوع من زيادة التشدد مرة تالية. فعاجلاً أم آجلا سيهب متشددون آخرون زاعمين أنهم يفهمون مقاصد الدين بخلاف السابقين عليهم. وهكذا سيرد متنطعون على متنطعين دون نهاية!!
وبهذا ذكر النووي أيضاً أنَّ التنطع تجاوز الحدود فيما هو مسموح به أقوالاً وأفعالاً. وهذا الرأي لا يذهب أكثر من تقييد الكلام المفرط(المتنطع) بتنطع آخر. هذه الحدود الذي لا يتجاوزها الفرد. لكن ما هي الحدود؟ بالقطع : لم ولن يشير إليها. ببساطة لأنه لم يرد التخلص من المشكلة. كان ينبغي الانفتاح على التجربة الإنسانية الت ي تضمن عدم العودة إلى التنطع لا مجرد الرجوع إلى أصل القضية.
أما ابن تيمية فقد عالج القضية بشكل تكفيري إقصائي. فالتنطع يقع ضمن الابتداع في الدين ومشابهة الكفار. يقول (شيخ الإسلام) ابن تيمية في "مجموع الفتاوى: " الرهبانيات والعبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات، ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( هلك المتنطعون )، وقال: ( لو مد لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم ) مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم، ويمنع أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والعري والمشي الذي يضر الإنسان بلا فائدة، مثل حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم، وأن يقوم قائما ولا يجلس، ولا يستظل، ولا يتكلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مروه فليجلس، وليستظل، وليتكلم، وليتم صومه ) رواه البخاري.
هذا الكلام يضخم التنطع لا يحلله كظاهرة دينية خطابية. بل ويرسم له كيفية الاستفحال. وليس أقرب إلى ذلك من أنَّ كل الجماعات الارهابية تعتبر ابن تيمية مرجعاً أساسيا لخطاباتها. وكم فرخت تلك المرجعية في عقول الجهاديين بشتى صنوفهم أفكاً دموية. كالوهابية والجهادية السلفية، وتنظيم داعش والقاعدة وجبهة النصرة وانصار الشريعة. الوجوه مختلفة لكن التنطع واحد.