الشخصية برأي آخر -4-

إبراهيم الوراق
2016 / 10 / 29

تتمة (المقال الأخير)
وأعود هنا إلى الشخصية، فأقول: إن تحديد مفهوم الشخصية في المشخص الظاهري، هو سبيل مورود لكثير من الأنظمة الفكرية، والثقافية، والاجتماعية، لكونها تنظر فيه إلى الأثر الناتج عن فعله، وسلوكه، لا إلى ما يكمن وراءه من أسباب دنية، وعلل خفية. فقد يكون الفعل جميلا في نظر الراصد للصورة في ظاهرها، ولكنه لا يدل على حقيقته إلا عند من اكتشف منها باطنها، لأنه هو الذي يعرف كيف تنسج خيوط الانفصال بين ما هو مشاهد بالحقيقة، وما هو منظور بالتجلي. كلا، بل يدل ذلك على وجود مقصد ذاتي متكون في عمق هذا الإنسان الذي يرشح بما هو حريص على إخفائه، وإضماره، وهو تلك الروح التي ينفخها الإنسان في الأشياء المسئول عن أثرها التزاما منه برعاية ما عنَّ للناس من نظام يدبرون به أمر المستحيل، وهو خلاء الأرض من لصوص يسرقون الفرح، ويعولون بالفضل، ويذودون عن الخلق صونا للذات من أعاصير تعري ما وراء الأقفاص من مكنون، ومظنون.
ومن هنا، فإننا إذا أفلحنا في أن نخلق بين أحشاء الأشياء روح صفائنا، ونقائنا، فلا محالة، ستكون أثرا جميلا في حياة الإنسان، ومعنى خالدا في الكون. فلا غرابة في ذلك، إذ كثيرا ما يعلل الحدث في العقول بما ظهر لهم عليه من علل سافرة، وأسباب بارزة، ولكن تختفى فيه العلة الحقيقية التي تمنحه الوجود، فيصدِّق الناس بريق ذلك الفعل المحجوب بظاهر يستر كمائن الخداع، ويكذِّب المخدوع كل فعل لم يظهر سره الذي يعري قصده، وبذلك تتقد نيران الصراع بين بني الإنسان، وهم في الأصل قد وجدوا بدون خداع، ولا قناع. ومن هنا، فذات ذلك الفعل المؤثر بأثر معين، هي عينها التي سيظهر على شاخصها مَا نفخ فيها من معان. وإذا ظهرت على حقيقتها، فإنها تفسر تفسيرا يستدعي الحكم في حدود دلالة الفعل على الاعتقاد المدبر لهمة الإنسان، وجهده. لكونها تعبر عن المقصد المكنون في الباطن، ولو ألبس الظاهر خُنف العفة، وسمل الزهد. وكثر ما حصل الاغترار بالأشياء القبيحة، وهي تختبئ خلف الظاهر البارز، ثم اختل الربط بين ذات الشيء، وذات الإنسان، وكان من اللازم أن لا يحدث التنافي بين عمل القلب، وعمل الجوارح، فأدرك بعد طول زمن خطأه في الإدراك، والوعي، ثم انتهى به المآل إلى كره ما أحبه، وذم ما مدحه. وإن كان هذا التغير غير مستقيم في عقل الحكماء، لأنهم يحكمون على جنس البشرية حكما مستقلا عن الآثار، فلا يرون ما يلتبس عليه إلا دليلا في جواز وجود الفعل، ونقيضه، ما دام هذا المكلف مطالبا بالجري وراء قاعدة التكوين المنوطة بالأشياء المتعارضة حكما، والمتباينة أثرا. فهي لم توجد محضة في معنى، ولا صرفة في حكم، بل يعتريها ما يشوب الإنسان من أحوال، وما يفور فيه من أفعال. وعلى هذا، يكون الحكم عليها مرتبطا بالذات المقابلة لها، لأن الحكم عليها في ذاتها، يتطلب أن يقال عنها موجودة، أو معدومة. وما عدا هذا الحكم، فمآله هذا الكائن، العاقل، الفاعل، المنفعل، ومرجعه تغير الوارد على ما ينطبع فينا من قبح، أو جمال.
