المرآة الكاذبة

بدر الدين شنن
2016 / 10 / 29

لم يكن شاكر يهتم ، مثل بقية الشباب بالمرآة ، ليطمئن على مظهره ، وليحسن مع توالي الأيام شكله في محيطه . فهو لم يكترث يوماً بشله ، أو بتفاصيل حياته اليومية . فعنده الأيام كلها متشابهة ، اليوم مثل الأمس وأول أمس ، ولا يتوقع أن يأتي غده مختلفاً .

لم يجد ذات يوم دافعاً ، لتبديل علاقته بالمرآة . إذ ليس له حبيبة ، ليتعمد العناية بمظهره قبل لقائها . وليس عنده مناسبة هامة ، كما عند البعض ، تستوجب الاهتمام بنفسه ، بما يليق ومستوى المناسبة . فهو لم يشعر يوماً أنه إنسان مهم ، ومن هم حوله ، هم مثله غير مهمين .

إن حياته الفقيرة ، الخالية من رعاية الأب ، أو ولي أمر ، وعمله المتدني الأجر ، وانعدام فرص التبديل في حياته ، كل ذلك لم يمنحه فرصة للتغيير ، أو يضعه في موقع يتطلب لقاءات هامة . بل فرض عليه الاكتفاء بما يحصل عليه ، من لباس مستعمل ، وطعام فقير رتيب مكرر ، وكذلك عدم التفكير بأي شكل بتحسين مظهره .

غير أن حقيقة نفسه الخالية من الرغبات والأحلام ، راحت مع الأيام تثقل عليه أكثر فأكثر ، وتحثه على تجاوز واقعه ، من خلال طرح السؤال الموجع الذي يحرجه بين وقت وآخر .. كيف يمكن أن يصبح ناجحاً ، مثل جلال الذي صار ضابطاً في الشرطة ، وحسين الذي صار سكرتيراَ لمحافظ المدينة ، وأحمد الذي صار طبيباً .. وهشام .. وزكريا .. و .. و . وكلهم كان مستواهم في الابتدائي والإعدادي ، أقل من مستواه ، في الدراسة ، وفي نتائج الامتحانات . وكان يعقب ذاك السؤال الآتي من قاع البؤس والاكتئاب، بسؤال مخيف .. وأكثر وجعاً ..
لماذا خلقه الله في عائلة فقيرة .. وجعله يتيماً يكابد مذلة وحرمان اليتيم .. وخلق زملاءه في عائلات ميسورة الحال .. أو غنية ؟ .. ولا يتلقى جواباً من أحد .. لأنه لم يجرؤ على طرح هذا السؤال على أحد .

وانتسب إلى ناد رياضي ، لعله يصبح قوياً . لكنه بعد وقت مديد من التمارين الشاقة ، لم يشعر أن إضافة هامة قد طرأت على حياته .. وظل يشعر بالضعف .

وتعرف على عدد من الهواة في عالم الفن ، واندمج معهم . وحاول أن يكون بينهم مفيداً وبارزاً . لكنه فوجي ء بقيام الجهات الأمنية بفرط أنشطتهم .. وفرطت بداخله أجواء الأحلام الفنية .

وجاءته فكرة أعجبته . وصمم على تنفيذها . وهي ، لماذا لا يعتبر نفسه كما يتمنى . أن يكون مثلاً ، ضابطاً تلمع النجوم على كتفيه ، أو مثقفاً مرموقاً ، يتأبط الكتب والمجلات ، ويجلس في مقاه يسودها الصمت ، أو النقاش الهامس الهادئ ، أو مسؤولاً مهاباً في الحكومة . آخر ما خطر له ، أن يكون زعيماً سياسياً ، يشار إليه أنى كان ، ويحلق في المناسبات بتصريحاته ومناقبه . ولتحديد خياره المناسب ، فكر مشحوناً بشيء من الحلم والوهم ، أن يلجأ إلى المرآة ، ويتمظهر أمامها ، ويتماهى بأشكال الأشخاص الذين وردوا في أمنياته . وتصور أن المرآة ستعطيه الصورة طبق الأصل .

وسيطر عليه احتمال التطابق مع المرآة ، لمعرفة الشخصية التي تليق به .. ويسير بين الناس .. وهو يراقب نظرات الإ عجاب به .. واهتمامهم به . إلاّ أنه ظل عدة أشهر متردداً .. خائفاً .. أن تلعب المرآة دوراً معاكساً فتخذله .. ويندم .. ويعود البؤس إلى نفسه أكثر رسوخاً وألماً .

