لعنة أن تعيش في الماضي

ميلاد سليمان
2016 / 10 / 30

لعنة أن تعيش الماضي

"الأفكار الجديدة تظل مكروهة ويتم تجنبها ومحاربتها، حتى يأتي وقت تصبح فيه هي المسيطرة في واقع المجتمع، فيتسابق الجميع إلى التحلي بها" هذه الكلمات المنسوبة للروائي الإنجليزي مارك تويّن ربما تكون قرأتها من قبل على صفحة أحد أصدقاءك في شبكة التواصل الإجتماعي "الفيس بوك" أو رأيتها في إشعارات أحد الصفحات التنويرية، أما لو كنت من قراء روائع الأدب العالمي فربما تكون قابلت معناها بين سطور أحد الكتّاب، لأن روح التنوير لا تقتصر على صياغات معينة أو عصر معين، وللأسف، الأغلبية تقف عند حدود القراءة، ولكن ما اسهل الكلام..

تظل المشكلة/ التساؤل؛ كيف يُثبِت الجديد/ المختلف/ المغاير وجوده ويؤكد حضوره في ظل وجود عقليات ترفضه، بل وترفض مجرد التفكير فيه!؟، وتمقته لمجرد اقتراحه!؟، هذه العقليات تصنع من كل قديم صنم كلاسيكي تشعل النار أمامه ليلًا، وتطوف من حوله بإنتظام طقسي وهي تترنم ببعض الجُمل التراثية المأثورة من نوعية "اللي مالوش قديم مالوش جديد، كل الخير فيمن سلف ولا رجاء فيمن خلف، وشر الأمور محدثاتها!، وكل بدعة ضلالة!، وانظروا لنهاية سيرتهم فتمثلوا بإيمانهم!.
في البداية؛ هناك قرينتين اعتقد علينا فهمهما لتجاوز تلك الكبوة الفكرية التي نحياها الآن، وهما "وعي اللحظة الراهنة، آلية التنوير المطلوبة":

أولًا: وعي اللحظة الراهنة، في أي مرحلة تاريخية نعيش!؟. هل نحن حقًا في نهاية عام 2016 !؟ أم مازلنا في بُعد زمني آخر!؟، ربما نظرة بسيطة على مُحرك البحث الشهير "Google" يمكننا الاطلاع على بعض الإحصائيات في العديد من المجلات التي ستجعلك بلا شك تدرك هوّل الفجوة الحضارية التي تفصلنا عن دول بدأت مؤخرًا في النهوض والتنمية وهي لا تملك مخزون حنجوري من الشعر والنثر والـ 7000 سنه حضارة!. وسواء كانت الاحصائية في مجال الصحة، التعليم، الأمن، السلامة الجسدية، التحرش، الاغتصاب، حوادث الطرق، الاختفاء القسري، السرقة بالإكراه، ستجد إن مصر مازالت تشغل مكانة حَرجة في كل ترتيب، مع العلم إن هذه القضايا أصبحت أمور مفروغ منها في معظم دول العالم ولا مجال لمناقشتها او بيان أهميتها.
من الضروري ان نفهم معنى السقوط، ومقدماته واسبابه، ومتى وكيف ينتهي!؟ ان نحاول نقديم رؤيتنا للسؤال الأبدي "لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا!؟"، أو بصياغة أخرى كما قالها أمير البيان شكيب أرسلان في عنوان كتابه "لماذا تخلف المسلمون بينما تقدم غيرهم!؟". هل تخلفنا هذا نابع من تمسكنا بتراثنا وحضارتنا وحفاظنا على هويتنا!؟، هل التخلف في هذا التراث نفسه!؟ كيف نوفق بين الأصالة والمعاصرة!؟، هل تخلفنا نابع من فهمنا للدين "الخطاب" أم من الدين نفسه "النص"!؟، هل حقا نفتقر إلى مشروع فكري حداثي يشخص هذه الأزمة ويحاول تقديم اقتراحاته للخروج منها!؟ واعتقد هذا شبه محال فعندنا مشاريع عربية فكرية لها وزنها وقيمتها المعرفية الفلسفية قدمها مفكرين أمثال "طه حسين، محمد أركون، محمد عابد الجابري، حسن حنفي، جورج طرابيشي، عليّ مبروك، أدونيس، زكي نجيب محمود، علي الوردي، عبد الوهاب المسيري، الطيب تيزيني....إلخ".

ثانيًا: آلية التنوير المطلوبة، وهنا تكمن المشكلة الأكبر، فالتشخيص قد تم اكثر من مرة، وفي اكثر من عصر، وعلى مدار العديد من المراحل التاريخية، وفي كل مرة تكون آلية التنوير والتغيير والتوعية المستدامة مختلفة بشكل أو بآخر، فما ينجح في مجتمع كمصر قد لا ينجح في المغرب ولا ينجح في تونس أو الجزائر، بل ما ينجح في مصر في القاهرة قد لا ينجح في المحافظات الأخرى "الأقاليم"، لإختلاف الشرائح والطبقات الإجتماعية المطلوب إيصال خطاب التنوير لها، وهذا أحد اسباب فشل أحداث 25 يناير 2011، أن الأغلبية اتفقوا بشكل غير مباشر على ماذا يرفضون (النظام الحاكم)، ولكن حينما جاء الوقت المناسب لتقول الأغلبية ماذا يريدون ظهر الانشقاق والاختلاف بل والصراع والتخوين والإقصاء (إستفتاء 19 مارس).
الثورة الفرنسية لم تنجح في لحظة، ولم تقم بين ليلة وضحاها، ولم يكن هناك عصا سحرية تحرك الأحداث فيها، ولكن يخبرنا التاريخ إنه كانت هناك أرضية معرفية مكونة من عشرات الكتابات الخاصة بفلاسفة التنوير ممّن مهدوا الطريق أمام هذه الأحداث الكبرى في تاريخ يلادهم، وكانوا أشبه بـ "البلدوزر" الذي يكسر الحجارة ويزيل العوائق في إنتظار رصف الطريق أمام الشعب.

العلمانية قضية مصيرية، ليست مطلب نسعى إليه، بل واقع نريد أن نعيشه ونحياه جميعًا، في مساواة وعدالة ومواطنة تامة بين الجميع دون أي تفرقة أو إستعلاء، ولكن الطريق أمامنا طويل جدًا ولكن من الجيد إننا –في مصر- بدأنا في بذر البذور من الآن، وتم التشخيص "وعي اللحظة" أكثر من مرّة، وهناك تلمُس متَبصِر لمعرفة "آلية التنوير المطلوبة" من خلال عمل بعض الحركات العلمانية التنويرية الشبابية والمجلات العلمانية والملتقيات الفكرية الشهرية لبعض المفكرين العلمانيين أمثال مرادة وهبة، نوال السعداوي، سيد القمني. كل هذه الجهود الصادقة لن يضِل طريقه إليها كل من يحاول الخروج لنور الحقيقة وإلتماس غدٍ أفضل...