المرأةُ.. كائناً ثقافياً أسئلة في الثقافة النسوية والهوية و النسق

ناهضة ستار
2016 / 10 / 30



ان الأسئلة الثقافية المرافقة للمنجز الثقافي و الفكري النسوي قضية حاكمة فمن غير المنطقي تجاهلها، بوصف الخطاب الأدبي الإبداعي خطاباً ثقافياً أيضاً تكون فيه الكتابة تجسّدأً لسانياً لفعل ثقافي متباين في درجة التمثّل أو جهته لكن الأساس هو الحضور الثقافي في المنجز الإبداعي عند الجنسين ،علما ان هذه الورقة تتبنى مبدأ الشراكة الوجودية والكونية و الوجدانية بين الرجل والمرأة فمن السخف تصور الحياة عرجاء دون احد ركنيها الأثيرين الرجل والمرأة ... بيد ان الأمر يكتسب عند المرأة مبدعة خصوصية نتجت عن حساسية الموقع الاجتماعي الذي تشغله في حركة المجتمع بين المركزية والهامشية ولوجود تحدٍ مستمر لا نعلم متى سينتهي...؟!! تحياه المبدعة/ الناجحة عموماً من لدن النسقيات الثقافية الساكنة والمهيمنة والفاعلة ولا ينحصر الأمر في المجتمعات البدائية ذات الثقافات الشفاهية ، وإنّما يتسع في المجتمعات التي بلغت شأوا" في التمدن والتحضر حتى وصلت الى تشريعات مهمة في حرية المرأة وعملها وخياراتها.. لكن الذي يحدث ان (التمدّن) يكسر نسقية سابقة ليخترع نسقية أخرى بديلة فيتغير الشكل والصيغة لكن الجوهر النسقي المهيمن باق على حاله شأنه في ذلك شأن تعامل المركزيات المهيمنة في العالم إزاء الأقليات والهوامش والمقصيات فيما تمنع هذه الأخيرة حرية الاختيار انما توضع في مختبر إثبات الذات بلا مناصر أو معين وكأن لسان حال المركزيات يقول للهوامش (يا من طالبتم بالتحرر تحملوا تبعات مطالبتكم بالتحرر...) عند ذاك تتضاعف أثقال الهامش ولا تخفّ أو تزول ، على سبيل المثال (عمل المرأة) يمثل عنصراً مهماً ومركزياً في إثبات وجود الهامش وتفتيت للمركزية الاخرى في المجتمع والعمل والإنتاج والإدارة ، لكن في الجانب الآخر نجد المرأة العاملة والمديرة او القيادية مفروض عليها ممارسة جميع الأدوار من دون إخلال .. زوجة/ مربية أطفال/ جليسة منزل/ طباخة/ شخصية اجتماعية / ومبدعة ... مضافاً لهذا شأنها العملي والقيادي (مع وجود تفاوت بين المجتمعات والأفراد في التعاطي مع هذه القضية)... تقرأ هذه الورقة(الكيانية)الثقافية للمرأة التي تأخذ طابعا مائزا في كينونتها العامة ضمن سائر الادوار و الوظائف الاخرى .. من هنا يتحمل الهامشي أو التابع Subaltern كما تطلق عليها دراسات (ما بعد الكولنيالية) تبعات سعيه لكي (يكون) وأول هذه التبعات والمسؤوليات بل والحقوق التي تحدثت عنها الكاتبة المثيرة للجدل (غاياتري سبيفاك) في مقالتها الشهيرة النسوية (هل يمكن للتابع ان يتكلم؟) نعم.. الكلام هو الحق الأهم في الوجود الإنساني. ابدأ لأحاور في ان التابع قد تكلم فعلا .. ولكن (الكلام) نص ضعيف الأدوات من دون (خطاب) يعزز