وبشكل عفوي تماماً ، دخل على عالمه ، من أوحى له متابعة أمنياته .. بلا مرآة .. بل بالفعل المباشر . وكان ذلك الجديد ، زميل انضم إلى القسم الذي يعمل فيه .
وكان الزميل الجديد شخصاً لافتاً .. بوده وتواضعه مع الآخرين . وبدا أنه شخص غير عادي . واستغرب كيف ينخرط من هو مثله في العمل معهم .. ويقبل معاملته كأي عام بسيط .
وبالفعل لم يكن شخصاً عادياً ..

وخلال مدة وجيزة .. وجد شاكر نفسه وسعد .. في صداقة نادرة مميزة . وعرف أن سعد ، يفهم بكل الأمور .. في الثقافة .. والسياسة .. والمعلومات الهامة . لكنه فاجأه .. لما نفى أن يكون حاصلاً على أي شهادة علمية عليا .

إذن من أين وكيف حصل سعد على كل هذه الثقافة والمعرفة .. وكيف له أن يكون بهذا التواضع الجميل .. ؟ ..

وغامر شاكر وقال في سره .. إنها المرآة . لاشك أن مرآته عكست له هذه الشخصية وهو قبل بها . وبدأ يحاول أن يجد السؤال المهذب ، ليوجهه إلى سعد .
ووصل شاكر إلى مبتغاه فعلاً .. وسأل سعد في جلسة حميمية خاصة .. وأجاب سعد ..

إن الإنسان يكبر .. لما تكبر غايته .. ويعمل بداب لبلوغها .. أنا صنعت ثقافتي بنفسي .. تجاوزت حرماني من الشهادات العليا . ونلت شرف شهادتي من الناس الطيبين الذين أعيش معهم . وصنعت عالمي .. واخترت طريقي .. وبلغت موقعي بين الناس .. باحترامي ومحبتي لهم .

وسأله شاكر متلعثماً .. والمرآة .. ألم يكن لها دور .. ؟ .
ضحك سعد وقال :
- بلى .. لكنها كما تراها أداة جامدة .. وهي تعكس حضورك أمامها كما أنت .. لاكما تريد . ربما تفاعل الشكلين المتقابلين للشخص عبرها ، يحرك مشاعر مضمرة في النفس ، فتعكس بالنسبة للبعض النادر الشكل المطلوب . لكنك إن تصورت أنها أداة يمكن أن تعطيك الصورة التي تريدها أنت ، فأنت تحاول نيل السراب .. وتكذب على نفسك .. وهي تكذب ..

مثل رجل الدين ، الذي يعتقد أن الناس تصدقه لغزارة معلوماته .. وهو يكذب .
ومثل المثقف .. الذي كلما أمعن بتحريف الحقائق .. والمنطق ،، والتاريخ .. مقابل المال ، يعتقد أنه يبهر الناس .. ويحتل مكانة محترمة بينهم .
ومثل السياسي المتزعم ، الذي يبيع وطنه مقابل مطامحه ومصالحه الشخصية .. ويدعي الوطنية .

واقترب من أذن شاكر وهمس له :
- مثل الحاكم المستبد .. الذي ينشر القهر والخوف والفساد ومذلة العيش .. ويمن على شعبه بالاستقرار ، والعدل ، والازدهار .
استغرب شاكر همسات سعد وقال له بصوت مسموع :
- وهل يوجد حولنا حاكم غير مستبد ..
وضحكا معاً .. وضحك معهما بعض الزملاء .

وغاب سعد أسبوعاً عن العمل .. وتلته أسابيع . ولما سأل شاكر عنه .. قيل له بتوجس لماذا تسأل .. ألا تعرف .. الأفضل ألاّ تسأل .
وسأل :
- متى يعود ؟ .
- إن مثله يغيب ولا يعود .. وإن عاد بعد مدة لا تقدر ، نكون نحن قد بلغنا التقاعد ، ولن يجدنا هنا .

وقال شاكر في نفسه .. أية مرآة هي مرآتك يا سعد .. ؟ .

وعاد إلى مرآته .. وقف أمامها .. وثبت بصره عليها . وتمنى أن تعكس له صورته متماهية بإحدى الشخصيات ، التي يتمنى أن يكون إحداها .
لكنها لم تعكس سوى مشاعره الكئيبة .. المتناقضة .. التائهة .. في سراب الرغبات الكسولة .

وجاء بمطرقة .. وبحركة انقضاضية .. حول المرآة إلى شظايا .

وتساءل بداخله .. هل كسرت مرآتك يا سعد .. وفي أي وقت من عمرك صارت مرآتك شظايا ..

واستعاض عن المرىةالكاذبة .. بعقله .. وإرادته .. وبحثه بدأب عن ماهيتهه .. وقدرته .. وعن أية خيارات ..ودروب ينبغي أن يسلكها .