الحرفُ يقتل!

فاطمة ناعوت
2016 / 10 / 30


هل "الحرف يقتل" كما تقول الأدبيات المسيحية؟ نعم. الحرف يقتل. المقصود في النص الديني (الحرفُ يقتلُ والروحُ تُحيي): أن يُستدلَّ على المعنى من "روح" النص، وليس من "حرفية" النص. بينما المقصود من مقالي هذا هو حرفية المعنى. أي أن "الحرف" بالفعل قد يقتل، لأن زيادة حرف أو غياب حرف من كلمة، قد يغيّر معناها، فُيساء الفهم، ويتغاضبُ الناسُ وقد يتقاتلون، بسبب ارتباك المعنى.
كثيرًا ما تجد من يكتب "إنشاء الله"، وهو يقصد "إن شاء الُله". فانظر إلى هول اختلاف المعنى. “إنشاء" تعني: تشييد أو بناء، فهل هذا هو ما نقصده حين نقدّم مشيئةَ الله في أي عمل نعمله؟ هذا ما فعله غياب مسافة صغيرة بين كلمتي: إن- شاء. وليس الحرف فقط ما يغيّر المعنى، بل أن "النقطة" فوق حرفٍ تغيّر المعنى تمامًا. بعض الناس يكتبون لفظ الجلالة بالتاء المربوطة: (اللة)، بدلا من الهاء (الله)؛ فهل يدرون أنهم بهذا يعطون المرادف الصوتي لأحد آلهة الوثنيين: (اللات)؟! بل أن علامة الترقيم (الفاصلة، الفاصلة المنقوطة؛ النقطتان: الشرطة – علامة الاستفهام؟ علامة التعجب!، وغيرها) قد تنقل المعنى من النقيض إلى النقيض. فإن أخبرك أحدهم بأنه مريض؛ فقلت له: “لا، شفاكَ الله."، غير ما تقول له: “لا شفاكَ الله.” فالأولى هي استنكار لمرضه، ثم دعاء له بالشفاء، بينما الثانية هي الدعاء عليه بعدم الشفاء! مجرد فاصلة صغيرة بين كلمتين عكست المعنى من المحبة إلى البغضاء. أنا شخصيًّا أتعرضُ للمحاكمة لأن أحدهم أخطأ في قراءة كلمة في بوست نشرته بصفحتي. كتبت: (آله) بمعنى (أهله)؛ كما نقول: اللهم صلّ على محمد وآله وصحبه"، أو كما نقول: “آل عمران"، "آل خليفة"، وهلمّ جرّا، فقرأها شخصٌ: (إلهه)، بمعنى ربّه، وظنّ أنني أخطئ في الذات الإلهية، حاشاني أن أفعل!
أتذكّرُ الآن واقعة طريفة حدثت معي منذ سنوات بسبب (نقطة فوق حرف)، أحكيها لكم.
كنت أقود سيارتي في شارع "مصر والسودان" بحي "حدائق القبة". لمحتُ محلاًّ للزهور مكتوبًا على يافطته: "عبدة الزهور الجميلة". أدهشني العنوان الغريب، وقررتُ التوقف لتحية صاحب المحل على اختيار اسم مجازي جسور لمحلّه، وتنبيهه إلى هِنة إملائية صغيرة.
استقبلني صاحبُ الورود بحفاوة وقدّم لي وردةً حمراءَ، وتحدّثنا قليلا فعلمتُ أنه جامعيٌّ افتتح هذا المحل منذ سنوات، لأنه عاشقٌ للزهور، ويأسًا من انتظار القوى العاملة الكسول في مصر. ابتسمتُ وقلبي يرقص فرحًا بأبناء بلدي المكافحين، ثم بادرتُه: “أنا فخورة بك حقًّا، فأنتَ تحمل قلب شاعر! لكن أخبرني كيف خطر هذا الاسمُ المشاكس على بالك؟! هل قرأتَ مثلا رواية ’عَبَدَة الصفر‘ للفرنسي ’آلان نادو‘؟أم تراك استلهمت عنوانك رأسًا من اسم جماعة فيثاغورث الإغريقية الشهيرة بجماعة ’عبدة الصفر‘؟"
حدّق الرجلُ في عينيّ بدهشة، وهو يومئ برأسه علامة الموافقة المستريبة. جذبته من يده وأشرتُ إلى اليافطة وأخبرته بشيء من الحياء: “فقط لو تحذف اللام الزائدة من كلمة "للزهور"؛ لتصبح "الزهور"، وبهذا يستقيم المعنى: ’عَبَدة الزهورِ الجميلة.‘”
تحوّل الرجل الوديع الذي منحني زهرةً، إلى أسد هصور يزأر: “جرى ايه يا ست؟! اليافطة كده صح: “عبده للزهور الجميلة". أشار إلى الزهور في المحل وهتف: “آدي الزهور الجميلة"، ثم أشار إلى نفسه وأكمل: "وآدي عبده. حضرتي. عشان أنا اسمي عبدووووووو"!!!
مادتِ بي الأرضُ، وهمستُ في وهنٍ: “اسكتْ! اسكتْ أرجوك! يا ريتك ما تكلمت! أفسدت الصورة اللي كانت في خيالي! لكن يا عم عبدووووو، اسم حضرتك بالهاء مش بالتاء المربوطة زي ما كاتبه على اليافطة يا متعلم يا بتاع المدارس.” وركضت فورًا لسيارتي قبل أن يفتك بي بائعُ الزهور الجميلة!