و(سياق) يحمي و(نسق ) يدافع و (فلسفة) تدعم ... ولن أقرر نتائج ما أريد بل أضعها في طاولة مستديرة لتنطق بلا مركزية عبر (اضاءات) نسوية اختزلت الأزمان والجغرافيا والثقافات والمواقع لإثبات فرضية أو نفيها ، هذه الاضاءات النسوية كيانات ثقافية أثبتت كيانيتها الثقافية المخصوصة ضمن سياق صعب واجواء ساخنة مغايرة غير مرضي عنها الامر الذي يحيل الى قضية أظنها تربوية كبيرة تخص مبدأ رعاية المبدعين او النابهين وضرورة اعطائهم فرصة للتألق و النجاح ومنح الفرص .. الى سوى ذلك من يوتوبيات متخيلة ..بينما نسقية الواقع تنطق خلاف ذلك ..فيكون المبدع و النابه والعبقري سندان مطارق الاذى و التهميش و المحاربة وقص الاجنحة وتعطيل المسيرة ..لسبب واقعي ونفسي بسيط جدا ان الانسان عدو ما يجهل ومادام أي انسان لايدرك سر ابداع المبدع و مصدر الهامات المبتكر و المجدد ..اذا تستمر هذه الدورة الكونية ويظل المبتكر يعاني و الاخر يحارب حتى يموت المبتكر فيرتاح الاخر من ثقل تفسير سر الابداع عندئذ يفكر في نحت تمثال له وتكريمه لأن مآل الابداع هنا صار مكسبا لأعداء النجاح و مصدر فخر مجتمعي وعرقي او أي شئ اخر غير ان يكون شخصيا للمبدع .. وكل ما يحتاجه اعداء النجاح بعض زمن حتى يصير الجديد قديما ومن الجيد ان يساعد القدر هؤلاء المتربصين للنجاح فتكون نهاية المبدع سريعة لأنه بالطبع يحيا لمشرعه لا لكي يأكل و ينام .. لذا يتكفل نحت الذات برفع يافطة نهاية الشخص بيولوجيا لتبدأ مرحلة الخلود الفكري و الثقافي و التنويري ..عندئذ لن يكون مصدر قلق لاعدائه لانه في ظل الغياب .. وتلك مفارقات التفكير البشري العجيب الذي كلما تصورنا اننا وصلنا للتشخيص والفحص والاحاطة بمكنوناته ..ادركنا كم ان هذه القارة الثامنة عصية على كولومبوس التحليل و التشريح و الاحاطة و الاكتشاف ..
لقد تحقق الحضور الثقافي للمرأة بوصفها كائناً ثقافياً (يقول) .. وفعل القول هنا انتاج ابتكاري ليس صدىً أو انعكاساً أو تمرئياً لآخر،يؤدي ذلك إلى تفوق وامتياز ومغايرة عن سائد ذكوري(كما تصطلح عليه أدبيات النسوية و مابعدها ..) لكن لا يتحقق هذا الامتياز من دون (خطاب) مساند قد يتمثل بسياق أو حادثة أو مقام حال تنتمي له الكاتبة أو غير ذلك ، سأورد هذه الاضاءات على نحو عشوائي وادرك تماما ان لدى قارئي نماذج اعلى وارقى واكثر لكن الامر هنا ليس استقصاءا انما تأسيسا لفكرة او اسلوب نظر او فسحة حوار تشكل هذه النماذج قاعدة الحوار الاجرائية منها ننطلق لصياغة النظرية ، واعلم مقدار الاعتراض او التعارض مع بعض النماذج وانتماءاتها وتشظي مرجعياتها الثقافية والقومية والزمنية ..ولربما هذا التعارض هو احد اهداف قراءتي هذه ،فما يستأهل الكتابة حقا هو ما يشكل قضية اشكالية نختلف عليها وفيها لنؤسس رؤية مغايرة وطرحا مختلفا يجسد صورة وعينا الحاضر .

