رواية السماء قريبة جدا (كاملة) مشهور البطران

رائد الحواري
2016 / 10 / 29

جمالية النص في رواية
"السماء قريبة جدا"
مشهور البطران
قدم لي الصديق الوفي "مشهور البطران" روايته "السماء قريبة جدا" وقد كنت بعيدا عنها إلى أن أرسلها لي، وقد وجدتها، وجدتها رواية إنسانية قبل أن تكون فلسطينية، رواية فيها العديد من الأفكار والصورة التي تعري المحتل وتعري واقعنا، سأحاول تقدمها على دفعات، أولا لأن الوقت لا يسعفني لتقديمها مرة واحدة، وثانيا لكي نسهل على المتلقي تناول فكرة الرواية وما يحمله هذا التعقيب من مداخل يمكن من خلالها التعمق فيما تطرحه.
احدى سمات النص الجميل فتح آفاق أمام القارئ، إن كانت هذه الآفاق من خلال الفكرة/الحدث أم من خلال اللغة وشكل تقديم العمل الأدبي، فاللغة التي يستخدمها الراوي تعد بحد ذاتها عملا ابداعيا، فهو يمتع القارئ، ولا أقول يأسر القارئ، فالتمتع حسنة/فضيلة/ميزة، بينما الأسر يعد قبح.
الراوي تعمد أن يحدثنا بالغة سهلة، يربط من خلالها احداث روايته، فيجدها المتلقي مترابطة بشكل وثيق، فتبدو كالسيرة، كقصة عائلة فلسطينية، وعندما نقول فلسطينية لا نعني الطرح المثالي، الطرح الذي يقدمنا كضحايا للاحتلال، بل الطرح الذي يقدمنا على طبيعتنا الإنسانية، فمنا من يحمل الخير، ومنا من يحمل الشر، ومنا من يدعوا للحداثة ومنا من يدعوا للتقليد، منا ما هو رجل تقدمي مدني، ومنا ما هو قبلي عشائري، منا من هو رجل ومنا من هي امرأة، منا الثائر/البطل ومنا العميل/الجاسوس، منا الشاب ومنا الشيخ، منا المثقف ومنا العادي، فشخصيات الرواية تلامس الواقع تماما، وهذه الواقعية للشخوص تتوافق ومفهوم سهولة اللغة، فالشخصيات تنسجم مع اللغة الروائية تماما، تتحدث كلا منها حسب واقعها، وهذا ما يجعل لغة النص/الشخصيات تتوافق مع تركيبتها الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي يسهل على المتلقي فهم والاستمتاع بما فيها من احداث، فهي قريبة منه، بلغتها وشخوصها وبفكرتها.
تضمين الرواية لمقاطع كتبت بالغة شعرية، وتحمل أفكارا إنسانية أطفى عليها لمسة جمالية اضافية، كما أن وجود عدد من الحكم، التي تمثل خلاصة تجربة الراوي يجعلها رواية استثنائية، فهي تحمل خلاصة تجربة الإنسان الفلسطيني ونظرته للحياة، للواقع، للمحتل، لنفسه، لأرضه.
ومن جماليات رواية "السماء قريبة جدا" وجود مشاهد فنية ادبية في العديد من فصولها، وهذا ما يمتع المتلقي ويجعله يتماهي مع النص الروائي، نهاية بطل الرواية "زيدون" بحد ذاتها كانت تعد تعرية/ثورة على الواقع الفلسطيني، فالراوي تجاوز فيه الطرح الرومنسي، الطرح الذي يقدمنا بصورة مثالية، بصورة أبطال، فنحن أولا وأخيرا نبقى بشر، ولسنا ملائكة أو شياطين، وهذا الإنسانية، الواقعية الطرح ميزة تلازم السرد الروائي من بدايته حتى نهايته.
تناول الرواية للتعددية العقائدية/الدينية في فلسطين، يعطي صورة المجتمع الذي يدعو له الراوي، فهو يريدنا بهذا لتنوع، بهذا التشكيل الذي يثري المجتمع ويقويه/يقونا، فهو مصدر من مصادرة التميز والقوة لنا، فلنعمل على الاحتفاظ به، ونبتعد عن التماثل والوحدة الدينية.
الرواية تتحدث عن "زيدون" الفلسطيني الذي يشاهد ما يقوم به المستوطنون من أعمال عدائية اتجاه الفلسطيني والأرض الفلسطينية، مما يجعله يقدم على قتل الضابط المتقاعد "مورالي" الذي "أذل الناس وسامهم سوء العذاب، ودمر زرعهم وقتل أغنامهم وسمم آباؤهم، آخر جرائمه قتل راع بذريعة أن أغنامه اقتربت من جدار المستوطنة" ص21، كما يقوم بقتل احد افراد عائلة "الهلالي" الذي يعمل عميلا للاحتلال، مما يجعله مطاردا من عائلة "الهلالي والاحتلال معا، يتم القبض عليه ويحكم بالسجن لمدة ثلاثين عاما، اثناء سجنه تقوم زوجته "نبيلة" بالعناية بالأسرة، فتقوم بدور الرجل المنتج وبدور الأم معا وتقرر أن تبني منزلا على التلة كما كان يفكر "زيدون".