إن الخوض في مخاض نشأة مفهوم الشخصية، لن يجعلنا ندرك لها سبيلا واحدا في الشرح، والتفسير، ولا قولا واحدا يجوز لنا أن نعتبره الرأي الفاصل. فهي تقتضي الاختلاف، لوجودها بالإنسان الذي هو محلها باطنيا، وحضورها في كليات حياته الظاهرية، بما تقتضيه ضرورة الانسجام مع السياقات الفكرية، والأنماط الاجتماعية. وهكذا حال البشرية منذ النشأة التي وجدوا بها قضاء، فهم مختلفون دائما، وفي اختلافهم سر البقاء، وفي تنوع الحكم عليهم، دلالة على شساعة التكليف التكويني في الأشياء، وفي الإنسان. وعلى هذا، تكون الشخصية تعبيرا عن ماهية الذات، ويقتضي ذلك الاختلافَ في الهويات، لكون ما كمن فينا من طاقات، ليس منتهيا إلى حد واحد في وسيلة ارتباطه بظهورنا على الأرض، بل خلق الله فينا خلقا همهم تفل الحديد، وخلق الله فينا خلقا همهم ترص الطين. وهما ضروريان في تركيب الوجود البشري، لكن اختلافهم في الصورة الظاهرية، تبعا لتعدد المهاد، وتنوع المحاضن، يؤدي بنا إلى دراسة معنى آخر في الإنسان، وهو بعده المعنوي الذي يشكل الوحدة الروحية لكل الطاقات المستوعبة للبشرية، وهو الذي يؤثر في الظاهر بالانفعال، والانطباع، ويوجهه في عملية التكييف مع ما عداه من أنماط، وسياقات. ومن هنا، فإن هذا المؤثر في غيره، هو الذي يحدد الشخصية في اختلاف أدوارها بين روابط التكليف، ويجعلها قوة مادية تقدس المعاني الباطنية، وتمجدها، وتحتمي بها إذا دهمها خطب يريد غمسها في غمرة المادية. وذلك ما يجعل لمفهوم الضمير أثرا، وللاستقامة عمقا، وللكرامة معنى. وإذا تخلف الركب بالناقص عن رتب العوالي، فلا يغتل كل المعاني المجهولة عنده، لكي يجعل نقصه قوة في الاستحواذ، والاستبداد. لأن كثيرا مما نظهره من قوة، أو ما يظهره الأقوياء من فتوة، لو فحصناه بعين الإدراك الحقيقي، لوجدناه عجزا يدبر الإنسان سر ألمه بإخفائه قهرا، وكرها.
وبناء على ما قلناه، يتبين لنا أن الضعيف له شخصية معينة في الوجود المباين، لكونها تابعة للمشخص الذي يظهر للعيان، ويكشف فعله من خلال تكليفه في النظام العام بأوامر، ونواه. وهذا مما يمكن الجزم به أولا، وثانيا: إن الشخصية الضعيفة، لا يرد عليها النقص من كونها غير مهيأة لقبول الترتيبات الاجتماعية، بل يفد عليها من جهة كونها تحتوي على نقص داخلي، وعجز باطني، وتنطوي على وحشة، وغربة. ومثل هذه الشخصية، قد يمكن لها أن ترتقي السلم التراتبي في الوظائف البشرية، لكن توليها لذلك لسبب حادث في صيرورة التناقضات التي تنبني عليها كثير من المعادلات الحياتية، لا يعني امتلاكها للقوة التي تجعلها مؤثرة في غيرها، وفاعلة في مجتمعها، وناهضة بأعباء واقعها، بل هي منفعلة لمقتضيات الصور الذهنية التي تتحكم في البناء النفسي والمعرفي للشخص، ومتأثرة بما يستولي على الحياة من عقود تنظم حدود الشخصية الجماعية. ومن هنا، فإن الضعف لا يأتي من الخارج، بل مهد ولادته الداخل، ومحضن نشأته الباطن، وإذا استوى، واقتوى، كان أثره سيئا في بناء الإرادة الموجهة لحرية الإنسان في اختياراته، وتطلعاته. وإذ ذاك لا ينتظر منها أن يكون لها أثر، تفرضه القناعات الذاتية، وتلزمه الالتزامات الشخصية، وإنما تسير بسير من تراه أكمل، أو من تلاحظ فيه قوة تتعزز بحدتها، وتنتصر بشدتها. ولذلك، فالشخصية كائن موجود، ومهما أسرفنا في نفي ذلك، ورفضه، لأن استواء ميزان الفضيلة، والرذيلة، لا يستقيم إلا بوجود الضدين. وكل واحد منهما له دور في التكليف بالخير، والتجريح بالشر.