1- (انخيدوأنّا ) الابداع سلطة:
انخيدوانّا: أقدم مثل يثير الاهتمام والجدل والتفسيرات برغم قلة المعلومات المتوافرة عنها ، انها الكاتبة والشاعرة العراقية والأميرة الأكدية (انخيدوانّا enheduanna) أشهر كاتبة في بلاد الرافدين ابنة الملك سرجون الأكدي مؤسس الإمبراطورية الأكدية وكاهنة معبد الإله (سين) إله القمر في أور وكاهنة معبد الإله (آنو) إله السماء في الوركاء كتبت قصائد وتراتيل أكثرها موجّهة للآلهة عشتار تسرد فيها معاناتها من ذل الأسر والتعذيب وهي ابنة ملك ، تقول في ترنيمتها المشهورة باسم (سيدة النواميس الالهية) ومنها :
( ياسيدة النواميس الالهية كلها
النور الساطع
المرأة واهبة الحياة التي تكتسي بالاجلال
محبوبة السماء و الارض
التي ملأت البلاد بالسم الزعاف كالتنين
وانت عندما تزأرين على الارض يختفي كل ذي حضرة
سيدتي يا من تنحني البلاد الاجنبية خوفا من صرختك
ايتها الرحيمة واهبة الحياة صاحبة القلب النير
أنا الكاهنة، إنخيدوانا،
حاملةً سلّة البخور، أنشدُ ترنيمتكِ السعيدة،
لكنني الآن لم أعد أسكن المعبد المقدس الذي شيدته يداك.
أتى النهار، وجلدتني الشمس
وأتى ظلّ الليل، وأغرقتني الريح الجنوبية
صوتي الرخيم الحلو كالعسل صار نشازاً
وكل ما أعطاني المتعة تحول إلى غبار.(ينظر:صلوات انهيدوأنا،بتي دي شونك،تر:كامل جابر،2009)
فاشتهرت شاعرة من خلال (الموقع) و(السياق) و(الخطاب) المتزامن الذي لا نستطيع وضع حد فاصل بين ماهية (الإبداع الأدبي) (النص) وبين (مفردات الماحول والموقع والخطاب) لتحقيق المكون النهائي الذي (صنع) اسم (انخيدوانّا) حتى عبرَ الأزمان وقاوم الفناء والاندثار فلو افترضنا ان ذات القصائد والتراتيل قالتها غير (انخيدوانّا) هل سيحدث ذات التأثير الذي حدث لأنخيدوانّا التي اجتمعت فيها المكونات الاتية :
1-ابنة ملك 2-كاهنة عظمى 3-استثمار المظلومية (ارحموا عزيز قوم ذل...) في تأجيج المشاعر لصالحها حتى توج هذا الأمر كله انها انمازت من بين كتبة وكاتبات العراق القديم جميعاً - ان لم تظهر نصوص جديدة تنقض هذا الاجماع - بصفة خاصة لها هي انها تختم اسمها أسفل الألواح الطينية التي نقشت عليها قصائدها وتراتيلها في زمن لم يرد لنا منه نصوص مذيّلة بأسماء مبدعيها بل باسماء ناسخيها وبضمنهم أكبر الشعراء وأكبر مثال على ذلك اعظم ملحمة في التاريخ القديم (ملحمة كلكامش) لا يُعرف مؤلفها وشاعرها وهي بما تمثله من اهمية عالمية في المنجز الابداعي العالمي ، امتد تأثيرها إلى حضارات العالم قديمها وحديثهافي الشعر و المسرح والفلسفة والفنون التشكيلية وفن العمارة و الموسيقى وغيرها على صعيد حضارات العالم .
نقرأ هنا في هذه الخاصية المائزة .. الكينونة الثقافية المخصوصة التي ينماز بها منجز المرأة الثقافي، وأؤكدُ هنا (الثقافي) وليس الإبداعي فقط لأنني أتصور ان دراسة الإبداع النسوي (قضية) شئنا أم أبينا ولهذه القضية حيثيات ومتعلقات وسياقات مؤثرة فاعلة في نمط الإبداع وأجناسه وصوره لذا تفرض علينا المنهجية الوصفية ان نستنطق النصوص والظواهر لا ان نملي عليها أحكاماً قبلية نقترحها مفاتيح للقراءة بل ان مفاتيح النص انما يُنقب عنها من حفريات النص ذاته.