يخرج من السجن في عملية التبادل (شاليط) بين جيش الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، يجد ابنه "عزت" قد اصبح شابا، يدرس في الجامعة، يتجه "زيدون" إلى العمل في الأرض وتربة المواشي، يحاول ضابط المخابرات "شاؤول" اسقاط "عزت" في شباكه، وهنا يحدث صراع داخلي رائع عند "عزات" إلى أن يحدث اباه "زيدون" بما يتعرض له من ضغط، يخطط "زيدون" لعملية يقتل فيها الضابط المخابرات، وتنجح العملية، لكن تعرف قوات الاحتلال أداة المواصلات المستخدمة (دراجة نارية) يكشف الفاعل للاحتلال، وقبل أن يتم ارسال القوة للقبض على "زيدون وعزت" يأتي احد افراد عائلة "الهلالي" ويقتل "زيدون".
صراع الفلسطيني
واقع الاحتلال يفرض على الفلسطيني خوض الصراع، فهو لا يستهدفه كإنسان وحسب بل كأرض أيضا، فالاحتلال يعمل على انتزاع الطبيعية الإنسانية من الفلسطيني، وجعله يعيش في حالة غير سوية، أن كانت على مستوى الحياة المادية أم النفسية والروحية، فهو يشكل الغصة التي تعيق حياته وتهدد وجوده.
من مشاهد الصراع المادي هذا المشهد، "أذل الناس وسامهم سوء العذاب، ودمر زرعهم وقتل أغنامهم وسمم آباؤهم، آخر جرائمه قتل راع بذريعة أن أغنامه اقتربت من جدار المستوطنة" ص21، بكل تأكيد مثل هذه الاعمال ستؤدي إلى إحداث خلل في الحياة، وفي طريقة التفكير، ثم في السلوك، فالتحول من السلوك العادي/الإنساني إلى سلوك العنف والقتل أمر في غالية الصعوبة، وهو لا يتلاءم والطبيعة الإنسان، من هنا عندما يقدم "زيدون" على إزالة هذا الأذى من حياة "أهل الدير"، نجده يتعرض حالة صراع، حالة عدم الرضى عما أحدثه فعل القتل فيه، عدم توافقه مع فعل القتل، فهو يجده فعل غير إنساني، فعل لا يتوافق مع طبيعته،: "فكان يهب من نومه فزعا، هو يسائل روحه: هل خلقنا كي نقتل ونقتل؟ متى نعيش بصفاء روح وسلام كشعوب الأرض؟ ولاحظ ناجي عياد اضطراب روحه، وأدرك سر حزنه، فهو يعرف أن زيدون لا يأسف على موت مورالي بقدر ما يأسف على نفسه أن يكون قاتلا" ص21و22، الإنسانية اهم ما في هذا الطرح، إنسانية الفلسطيني إلى يرفض أن يكون قاتلا، ويرفض أيضا أن يتعرض للإذلال والظلام، من هنا يقدم على الفعل الأقل ضررا عليه، ليس كفرد بل كشعب، كأمة، م هنا وجدنا "زيدون" يقبل أن يعرض نفسه لهذا الصراع، لهذا (الانحراف) في سلوكه لصالح المجموع/ لصالح الشعب، لكن هذا القبول، لم يأتي مرة واحدة، جاهز، بل يمر بحالة من المخاض، بحالة من الألم، من العذاب، فهو يرد ذاته أن تبقى نقية وصافية، متفقة ومنسجمة مع الطبيعة الإنسانية من جهة والطبيعة الجغرافية الفلسطينية، "ـ ولكني لا أريد أن أعتاد القتل" بهذا القول يرد على رفيقه "ناجي" اعتقد بأن هذه الإنسانية أهم ما يميز شخصية "زيدون" فهو إنسان وليس قاتل، ليس مجرم، ويرفض أن يتحول إلى قاتل أو مجرم.
الاحتلال
الاحتلال يمثل اكبر شر وقع على الفلسطيني، فسلوكه العدواني يمس كافة جوانب الحياة ويحولها من حالة الهناء والسعادة إلى حالة تنغيص وعذاب، يحول الحلم إلى كابوس، يحول الجنة إلى جحيم، "...أن الأرض التي يسعى سليم العيسى إلى تحويلها إلى جنة خضراء ظلت عرضة لعواصف الاقتلاع التي تهب من جنازير الجرافات الإسرائيلية المتمركزة في ثكنات على أطراف الدير" ص15 هذا المشهد يشير إلى جرائم الاحتلال التي يمارسها بحق الفلسطيني، مما يتوجب عليه مقاومتها بالشكل والأسلوب الذي يجده مناسبا، وهذه المقاومة لا بد لها من رجال، من نساء، يقومون بواجبهم اتجاه انفسهم وشعبهم.
لكن الاحتلال لا يكتفي بهذا الفعل على الأرض، بل يقوم بقتل الإنسان الفلسطيني كما يقوم بقتل الأرض الفلسطينية، يصف لنا الراوي مشهد الدمار والقتل على حل في عيادة الدكتور عزيز (حكيم الثورة) "كانت رائحة اللحم المحروق تنبعث من بين الانقاض. ورجال الاسعاف يجمعون الاشلاء من أطراف ورؤوس ويكومونها جانبا، أنها أشلاء المرضى من النساء والأطفال ممن جاؤوا طلبا للعلاج لحظة القصف" ص53، مشهد قاسي ومؤلم، يمثل وحشية وبطش الاحتلال.