إن أعظم ما تتسم به الذات العاقلة، هو القلق، والسؤال، والشك، لأنها تبني ذاتها من يقينياتها التي توطأت عليها تجربتها، وخبرتها، وتواءمت معها رغباتها، ونزواتها. وذلك مما له أثر على استواء الإنسان، واعتداله، واكتماله. وإلا، فإن وجود هذا اليقين، لن يكون له معنى، ما دام لم يعتصر الذات في مخبآتها، والحياة في مضمراتها. وإذا لم يتم اليقين من التيقين، كان ذلك المعنى سادرا في العماء، والخواء. إذ لا يمكن أن يوجد إلا بإرادة، وأداة. وذلك ما يتحقق مناطه بالقلق من المجاهل الحالكة، والسؤال عن الغوامض الغائرة، والشك في العوارض الكاشحة. وكل هذه المعاني تفتقر إليها شخصية الضعيف، لأنه أسس كثيرا من محدداته على المسلمات البدهية التي تتوافق مع الذات العاجزة، وتتلاءم مع الآمال الخائبة. ومن هنا تنحسر طاقته عن العطاء الجيد، وهمته عن الشأو الأشد، وينزوي دوره في المجتمع، وينطوي على كره لذاته، وواقعه، فيتحول بذلك إلى عبء ثقيل على كاهل الأمة، لأن الضعيف إن لم يستكن لضعفه، وغالى في رفضه بدون تقوية لموارده، فلا محالة، سيكون ضررا على غيره، وشرا مستطيرا في مظهره، لأنه سيسلب غيره قوتَه، وسيحرم الآخر حقه، وسيهدم قانون العدالة على أرضه، لاسيما في زمن فقد المعنى، والجدوى، وإذا تمكن منها بالسرقة، أو الاغتصاب، أو الإدعاء، فلن يأتي منه شيء يفيد الإنسان، ويحرره من نوازعه غير المهذبة. إذ لا يفيده في الحقيقة، إلا ما أضاف إليه شيئا يكون به جديرا على استحقاق الطوبى في الوجود. وهل يمتلك الضعيف اكتفاء حتى يفضل عنه شيء يجود به على غيره.؟ بل هل يمتلك طاقة ينفخها في روح الأشياء حتى تسير بسيره.؟
إن الضعيف، إن لم يكن مجيدا لفن مقاومة ضعفه، سيبقى أسيرا عزلة ذات يلبس لها كل يوم بزة جديدة، لكي يراها عليه حسنة، ولكنه إذا شاهدها في المرآة، ظهرت له قبيحة، ثم يخلع ذلك رغبة في التفصي، عساه أن يجدد العهد مع ما يراه قابلا لستره، ومظهرا لزينته. ولذا، لا يمكن لنا أن نحصل على نمو العقل البشري، ليتمتع بقوانين تفكيره، ونواميس طبيعته، إلا إذا حاربنا هذا الضعف في عمق الإنسان، فيحس بأنه كائن قوي بذاته التي يملك مفتاحها، وهو التعبير عن همتها، وعزيمتها، وإحداث الفعل بقدراتها، وإمكاناتها، وإذا جابهنا ذلك الخلل بإيقان الذات بها، فلا يعيبنا أن يكون الضعفاء لقدرة من الأقدار معنا، أو أمامنا، لأن القوة التي تنمي أحداثنا كلها، هي الطاقة التي تجمعنا جميعا، من غير أن يزعم أحد أنه يملكها، أو يستحوذ على كثير منها. وتلك الطاقة، هي التي تعلمنا كيف نبحث عن سبل السعادة، والهناءة، وهي التي تجعلنا نوقن بالتطور الإنساني، وانتقاله من دائرة الحيوانية إلى بحبوحة الإنسانية، حيث تكون شعارَنا كليةُ الحب، والتعاطف، والتراحم.