2)نازك الملائكة/ الريادة مؤنثة
تمثل نازك الملائكة فعلاً ثقافياً في اشتغالها الإبداعي، قصيدة التفعيلة حتى توجت بوصفها حركة ريادة في تاريخ الشعر العربي بعامة ما يعرف بحركة الشعر الحر فكان ارتباط هذا الفعل الحداثوي في البيئة الشعرية بشخص مبدعة (انثى) انتج جدلاً في أسبقية الريادة بينها وبين السيَّاب، وبغض النظر عن مدى صحة هذه الادعاءات وجدل الأولية والأسبقية. ان الفعل الذاتي حصل.. ومن صانعي هذا الفعل هي امرأة شابة مثقفة اسمها نازك الملائكة في بيئة عربية (عراقية تحديداً) يشكل النسق العمودي ثقلاً مرجعياً للشعرية العربية لا يسهل التهاون به أو كسر نسقيته المهيمنة. من هنا اجد دقة نظر وتقصي الناقد العربي (د. عبد الله الغذامي) في البحث في جذور الشاعرة فقد تبين لي لاحقا ان لها اصولا نجفية فمن عائلتها السيد(عبود زلزلة) نجفي ويعمل مدرس ادب عربي في الثانوية المركزية في ثلاثينيات القرن الماضي و كذلك زوجها ،قبل انتقالهم الى الكاظمية في بغداد ( المعلومة من لدن الدكتور محمد حسين الصغير في لقاء به على هامش مؤتمر الادب النسوي في كلية التربية للبنات في جامعة الكوفة الموافق 21/2/2011) فربط الغذامي بمعلومة لم يكن يعرفها غير العراقيين المقربين من عائلة الملائكة ويحسب للغذامي هذا التقصي العلمي حين ربط بين ريادة نازك وكسرها نسق العمود وبين كونها فتاة خارجة من بيئة دينية هي النجف برغم ان نازك عاشت حياتها التي اثمرت فيها تجديدها وهي في بغداد ، فحاول ان يثبت ان هذه (الفتاة النجفية) إنما تبنّت حداثة التفعيلة تمرداً على نسقية النموذج العمودي الذي يمثل ثقافة المرجع والإرث والتاريخ [ينظر: مجلة الأقلام السنة 33/ ع5/ 1998، وأعاد نشر البحث ضمن كتابه المعروف: تأنيث القصيدة والقارئ المختلف/ المركز الثقافي العربي/ 2005] وانا أشاطر الناقد الغذامي في إشكالية العلاقة بين الحداثة والمرأة، فهل حقاً مالا يستطيع جمع من الرجال صنعه تستطيعه امرأة واحدة؟!! هل يمكن هذا إذا اختلفت الأهداف والآليات والنوايا والأفعال ، برغم ذلك ينتصب اليوم في البصرة الحبيبة تمثال (السيّاب) معْلماً ثقافياً مهماً لكن لا تمثال لـ(نازك) لا في بغداد ولا في النجف ولا في غيرهما.. فهل حضر نسق الفحولة ليثبت سطوته القاهرة فربطت الثقافة بين الابتكار والفحولة لاننا يمكن ان تتجسد لنا نصب المرأة الريفية المكافحة، وشهرزاد الجميلة الداهية وهي تمارس ذكاءها (دهاءها) دفاعاً عن بقائها وغير ذلك لكن لا نصب لمبدعة رائدة كسرت أنساق الفحولة الثقافية ، في حين أرى ان الإبداع والابتكار والتعبير مرتبط بالمرأة من منظور حضاري عميق في التاريخ فهي الام الخالقة، والكائن الذي ينتج حيوات جديدة ، والمحضن الباعث على الرفد والإنتاج الذي يتضمن بلا شك.. المغايرة والاختلاف .. فالحيوات الطالعة ليست بالضرورة صوراً مستنسخة عن الحاضن الاول فضلا عن هبة (الحدس) عند المرأة واستشراف الآتي والرؤية ولا سيما ان نمط تفكير المرأة يصنّف من النمط (اللولبي) الذي ينماز بميزة امكانية الاشتغال بأكثر من دور ووظيفة في الوقت نفسه ،في حين الرجل اكثر تركيزا ولكن بنمط تفكير (خطّي) يتجه اهتماما نحو دور واحد ينهيه وينتقل لغيره . لولبيّة التفكير عند المرأة نقرأ فيها قدرة وإمكانية واستعدادا مؤسسا للاحاطة والقراءة الشمولية الفاحصة كعين الطائر يرى المشهد بكامل تفاصيله فيصف ويشخص ويحكم ..وهذه الممكنات ادوات حاكمة في البصيرة الكتابية و الابداعية والرؤيوية .. من هنا ، كم من الحيف يلحق بالمرأة سواء الذي يمارسه المجتمع و السوق و السياسة . او الذي تنهض هي به في تجيير الانوثة بالجسد و اللذة و الاتجار بهيكل الجمال الكوني فيها .. فيحدث الحيف و الطغيان لصورة الانثى الجميلة الغبية اوغير المفكرة بتهذيب اكثر ان شئت ..