هناك الصور الموضوعية قدمتها الراوية، بعيدة عن تلك الصورة التي جعل من المحتل مجرد آلة للقتل والدمار، صورة أخرى تعريه كمحتل وترفع من شأنه كفرد، كإنسان، فعندما يتم قتل "زيدون" من قبل حفيد الهلالي نجد ضابط الاحتلال يتحدث عن "زيدون" بهذا الشكل:
"ـ كان عدوا شريفا قاتل بشجاعة وعلمنا دروسا في أخلاقيات الحرب، الكثير من الإسرائيليين لن ينسوا زيدون الرفاعي الذي حافظ على حياة مريام وأولادها في وقت عمت فيه الكراهية والأحقاد بين الشعبين" ص207، بحمل هذا الكلام انصاف للفلسطيني وللاحتلال معا، فهو يقدمنا بشكل ايجابي، بشكل إنساني، ويقدم كذلك ـ أفراد ـ من المجتمع الإسرائيلي بشكل ايجابي، إنساني، لكنه يعطي صورة الوحش المدمر للاحتلال، فما قاله الضابط " بشجاعة وعلمنا دروسا في أخلاقيات الحرب" يحمل بين ثناياه الاعتراف ضمنا بفقدان الإنسانية من قبل هذا الاحتلال.
اعتقد بأن هذه الموضوعية في تقديم الآخر تخدم جمالة الرواية، فهي لا تسعى إلى تهييج المتلقي وإثارته بأي شكل من الأشكال، بقدر تقديمها صورة واقعية عما يجري على الأرض، وكأن الراوي أراد منا نحن القراء العرب وأيضا أراد من المتلقي الآخر ـ المحتل ـ أن نتقدم من سلوك "زيدون" العدو الشريف، وأن لا نكون مجرد أداة للقتل والتدمير كما يفعل جيش الاحتلال ومستوطنيه والبعض منا، وهذه الفكرة من الافكار السامية التي تحملها الرواية.

القبلية والتنوع
نقد الفكر الدارج والمتعارف عليه يعد عملا متمردا، لما يترتب عليه من تعرض الكاتب لهجوم/لنقد/للتجريح/للتهديد من الداعمين لما هو قائم والمعارضين لأي عملية تغير نحو الأمام، الراوي يعمل بكل جهد للتخلص من فكرة العائلة/القبلية/العشيرة، فهو يدعو لمجتمع مدني علماني يتساوى فيه كافة افراد المجتمع، بصرف النظر عن انتماءاتهم العقائدية أو الفكرية.
العديد من احداث الرواية كانت تقاوم وترفض الفكر القبلي، وقدمت لنا نماذج رائعة عن المجتمع المدني العلماني الذي يتشارك فيه كافة شرائح المجتمع في خدمة مجتمعهم، فعندما تم اصابة زيدون هو يحاول الهرب من دورية الاحتلال كانت "ميليا" المسيحة هي المنقذ له، وهي من قدم له الرعاية الصحية إلى أن تم شفاؤه تماما واستعاد كامل عافيته، ونجد الاستاذ "جورج" الجامعي يعمل بكل اخلاص وتفاني في بناء جيل الشباب وتقديم كل المعرفة لآزمه له. وعندما يتم هدم بيت "زيدون" نجد "ميليا تقوم بهذا الفعل، "...أول وفود التضامن من خارج بلدة الدير قادته ميليا عطا الله على رأس وفد كنسي، وتلاه وفد يضم جورج سالم ويوخانان كمحي وإبراهيم نصري وسامي كيلانية يتقدمون وفدا كبيرا من طلبة الجامعة، تزامن مع وفد من متضامنين أوروبيين وأمريكان وإسرائيليين جاؤوا ليوثقوا معالم الجريمة الشنعاء كما وصفها رئيس الوفد" ص216، بهذه التعدد والتنوع يمكن للمجتمع أن يتقدم إلى الأمام بسهولة ويسر، بينما عندما يكون في مجمله على (دين رجل واحد) فسنجد العديد من الموانع التي تحد من خدمة المجتمع وأفراده، فمثلا لو كانت "ميليا" مسلمة لمنعها فكرها الديني من انقاذ "زيدون" لما فيه من تعارض مع مفهوم الخلوة بين الرجل والمرأة، لكنها كمتدينة مسيحية وجدت في انقاذه خدمة للدين الذي يدعو لمساعدة المحتاج أولا، ثم له كإنسان بحاجة إلى مساعدة وعناية خاصة، وهذا لا يتعارض مع الفكر الديني الذي تحمله، فهو دين وجد لخدمة الإنسان، وليس الإنسان لخدمة الدين.
وإذا تأملنا في الاقتباس السابق نجد الحضور الإنساني فاعل ومؤثر، بصرف النظر عن القومية أو الانتماء العقائدي/الفكري، وهذا أيضا يعد تطرح تقدمي يتجاوز مفهوم الفكر القبلي/العشائري.