هذه الطاقة التي تربط بين الإنسان وعلاقته بهويته، هي التي غفلت عنها كثير من الدارسات المفسرة للإنسان بمقتضى مادته المتحركة، والمُدرَكة، لأن ذلك مما يقصي جزءا كبيرا من مسحات وجداننا وعواطفنا وأفكارنا التي تبني عندنا مفهوم الأنا. ويعني هذا أن خيط التواصل بالآخر، سيكون أحادي الوجه، إذ انغماس الإنسان في الجماعة، لن يتم إلا بعد تشكيل الأنا الفردي، وهو القادر على وصل الحاضر بالمستقبل، والتاريخ بالحضارة. فلا غرابة إذا كان الأنا، هو الذي يقودنا إلى الأمام بطريقة مستمرة، لأن تحقيق الجماعة، ما هو إلا أنا في الذات، قبل أن يكون مناداة بالنظام الجامع للأنانيات في مركب جمعي.
وعلى هذا الاعتبار، فإن الأنا، هو الشخص بمعنى الذات، أي هو الإنسان الذي يمكن أن يشير إلى الغير، وهو يشعر بالمخالفة الجسمانية، وإن كانت الإشارة إلى أحد الأبعاد، تعني الالتقاء في حد من الحدود. ويعني هذا أن الأنا، هو الذي يمنحنا قوة الاستقلال عن الغير في السلوك الطبعي، ويمتعنا بخصائص اللغة، والعرق، والدين، ويزودنا بالأسلوب الشخصي الذي يتماشى مع ما يحوم حولنا من أحداث، وحكايات، وخيارات، وغايات. وذلك مما لا يجوز لنا أن نغفله في دراسة أنماط الشخصية، لما يدل عليه من وجود نزعة باطنية تخضع لها كل الإمكانات الظاهرية، وهي التي تبني طريق الإنسان، وتؤسس لديه مفهوم المسؤولية التي تميز أفعالنا، وسلوكنا، وتحدد مدارات انتباهنا إلى القصد، والأثر. إذ لا يمكن لنا أن نجد حيادية كل واحد عن الآخر في مكونات ذاتنا، إلا إذا أيقنا بأن قدرتنا على الكسب، هي ملك لنا، تتحقق بها السيطرة على الاختيارات التي تكون محل حكم بالنفع أو الضر في منظومة قيمنا، وأخلاقنا.
وهنا نخلص إلى أن الشخصية الحقيقية، هي تلك الأنا التي تدل على جوهر طبيعة الإنسان، ككائن عاقل، يحمل بين طياته كثيرا من أسراره التي لا يمكن له أن يوجد إلا بها. ويندرج في ذلك كل ما هو جوني، وله أثر الفعل والانفعال والتفاعل في المستوى الظاهري. ولهذا يحق لنا أن نقسم الشخصية إلى نمطين: نمط يعبر عن الطبيعة الماهوية للإنسان، ونمط يكتسبه من خلال تجاوزه لذاته إلى مجالات الآخر. وهذان النمطان، يشكلان الشخصية ببعديها المعنوي، والمادي، وسواء في ذلك القدرات، والكفاءات، والأفكار، والمعتقدات، والغرائز، والانفعالات، والتطلعات، أو ما هو مرتبط بالإحساس الجماعي المتمثل في بناء سياق معين، يحدد بنية المجتمع، ووظائفه، وغاياته. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن آلية الدفاع في الشخصية، تكون ذاتية، قبل أن تتحول إلى سياق جماعي، لأن الفرد يحمي دائرته قبل أن يضحي بذاته في سبيل الجماعة. وهنا يتقابل مفهوم الأنا الفردي، والأنا الجماعي، وكلاهما ضروريان في وجود الشخصية الخاصة، والعامة. إذ لا يستغني الفرد عن الجماعة فيما هو قائم به كوعي مستقل، يتغيى غاية لفعله، وسلوكه. والجماعة، لا يمكن لها أن تقوم إلا بأفرادها، وهم الذين يتجاوزون قفص الذات، لكي يؤسسوا لنظام يمتع كل فرد بحقوقه، ويفرض عليه واجبات تتسق مع الكلية الجامعة للمصلحة المشتركة.