3)غاياتري سبيفاك / الهوية والاختلاف
الكاتبة والأكاديمية الهندية المثيرة للجدل كتبت كثيراً من الأعمال النقدية في التفكيكية والنسوية وما بعد الكولينالية فضلاً عن جهودها في الترجمة وأهمها ترجمتها لكتاب جاك دريدا (علم الكتابة)، وانتقدت الكثير من المفاهيم التي أسهمت في تكوين مواقف ضد الشرق عبر بناء سرود وشفاهيات في التاريخ والجغرافية والهوية أسست لمواقف قبلية جعلت الغرب هو الأعلى والشرق هو الأدنى، ومن جملة أفكارها الجريئة فكرتها:
1) الجوهرية المركزية التي تعدها فخاً لاستغلال الآخر.
2)فكرة التابع وهل يمكن له ان يتكلم؟ والجواب عندها بالنفي لان (نص) التابع مرهون بـ(خطاب) المهيمن لذلك كان التابع صامتاً.. اشتغلت (سبيفاك) القادمة من عمق الثقافة الشرقية على تفكيك النظم المهيمنة وهز تابوات المركزيات الكبرى وفك شفرات السرود التاريخية التي صنعت تفاصيل المشهد الحاضر، واجمل ما في طروحاتها بحسب ظني هو تمردها الدائم على كل تنميط وترويض ووضعها في إطار يحدد مجال اشتغالها المعرفي والنقدي والثقافي و الفكري ، لنقرأ قولها:
[ان موقفي هو عموماً موقف تفاعلي ينظر إلي الماركسيون على إنني تشفيرية جداً ومن قبل النسوية إنني ذات هوية ذكورية جداً، ومن قبل المنظرين المحليين انني منحازة جداً إلى النظرية الغربية .. ولست مرتاحة لكل ذلك...] وهذه هي الروعة انها ليست مرتاحة لكل ذلك انها (ذاتها) قبل أي انتماء آخر أو اطار فكري أو ايديولوجيا أو اتجاه تجير لصالحه فيخنق خصوصية ما تفكر وتنتهج و تنتج ، انها صورة الثقافي المبدع والمؤسس الحقيقي.

4)أنّا اخماتوفا/ المظلومية والإبداع:
مع هذه الشاعرة الإشكالية نعزز أطروحة (الكينونة الثقافية) للمرأة فهذه المرأة/ المبدعة/ الظاهرة عاشت حياتها (1889-1966) وإبداعها في ظل (على الأصح تحت عبء وليس الظل لأن الظل فيء وراحة وبرد وسكون...) الإرهاب الستاليني الذي نالت حصتها منه باعدام زوجها الشاعر غومليوف ، واعتقال ابنها وسجنه ، وطردها من اتحاد الأدباء السوفيت ومنعها من النشر مدة عشرين عاماً ، كما زامنت موت واعتقال الكثير من أعمدة الأدب الروسي، لكنها برغم ذلك عاشت إبداعها بل لمشروعها حتى انها أجبرت جلادها (جدانوف) ان يعترف بروعة شعرها ،وقال أعز أصدقائها عنها: انها حملت للشعر الروسي طاقة هائلة، ويقول (يكفي إنني أعيش في زمن أنّا اخماتوفا).. [ينظر أنا اخماتوفا/ قداس جنائزي / ترجمة برهان الشاوي/ دار الإصداء 2009].