يقدمنا الراوي من المجتمع المدني العلماني بهذا القول: "ـ شعبان؟ من قال إننا شعبان؟ نحن شعب واحد، اسمه الشعب العربي الفلسطيني، مسلمين ومسيحيين ويهود، هكذا كنا وهكذا نحن" ص86، قد يعارض البعض هذا الطرح، لكنه في حقيقة الأمر هذا هو المجتمع الفلسطيني الذي كان موجودا في فلسطين قبل قدوم الحركة الصهيونية، فالاحتلال هو من أوجد الفوارق العقائدية ثم الطائفية ثم القبلية، لكن المجتمع الفلسطيني كان وما زال فيه التنوع والتعدد المذهبي والعقائدي، وكل من لا يقبل بهذا الأمر هو شخص يعمل على خدمة المخطط الصهيوني الذي يدعوا ويعمل على إحداث هذه الفجوات داخل المجتمع.
تناول الراوي للدين المسيحي وللمسيحيين في العديد من فصول الراوية يشير أيضا إلى أهمية التعدد والتنوع في المجتمع، "في هذه المرحلة ظهر على الناس فلاح من بيت جالا عرف باسم (أبو نيقولا) أحبه الناس بسبب مهاراته في فنون البستنة من جهة ولطفه ودماثة خلقه من جهة أخرى، فتح له الناس قلوبهم، فشاركهم خبزهم وملحهم" ص12، فمثل السرد يدعو ـ بطريقة غير مباشرة ـ إلى اهمية التنوع لمذهبي والعقائدي في المجتمع، وايضا يؤكد المشهد السابق على أن طبيعة المجتمع الفلسطيني الذي يعيش وينتشي ويتقدم بهذا التعدد والتنوع، من هنا تم وصف حالة الناس الذي أحبوا "أبو نيقولا" وأصبح جزءا منهم، رغم أنه ليس من بلدتهم، لكن طبيعة الفلسطيني الذي تمرس في الحياة المدنية، يتعامل بكل سلاسة وعادية مع نفسه.
لم يكتفي الراوي بهذا المشهد العادي، بل أراد أن يقدم لنا كيف يتصرف المسيحي عندما يشعر بالخطر، فهو كأي مؤمن يلتجئ إلى الله ليساعده ويخلصه من كربه، وهذا ما فعلته "ميليا" عندما وجدت "زيدون" المصاب أمام سكنها، " ـ يا أبت الذي في السماوات، يا يسوع المخلص!
صلبت على صدرها تبركا له، وحين زالتها رهقتها واستعادت رباطة جأشها، حمدت الرب أنه ما زال حيا" ص39، تعمد الراوي أن يسرد كامل التفاصيل التي فعلتها "ميليا" المسيحة لكي يقربنا من هذا الفعل، من هذا السلوك الديني، فهو أمر غير عادي، غريب لمن هم غير عارفين بالدين المسيحي، لكن تقديمه بتفاصيله الدقيقة يجعل المتلقي يشعر/يعلم/يعرف بوجوده أولا، وثم يتقبله دون وجود موانع أو استغراب، فلكل دين اصحابه الذين يخدمونه ويقومون بطقوسه.

وعندما تم الحديث عن مقتل "زيدون" على يد حفيد الهلالي وجدنا عقم فكرة العصبية العائلية/القبلية التي تخدم المحتل، وهي من تقدم له خدمة جلية، فقد أراحت المحتل من جريمة القتل، وجعلته بريء منها، وتم تحميل وزرها لعائلة الهلالي، فهل هناك ما هو اخطر على المجتمع من الفكر القبلي؟
المفارقة بين الفلسطيني والمحتل
الرواية تتحدث الفلسطيني "زيدون" الذي يقوم بثلاث عمليات قتل، الأولى كانت بحق الضابط المتقاعد "مورالي" الذي عاث في الأرض فساد من خلال تعديه على الأرض والحيوان والإنسان الفلسطيني، والثانية بحق عميل الاحتلال "الهلالي" والثالثة بحق ضابط المخابرات "شاؤول" الذي عمل على اسقاط "عزت ابن زيدون" في شباك المخابرات، إذا توقفنا عند الحالات الثلاث نجدها مجتمعة كانت تمثل حالات دفاع عن النفس، والدليل على ذلك بعد خروج "زيدون" من السجن اعتكف في الأرض التي وجد فيها ضالته، فاعتزل العمل المسلح واهتم بأرضه وبعائلته، لكن عندما تم الاعتداء على عائلته وتهديدها من قبل "شاؤول" كان لا بد من إقافه عند حده، لحماية "عزت".
إذن الفلسطيني يقوم بعملية قتال المحتل كردة فعل، كدفاع عن النفس، وما قاله "زيدون" بعد مقتل "مورالي": " هل خلقنا كي نقتل ونقتل؟ متى نعيش بصفاء روح وسلام كشعوب الأرض؟ ولاحظ ناجي عياد اضطراب روحه، وأدرك سر حزنه، فهو يعرف أن زيدون لا يأسف على موت مورالي بقدر ما يأسف على نفسه أن يكون قاتلا" ص21و22، هذا المشهد يشير إلى سعي الفلسطيني نحو السلام والعيش الطبيعي. إذن هناك حالة رفض/امتناع عند الفلسطيني لعملية القتل، فهو يسعى ليعيش على أرضه بحرية بعيد عن الدماء والخراب.