ومن هنا، فإن آلية الدفاع تعني الأنا، أي وجود الشخص بحدود وقيود معينة، وهو في خاصيته يبحث عن البقاء، والسعادة. وذلك المطلب، هو الذي يجعلنا نختلف، أو نتفق، لأنه بحث يشترك فيه الجميع على السواء، وهو المدار الذي يربط بين حركة الفرد، وحركة الجماعة، وهو ما نسميه بالمحيط الاجتماعي الذي يمنحنا هوية الغير في إطار جماعي، يتحول فيه الفرد إلى شخصية اعتبارية، يمثل ذاته، ويمثل غيره. ولذا، لا يحق لنا أن نكسب الفاعلية في تحقيق مشترك البقاء، إلا إذا كنا قادرين على وضع الموازين للقياس بين الأشياء التي مكمنها الباطن، والأشياء التي مظهرها الظاهر، لأن عدم التوازن فيما بينهما، يحدث الخلل في الوظيفة الإنسانية، والاجتماعية. وذلك مما يؤدي إلى ظهور بؤر غير قابلة للعلاج في المجتمعات الإنسانية، وإلى بروز أنانيات متطرفة، تسعى إلى الاستحواذ، والاسترقاق.
وهكذا، تتكون الشخصية الضعيفة، وسواء في ذلك، ما كان قويا بضعفه، أو ما كان ضعيفا بغيره. لأن الاستقامة الظاهرية، تدل على استواء الميزان في الكيل بين بني الإنسان، لكن الاستقامة الباطنية، لا يمكن لها أن تدل على كمالها، إلا إذا كانت بنيتها حاجبة لظاهرها عن رخيص شهواتها، وغرورها، وكبريائها. ومن ثم، فإن الشخصية الضعيفة في المجتمع، إما أن تدل على فساد الألفاظ والمعاني في ذاتها، وإما أن تدل على نتيجة ضعف غيرها، لكونها تابعة لذلك في السياق الاجتماعي الذي يعبر عن الإنسان كأفراد. لأن بناء المجتمع، ولو غالى بعض في اعتباره المهد الأصلي للأفراد، لا يفصح ظاهره إلا عن باطن أفراده. فهو الذي يفرز أمراض الجون المخبوءة، لكي يكون لها أثر في الغير، الذي هو المجتمع كماهية للكل. ولذا لا يكون المجتمع جديرا بالتسمية، إلا إذا كان في وحدته الكلية أفرادا، أي آحادا، يعبر فيه كل فرد عن ذاته بالسوية، ثم يتشكل من مجموع ذلك نمطه الجماعي المقتضي للصيرورة المتوازنة. ولعل ما ذهب إليه الحكماء من كون المجتمع مرآة للأفراد، يسوغه ما قلناه من وجود جدلية بين المجتمع، والأفراد. فمن الغرابة أن يقابل المجتمع بالأفراد، مع كونه دلالة على المجموع. لأن جعله مقابلا للأفراد، هو الذي يمنحنا حق التسلط على الفرد، على اعتباره الفرد الكامل الذي يستحق أن يقابل به المجتمع. لأن الفرد في الحقيقة، هو الذي يجب أن يقابل به المجتمع، لا مجموع الأفراد، لكون كل فرد، لن يكون له أثر إلا إذا كان قيمة في ذاته. وكل قيمة طاقة. وهنا تتقارب الطاقات، وتتكاثف، ويتشكل منها المجتمع الذي لا اعتبار له إلا بوجود أصله.
وفي الأخير، نخلص إلى أن الشخصية الضعيفة ضرر على ذاتها، إذ هي زفيرها المختنق على ظاهرها، وضرر على شخصية المجتمع، لأنها قائمة بغيرها، لا بها، لكونها مجموع الأفراد. وإذا تجاوز الضعف حد الاعتراف بقصوره، وغربته، وسلبيته، أدى ذلك إلى صراع الأقزام، والعماليق. ومن هنا، يكون تجاوز الحد في الطلب مفضيا إلى اعتبار القيمة في هيكل الإنسان، وجعله هو الأصل، فتقاس قوته بطوله، وقصره، لا بقدرته على إسعاف من جعلهم القدر ضعفاء، ومن صيرهم الشح فقراء، يحتاجون إلى جهد الآخر فضلا، وكرما، لا منة على المحتاج، والمجتاح، لأن الفضل درجة فوق العدل، وما عدَل من طلب الامتنان. فكيف به أن يكون ما يسبله على غيره فضلا، وهو لم يجُد إلا لذاته، لا فيها.؟ ولذا، فالشخصية الضعيفة، لا تعلمنا إلا لغة واحدة، وهي الصوت الآن في النفاق، والتزلف، والتودد. وتلك هي الرداءة التي إذا وجدت في مناخ الإنسان السوي، أنتجت ألما صاعقا بين خراب يصوح عليه غراب البين، ويحوم حوله بؤس نال المكان، والمكين.