وهي تقول واصفة" علاقتها بمشروعها الإبداعي وسط هذا الدخان والغربة والاغتراب والعذابات: [أنا لم أهجر كتابة الشعر، ففيه أجد علاقتي مع الزمن، ومع الحياة الجديدة لوطني فحينما كتبت أشعاري كنتُ أعيش بكل الايقاعات البطولية لتاريخنا إنني سعيدة لأنني عشت كل هذه السنوات ورأيت كل تلك الأحداث الملتوية].
مع انها لم تعش غير الرعب والإرهاب والسجون لكنها صوت المبدع وحياته وهاجسه وانفاسه وكيانه الوجودي هي الكلمات خلدت هذه التجارب القاسية بقصيدة تعد من روائع أدب القرن العشرين قصيدة (قداس جنائزي): تقول في بعض مقاطعها:

( لأجل إنسان ما تهب هذه الريح الندية
لأجل إنسان ما يتورد الشفق
نحن لا نعرف شيئاً فالأمر لنا سيان
نحن لا نسمع سوى قلقلة الأقفال ..)
وتقول فيها:
[لقد ألقى العالم بنفسه في الفوضى
إنني لا أمتلك الوضوح
من ترى أمسى وحشاً ومن يا ترى بقي انساناً
هل الورود متربة فقط ؟
هل للصوت فوح البخور
وهل له من أثر؟
إلى أين من (لا إلى أين)؟
وفي أعماقي مباشرة
هناك قريباً من النهاية
أحمل معي نجمة هائلة].
وقالت أيضاً:
(وإذا ما أرادوا ذات يوم
أن ينصبوا إلي تمثالاً..
امنح تواقيعي... ولكن
لا تنصبوه قرب البحر حيث ولدت
فلقد فصمت مع البحر مواثيقي
وليس في الحديقة القيصرية حيث ردم المستنقع
فثمة ظلال تبحث عني هناك بلا هوادة
وإنما هنا.. حيث أبقوني واقفة ثلاثمئة ساعة
حيث لم يفتح لي أي باب...]
هل يمكن بعد هذا ان نحلل نص (اخماتوفا) من دون (خطاب) الفاجعة و الحرب والسجون وكذا ببسالتها العنيدة في أرخنة هذا العذاب بلغة الكلمات الاصدق والصورً الهائلة حد الخلود... هنا تبدّى التمرد الجميل وهي دوماً تقترح المغايرة مشروعاً لبصمتها المميزة في التاريخ الممتلئ بالأسماء الكثيرة و الرنانة و المهيبة و المرعية من لدن الآلهة الارضية لكن (اخماتوفا) حفرت بصمتها في صخر الزمن و صنعت من الانكسار أجمل قصور الحضور الإنساني البهي في عالم الفجور و الانتهاك والموت الرخيص .