ومن الدلائل على اجبار الفلسطيني خوض عمليات القتل موقف "زيدون" أثناء عملية قتل "شاؤول" فقد اشار/أمر زوجة "شاؤول" وابنه بالابتعاد عن مرمى النيران، فلو كان قاتلا لقتل العائلة كاملة، لكن كان هدفه شخص واحد، شخص المعتدى على "عزت" من هنا تعامل بإنسانية مطلقة مع عدوه وحيد الزوجة وابنها واقتص فقط ممن ألحق الأذى بأبنه "عزت".
في الجهة المقابلة نجد لمحتل يقتل لمجرد القتل، يقتل لأنه قاتل في الأساس، فقد تربى على الحقد والكره والدماء، " من هنا نجد المحتل من خلال شخصية "مورالي" الذي "أذل الناس وسامهم سوء العذاب، دمر زرعهم وقتل اغنامهم وسمم آباؤهم، وآخر جرائمه قتل راع بذريعة أن أغنامه اقتربت من جدار المستوطنة" ص21 فالمحتل يمارس العنف والإرهاب والقتل والتخريب دون وجود أي احساس بالمسؤولية اتجاه الفلسطيني، فهو العنف والارهاب تشكلون معا.
وشخصية "شاؤول" ضابط المخابرات الذي يريد أن ينهي خدمته على حساب كرامة "عزت" وعائلته، هذه المفارقة بين شخصيات الراوية الرئيسية، تشير إلى التباين والتناقض بين دوافع القتل عند كل طرف، طرف يقتل لمجرد القتل، وطرف يقتل دفاعا عن النفس.
هناك أيضا صور لوحشية المحتل، فعندما تم تدمير عيادة الدكتور "عزيز" على رؤوس من فها من أطفال ونساء ومرضى يشير إلى الأرهاب المحتل، "كانت رائحة اللحم المحروق تنبعث من بين الانقاض. ورجال الاسعاف يجمعون الاشلاء من أطراف ورؤوس ويكومونها جانبا، أنها أشلاء المرضى من النساء والأطفال ممن جاؤوا طلبا للعلاج لحظة القصف" ص53، فمثل هذه المشاهد إذا ما تم مقارنتها مع سلوك الفلسطيني لا بد من أن نرجح كفة إنسانية الفلسطيني، فهو يخوض صراع مجبر عليه، ويعمل جاهدا على عدم الحاق الأذى إلا بمن هو مؤذي ، رغم أن المحتل يبقى أذى.
ضمن هذا السياق يمكننا تحميل الرواية ـ ضمنا ـ تحاملها على المحتل القاتل والمخرب، وانحيازها للفلسطيني الذي تعامل بإنسانية مطلقة مع عدو لا يرحم.





المرأة
قلنا في بداية الرواية أنها تتحدث عن كافة مكونات المجتمع، رجال ونساء، فالمرأة دور فاعل يتساوى تماما مع دور الرجل، حتى أنها احيانا تقوم بأعمال تتفوق فيها على الرجل، هناك العديد من الشخصيات النسائية في الرواية "نبيلة" زوجة زيدون، و"ميليا"، و"أمل" حبيبة عزت، هذه الشخصيات الرئيسية، وإذا ما توقفنا عندها نجد شخصية "نبيلة" تقوم بدور يتوازى مع دور "زيدون" فهي من قام بالعناية بالأسرة خلال فترة سجنه، وهي من بنى منزلا للعائلة وزوجها معتقل، وفي خلال فترة مطاردته من قبل الاحتلال واصابته بالكسر مما اضطره أن يمكث عند "ميليا" التي أخذ حاجته منها، كانت "نبيلة" صامدة، تجلد نفسها محافظة على العهد، "وفي أصائل ضجرها حين يشتد حنينها إليه تفك شعرها وتجدله فتتضوع منه رائحة الانظار" ص30، فهي عمليا كانت اكثر أيمانا ومبدئية من "زيدون" الذي خانها مع "ميليا"، وإذا ما أخذنا وصف "وتجدله" كناية عن الاعتناء بجمالها وأيضا يعطي اشارة إلى محافظتها على جسدها في ذات الوقت، بمعنى أنها تتحمل ألمين، ألم الجوع لرجلها، وألم جمالها الذي يريد التحرر/الانطلاق، يريد أن يجد من يلبي طموحه نحو الفرح وبهجة، فهو جمال فتي ما زال بحاجة إلى ماء السماء.
وإذا اخدنا دور "ميليا" كشخصية تساهم في مساعدة المقاومة ضد الاحتلال، إن كان من خلال مساعدتها "لزيدون" وتقديم كافة المستلزمات من طعام ودواء، أو من خلال استحضار الوفود الاجنبية للتضامن مع اسرة "زيدون" التي هدمت قوات الاحتلال منزلها، نكون امام شخصية فاعلة ومؤثرة بشكل ايجابي.
أما شخصية "أمل حبيبة "عزت" فقد كانت الملاذ له وقت الضيق، ويجد في حضورها طاقة روحية استطاع من خلالها أن يتجاوز ضغوط ضابط المخابرات "شاؤول" الذي تم تصفيته.
هناك موقف تعمد الراوي أن يكون خاصة بالنساء وهو عندما تم قتل "الهلالي" وما انطوى عليه من تصعيد بين عائلة الرافعي وعائلة الهلالي، من تطليق النساء، فكان صوتهن فقط هو العالي، الذي يحمل صرخة احتجاج على وضعهن كمطلقات في المجتمع ذكوري لا يرحم النساء
"ـ كان زواجنا أصلا غلطة، وهذه الأزمة صلحتها.
وقالت إحدى المخطوبات:
ـ الزواج الذي تزعزعه مشكلة عائلية غير جدير بالاستمرار أصلا" ص34، بهذا الشكل يتأكد لنا انحياز الراوي للمرأة ووقوفه إلى جانبها، إن كان بشكل مقصود أو من خلال ما يحمله في العقل الباطن، في ألا شعور من مشاعر وافكار اتجاه المرأة.
الشباب
الرواية التقدمية هي التي تعمل/تدعوا/تطرح تحرير عقول الشباب من هيمنة الافكار الجاهزة، إن كانت متعلقة بالعادات والتقاليد أو متعلقة بحالة طارئة، استثنائية، "جمال الهلالي" ابن القتيل ينهي أمر في غالية التعقيد والصعوبة عندما حسم مسألة أخذ ثأر أبيه فقط بشخص "زيدون" وانهى حالة الاضطراب والصراع التي كان من الممكن ان تمس العديد من أفراد العائلتين، "ـ والله لن يتوجه هذا السلاح إلى صدور أهلنا من عائلة الرافعي وعياد، يا ناس قتل أبي على يد شخص واحد وليس عائلة، ولذا فإنني أطلب بحقه من قاتله فقط، وعليه فبهذا الصفح أضع حدا لأرواح ستزهق. انفضوا واتركوا عنكم أحقادكم واذهبوا إلى بيوتكم واهتموا بأولادكم وعائلاتكم" ص36، بهذا التصرف الذي ينم عن حكمة أطفأ الشاب "جمال" نار كان من الممكن أن تأخذ العديد من أفراد العائلتين، لكنه شاب، ويحمل روح اشباب، وليس عقلية الشيوخ التقليدين.
الشخصية الثانية كانت شخصية "عزت" الذي تعرض لأقذر واحنك وأدهى جهاز مخابرات، واستطاع بشبابه وحيويته أن يتجاوزه ويرد الصاع صاعين، ويقتص من المعتدي عليه، بطريقة مذهلة، ضمن هذا السياق يمكننا أن نقول بأن الراوي يهتم ويركز على دور الشباب الفاعل والحيوي في الحياة العادية أو الظروف الاستثنائية.
الاب والأم
من يتابع ما يكتب في الاعمال الادبية العربية إن كانت قصة أو رواية أو مسرحية أو قصيدة، يجدها ـ غالبا ـ تتناول الآباء بشكل سلبي، فهم قرين النظام الرسمي، لكن في الحالة الفلسطينية نجد التناول العام لهم كان ايجابي، "أحمد رفيق عوض" في غالبية رواياته قدمهم بشكل ايجابي، وها هو "مشهور البطران" أيضا يقدمهم بالشكل الايجابي، وكأن حالة الصراع مع المحتل تفرض على أفراد الأسرة أن يكونوا موحدين، فها هو أب "زيدون" يقدم نصائحه للابن "عزت" الذي يستمع باهتمام إلى تعاليم الأب المناضل صاحب الخبرة في الحياة:
"ـ لا تقبل مالا من أحد.
ـ لا تذهب إلى أماكن مجهولة.
ـ تجنب الغرباء الفضوليين.
ـ لا تقدم فائض معلومات لأحد
ـ ـ إذا احترت في اتخاذ قرار ما شاور من تحب.
، أي إسرائيلي يحدثك أو يعترضك أو يطلب منك شيئا يجب أن تخبرني على الفور. ص75 و76، المناضل الذي خاض العديد من المواجهات المباشرة وغير المباشرة وضع خلاصة تجربته أمام الابن الذي يعيش في نفس الظروف التي عاشها الأب، ظروف المحتل، الاحتلال الذي يضع أرنبة أنفه في كل صغيرة وكبيرة، ويسعى للهيمنة على الأرض الفلسطينية وتسخير الإنسان الفلسطيني لمصالحه.
في لمقابل نجد الابن "عزت" وقت الضيق، وقت الشدة لا يجد ملاذا من خطر ضابط المخابرات إلا بالاحتماء بحكمة الأب، "وفي منامه رأى أباه يعاتبه بهدوء المحب ويقول له: سرك ثقيل فكيف استطعت أن تحمله وحدك" ص150، استحضار شخصية الاب في الحلم يشير إلى المكانة التي يحتلها عند الابن ـ في العقل لباطن ـ ، فهو حاضرا حتى في ألا شعور، في حالة النوم.
لكن كيف كان "عزت" يفكر في حالة الصحيان، حالة الوعي بهذا الأب؟ "...لقد أدرك خطورة أن يخبر أباه فهو يعرف أن أباه لن يقف مكتوف اليدين إواء أبنه الذي تجرفه الرياح الخطرة" ص142، الأب هو الحامي المدافع عن الابن والأسرة، فهو موجود لحماية الأسرة وتقديم كل المستلزمات لها، أن كانت مادية أم رواية أم حماية من الخطر الخارجي، فهو رجل وأب، وعليه التزامات ومسؤولية، من هنا وجدناه يقوم بواجباته تماما، فهو من يخطط بحنكة المحارب الخبير ليقتص من المعتدي، وفعلا ينجح في خطته ويتم القضاء على المعتدي، ويقدم درس في الأخلاق للابن وللمحتل معا، عندما يطلب من زوجة "شاؤول وابنها بالابتعاد عن مرمى النيران.