5)د. فاطمة البريكي / الأنوثة وحداثة الوسائط
باحثة عربية شابة ترافق أسمها مع إشكالية علاقة الأدب بالتكنولوجيا العصرية المتمثلة بالحاسوب والانترنت والوسائط المعاصرة في نقل المعارف والمعلومات والاتصال والتواصل ، أصدرت كتابها الأول (مدخل إلى الأدب التفاعلي) عن المركز الثقافي العربي، 2006 وتبعته بكتاب (الكتابة والتكنولوجيا) تصدت فيه بريادة مقتدرة الى الدخول في عالم الوسائل الحديثة للكتابة والتفاعل الثقافي في الواقع العالمي الجديد الذي استحدث تصنيفاً جديداً للكتابة ليست الأجناس الأدبية في الحداثة ولا النص المفتوح في ما بعد الحداثة وإنما أصبح التصنيف العالمي اليوم : الكتابة الورقية والكتابة الالكترونية أو الرقمية التفاعلية، ومعنى ان تبادر إليها (امرأة) ناقدة وأكاديمية عربية محجبة فهذا له أكثر من دالة.. وكم هو رائع كلام (د. الغذامي) وهو يقدم لكتاب البريكي ، أعلن فرحته بكتابين لهما أثر كبير أحدهما كتاب د. البريكي والثاني رواية رجاء الصانع (بنات الرياض) كلاهما منتج نسوي أحدث جدلاً واسعاً لانهما مسّا ثقافة النسق بجرأة واقتدار .. فقال يقدم لكتاب البريكي : (ان الغلطة الثقافية الكبرى التي اقترفتها المرأة ضد جنسها حينما تركت الكتابة للرجل واستغنت بالحكي على مدى قرون وصارت تتدارك تلك الغلطة، ولم تعد تتهاون في أمور الثقافة بتركها للرجل وهذا الكتاب سيكون واحداً من هذه العلامات في التغيير الذهني الثقافي..) مقدمة كتاب مدخل إلى الأدب التفاعلي/ ص9 )حيث اصبح كتاب الدكتورة فاطمة البريكي مدخلاً مهماً لا يمكن الاستغناء عنه في دراسة الأدب والتكنولوجيا وتقنيات الشعر المتفرع والأدب الرقمي والتفاعلي واهم تجاربه في العالم وعند العرب وعلى صعيد أجناس الشعر والرواية والمسرحية وغيرها وبحث كيفيات الإفادة من إمكانيات الوسائط الالكترونية وبرمجياتها المتعددة في الكتابة والتأليف على شاشة الحاسوب اوعلى صفحة الويب علماً ان هناك حركة ثقافية عربية في هذا الجديد أسهم فيها كتاب وأدباء لهم حضورهم الإبداعي والشعري والنقدي والثقافي مثل محمد: سناجلة ومحمد أسليم وسعيد يقطين واخرون فضلا عن الأدباء والنقاد والأكاديميين العراقيين مثل د.مشتاق عباس معن ود.ثائر العذاري وناظم السعود ود.امجد التميمي ونخبة طيبة واسماء متميزة من الاكاديميين الشباب والمثقفين، برغم ذلك وتلك الجهود برز كتاب فاطمة البريكي مرجعاً مهماً وهو اول انجاز ثقافي تشتغله بعد الدكتوراه وصار مادة الدرس الاكاديمي في جامعات عربية مثل الإمارات وقطر و المغرب والسعودية وفلسطين وغيرها.
من خلال ماسبق من نماذجنا الانتقاء ندرك خصوصية الاشتغال الثقافي و الابداعي حين تقودهما الأنوثة المبتكرة صاحبة الحفريات العميقة الدالة الرائية وهل انا هنا في حاجة للتذكير بالمنحة الرؤياوية للمرأة في تاريخ البشرية فهي الساحرة و الرائية و الكاهنة و المستشارة الروحانية لأغلب حضارات العالم القديم ، فهذه الطاقة الرؤياوية الفياضة تدعم فرضية الامتياز الابداعي الفكري لدى المرأة وهذا الامتياز لا يلغي قارات الجمال الجسدي الذي تمتلكه ادنى نساء جمالا لكن القضية هنا تتعلق بالتوظيف و استثمار هذه الممكنات والى أي منافذ تسربت هذه الممكنات وفي أي المساحات ازجت المرأة صورة وعيها الذي يتبع اساسا قضية غاية في الاهمية مفادها : ما وعي المرأة لذاتها ؟ وكيف تقرأ وجودها الانثوي والوجودي و الفكري و الثقافي ؟ فجميع ما سيأتي من ادوار و انتاج سيكون نتاجا طبيعيا وتحصيل حاصل لوعي المرأة لفلسفة وجودها بكل مستوياته ووظائفه .. عليه تستجد هنا اسئلة الهوية الابداعية والثقافية للمرأة في خضم هيمنة الانساق الثقافية الامر الذي يفتح اشرعة الحوار واسعة لاعادة التفكير بل وتفكيك الراكز من الافكار المطبوعة بعسل التحرر و الحقوق و الانفتاح الذي تتحلق حوله نساء العوالم الثالثة وما دونها بوصفه قشة الانقاذ المفترض .. تلك أسئلتي وللمشروع بقايا افكار وتطبيقات .