أما الأم التي قدمت بشكل ايجابي، ليس في هذه الرواية وحسب بل في غالبية الاعمال الادبية العربية، فهي تمثل/تشير إلى المظلومية التي يعاني منها السارد للأدب العربي، وهي تتماثل مع حالة الظلم التي تعاني منها الشخصيات المظلومة.
هذه احدى الجوانب التي جعلتها تأخذ الشكل الايجابي، لكن أيضا هناك جانب آخر هو فاعليتها وحيويتها اتجاه الأحداث، فهي أكثر ابداعا من الرجل، وتستطيع أن تجد منفذا إن كان ماديا أم معنويا وبطرق استثنائية، وهي أكثر جلدا من الذكور، وتستطيع أن تصمد وتبتكر اشياء تجعلها مثالا في الصمود والعطاء.
نجد في شخصية "نبيلة" الأم التي حافظت على جسدها وعملت على تربية والعناية بأفراد اسرتها وبناء منزلا لهم، كل هذا وزوجها معتقل عند الاحتلال، فهي تعطي صورة الأم المثالية التي توازي أم "غوركي" وأم "بريخت" الشجاعة إن لم تتفوق عليهما، لكن الراوي يحدثنا عن أم ترى بأم عينيها ابنها العميل للاحتلال مقتولا، فتتصرف بهذا الشكل: "..نودي على الناس ليشاهدوا جثته كي يكون عبرة لغيره من الجواسيس ... كان عرايا تماما، إذ تمزقت ملابسه جراء سحله، وتقرحت جروحه وتعفنت جراء ما لحق بها من تراب الطريق، ومن بين الجمهور خرجت أمه بثوبها الأبيض ووقفت عند رأسه، صارت تبكي وتضحك، ثم خبطت على رأسه واستمرت في البكاء والضحك، حتى اصابتها حالة هستيرية فظيعة" ص54، بهذا الوصف كان الراوي منصفا، يحدثنا عن مشاعر الأم التي ترى ابنها مقتولا ومنكلا به بشكل غير إنساني، وأيضا مشاعر الأم التي تجد ابنا يقوم بخيانة شعبه، فالمشهد يجمع بين الحالتين، حالة مشاعر الأم، ومشاعر الأم الفلسطينية، وهذه الصورة تشير إلى الدقة والانصاف والموضوعية التي تعاطي مع مشهد الأم، الراوي لم يكن مثاليا في تقديمه للأم، فجعلها تبكي، وتقوم بالخبط على رأس ابنها المقتول كتعبير عن غضبها كفلسطينية على هذا العميل، ثم تصاب الهيستريا، هذه الافعال المتناقضة تؤكد حضور مشاعر الأم بقوة، فهي الإنسان الأقرب لنا في كافة الظروف والأحوال.

الرمز
جمالية الرواية لم تقتصر على لأفكار والاحداث وطبيعة الشخصيات الي تناولتها، بل هناك عناصر فنية جمالية تضاف إلى ما ذكر، الرمزية، فرغم أن الرواية قدمت لنا بشكل واقعي، إلا أننا نجد فيها العديد من الرموز التي تعطي النص الأدبي مزيدا من الزهو والأناقة، فالجمالية التي صيغت بها الرواية لم تكن وحدها تبهر القارئ، فقد تم أضافة ما يجعلها متألقة أكثر، إن كان من خلال مشاهد تجمع بين الواقع والرمز، أو من خلال الرمز فقط، من هذه المشاهد مشهد دفن/اخفاء بندقية أب "زيدون"، "... ووجد أباه يحمل (كزمة) ويحفر لحدا في وسط الحوش، وحين أكمل الحفر شمع البندقية وقمطها كطفل، ثم لحدها وأهال عليها التراب، ورش الماء، وداسه بأقدامه ليخفي آثار الحفر.
حزن زيدون على البندقية الميتة حزنه على عصفوره الذي مات في الشتاء الفائت، وتساءل بيته وبين نفسه: هل تموت البنادق كما مات عصفوره؟ يزمها ضن أن العصافير تنبت في الربيع من تحت التراب كالورود التي تزرعها أمه" ص11، من اجمل المشاهد التي تتحدث عن حدث واقعي وحدث رمزي، فهو واقعي بالنسبة للأب/للمتلقي، لكن تفكير الطفل، الخيال الجامح عنده، التحليل والرؤية لديه جعلت الحدث يبتعد عن الواقع ويأخذ المنحى الرمزي.
بعد أن يشب "زيدون" ويقرر استخدام البندقية، يكون المشهد قد أخذ بعدا رمزيا بعيد تماما عن الواقع، وكأن الراوي ذهاب بخالية إلى عالم آخر، عالم تتشابك فيه الخيال مع الواقع، "الآن زيدون مدرك تماما أنه قوي، ويستطيع أن يصل البندقية دون أن يعتلي برمي الماء، ويدرك كذلك أنه في مكان ما من هذا العالم ستعانق الأرض السماء عناقا أبديا، حينها لا داعي للمطر لأن الأرض ن تعطش بل سترضع مباشرة من أثداء السماء والناس سيحلبون الغيوم بأيديهم" ص16، الرمزية واضحة تماما، وكأن كاتبها شاعر يهيم في عالم الخيال والتصوير الفني.
الصور الفنية
ما يمتع القارئ وجود فاكهة ادبية، تخفف من وطأة الاحدث عليه، خاصة إذا تحدثنا عن رواية تتحدث عن احتلال ومقاومة هذا الاحتلال، فالأحداث ستكون قاسية على المتلقي، الموت والدمار سيعم فيها، لكن الراوي الجيد يعرف كيف يجذب القارئ لنصه، فرسم الاحداث بشكل فني يخفف على المتلقي ويجعله يندفع أكثر نحو النص، هذا ما فعله "مشهور البطران" في روايته، قدم لنا العديد من الصور الجميلة ولممتعة، منها هذا المشهد، "وفي أصائل ضجرها حين يشتد حنينها إليه تفك شعرها وتجدله فتتضوع منه رائحة الانظار" ص30 بهذا الشكل يجد القارئ نفسه يخرج من حالة الشدة والقسوة الواقعة على "نبيلة" إلى عالم من الصور الادبية.
وعندما أرادت "نبيلة" أن تبني بيتا لم تكن مستعجله في بناءه، لأن زوجها سيمكث ثلاثين عاما في السجن، قدم لنا الراوي هدفها/نظرتها في بناء البيت بهذا القول: "فهي لا تريد بيتا بقدر ما تريد طحن ثلاثين عاما من الصبر وتخلطه في إسمنت مناعتها وتصبه في الجدران" ص70، التشابك بين الرمزية والواقعة وتقدم كل ذلك بلغة أدبية يشير إلى حالة الابداع والتألق التي يتمتع بها الراوي.
ويحدثنا عن الواقع المؤلم الذي يعيشه "زيدون" في السجن، فهو بعيد عن زوجته التي تشده الرغبة إليها، فكان بهذا الوصف، "...فتضيء خياله بوهج الرغبة، فيغرق في وهاد اللذة، وهو يسبح نحو شواطئ جسدها المبهر، فتتبخر الطمأنينة، أحيانا يشبح بخياله عن عريها المندفع بكل طاقته الإغرائية، يهز رأسه ليطرد الشيطان من فروة رأسه" ص121 و122، تقديم مشهد قاسي ومؤام بلغة أدبية يسهل على المتلقي قبول/تفهم/التعاطي معه، فالطبيعة الإنسانية تبتعد عن مشاهد الألم والعذاب، لكن راوينا أستطاع أن يجعلنا نتقبل هذا الألم والعذاب من خلال طريقة ولغة وصياغة التقديم التي استخدمها.
يعتمد الراوي استخدام اللغة التصويرية عندما يتحدث عن مشاهد العنف، المشاهد القاسية، فهو محترف في تقديم أفكاره، يقدم لنا مشهد موت "زيدون" بهذا الشكل، "سفط على الأرض كأنه جبل ينهار، وتلوى من صعقة النار، حتى هدأ متخذا وضعية عاشق يسترخي على صخرة في الأصيل بين سنابل الصيف الجافة" ص207، كأنه في هذا المشهد مخرج سينمائي أوقف الصورة عند مشهد موت البطل، وضع مؤثرات صوتية خاصة لعظمة الموقف، موت البطل.
الحكم والامثال
أي كاتب يحاول أن يقدم للقارئ رؤيته عن الحياة، "مشهور البطران" ينحى هذا المنحى ويقدم لنا خلاصة تجربته لنا.
"فالثورة تلد أعداءها كما تلد تماما أولادها" ص 22، هذا واقع تعيشه فلسطين.
"ما نفع حياتنا إذا لم تنطو على قدر من الغامرة" ص41، دعوة لتجاوز الروتين ورتابة الحياة
"عدو بهذا الذكاء لا يمكن محاربته بجيش من الجهلاء" ص55، عدم الاستهانة العدو
"أن الإنسان يفنى حين يكف عن الأمل" ص61، ضرورة وجود حلم يسعى له الإنسان
"فالشرف الإنساني لا يقاس بما تغطيه الأقمشة من أجسادنا" ص67، الجوهر اهم من الشكل.
"الشعر خلاصة الحكمة، والحكمة عصارة المعرفة" ص83، أهمية الشعر في حياتنا. الشعر فعل إنساني خلاق.
"كل كتابة في لحظة القلق جميلة، العلم يحتاج إلى عقلاء، بينما يحتاج الفن إلى مجانين" ص84، أهمية الكتابة والحياة الأدبية.
"الحب رفيق الحرية وعدو المؤسسة والملكية" ص85، الحب أسمى من أن نحجمه في شخص/شيء واحد.
"...الإنسان ابن طيع لمفاهيمه، ولذا نحتاج من وقت لآخر أن نقتلع بعض المفاهيم، قبل أن تتجذر، اقتلاع المفاهيم هو اقتلاع قابليتنا للخضوع" ص91، ضرورة تجاوز العادة والتقليد
"الإسلام يكون مهددا في أوقات الركود والنكوص والانغلاق، إذا أردنا ألا يكون الإسلام مهددا فيجب أن نفتح الأبواب والنوافذ على مصرعيها" ص119، دعوة للحداثة
الرواية من منشورات دار فضاءات، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2016.