طقوس الحزن الحسيني في إيران والعراق .. لماذا الإختلاف رغم المذهب الواحد

جعفر المظفر
2016 / 10 / 28


ثمة فرق واضح بين مشهدي الحزن وطقوسه في إيران عنه في العراق والإيرانيون هنا أقل جاهلية بكثير, وسيكون بمقدورنا أن نلتقط من هذا الكثير بعض ما ينفعنا في هذه العجالة دون أن يحتم علينا فتح سجال تاريخي ومذهبي وسياسي عريض.
بداية من الحكم الصفوي جميع الأنظمة الإيرانية كانت قد أدركت حاجتها إلى الثقافة المذهبية بما يخدم مصالحها الإقليمية وبما يتلائم مع الحاجة الداخلية إلى تبريد أو تسخين طقوس الحزن الحسيني خدمة للنظام السياسي ذاته. إن تفاوت صراعاتها الإقليمية مع تركيا كانت تفرض نوعا من التفعيل أو التعطيل, كما أن طبيعة علاقة النظام السياسي مع المؤسسة الدينية الشيعية في الداخل الإيراني كان لها تأثير على التجاذبات التي تتحكم بالمشهد نفسه, ومثل ذلك أيضا فإن طبيعة علاقات إيران مع جيرانها العرب كانت تفرض بدورها التعامل مع محاور الثقافة المذهبية بما يعزز من فرص إيران في التحكم والتأثير على مجتمعات الدول التي يشكل الشيعة جزءا اساسيا من تكوينها الإجتماعي وفي المقدمة من تلك الدول العراق.
وسواء كان الحكم (عليمانيا) كما في عهد الشاه او دينيا كما في عهد الخميني ومن تلاه, ومع حاجة النظام إلى تسخين تلك الطقوس كان هناك حرص على إبقائها بعيدة عن تعطيل الحياة المجتمعية الإيرانية, لكن بما يجعلها تستمر لخدمة الأهداف الأخرى, إقليمية كانت أم داخلية, تناغما مع هوية المتغيرات في المنطقة. إن فرص التقارب بين تركيا وإيران كانت أكثر حظا يوم كان نظاماهما علمانيين وأقل حاجة لتشغيل الطموحات الإمبراطورية التوسعية وخاصة على حساب المنطقة العربية. وكإنعكاس لطبيعة هذه البيئة السياسية بين الجارين الكبيرين صارت هناك فرصا أفضل للسلام الإجتماعي في البلدان العربية المجاورة بما خلق فرص سلام مجتمعي قلل بدوره من فرص التعبئة الطائفية أو من الحساسيات التي تثيرها طريقة الحزن العاشورائي.
إن موضوعة الحزن العاشورائي والعوامل البيئية المحلية والإقليمية المؤثرة عليها تبقى بحاجة مفتوحة لمزيد من البحوث, غير أن ما يفيدنا هنا بالذات هو الوقوف أمام المشهد التالي الذي يختصر طريق الإقتراب ويجعله أكثر وضوحا. فرغم معرفتنا بعمق تعصب الإيرانيين للدين والمذهب, إلا أن علماء الدين وعلى راسهم الخميني نفسه منعوا ممارسة طقوس التطبير والزنجلة وما يرافقها من مشاهد جلد الذات, أما خامئني فقد أصدر قرارا بنزول قوة عسكرية تعدادها خمسة آلاف جندي لمنع موكب تطبير لم يكن تعداده قد تجاوز المائة رجل. إن كبر حجم القوة العسكرية إضافة إلى أوامر إستعمال النار للتصدي للمطبرين يكشف عن حقيقة إدراك أن نمو نزعة بهذا الإتجاه ستعرقل دون شك أية حركة تقدم للأمام وتحول الثقافة الحسينية من عامل تعبوي إلى عامل تعطيلي وأيضا إلى ساحة لصراعات فئوية ضمن المذهب الواحد على شاكلة الصراع بين معتدلين ومتطرفين.
في إيران, ذات الهوية المذهبية الأحادية المتغلبة, فإن كلا المؤسستين الدينية أو السياسية ليستا بحاجة داخليا إلى تشغيل الثقافة الطائفية ورفدها بالمقومات والعوامل التي تساعدها على السيطرة على الطائفة أو الحكم, كما أن طبيعة الصراع تضفي على طريقة تشغيل هذه الثقافة أهمية كبيرة, فالعملية السياسية في إيران, بفعل أحادية المذهب نسبيا غادرت مساحة الصراع على السلطة إلى مساحة بناء الدولة, أما في العراق فالصراع المذهبي الذي يشكل القاعدة الذهبية للصراع على السلطة يعطل قدرة أطراف الصراع على مغادرة مساحة بناء السلطة إلى مساحة بناء الدولة.
هذا الأمر سيجعل معادلة السلطة والدولة تُبنى بإتجاه عكسي. في إيران هناك (سلطة الدولة) أما في العراق فهناك (دولة السلطة). في هذه الأخيرة يكون هَمّ الدولة الإستجابة لِهَم السلطة والتمثل لرغباتها, وليس العكس مطلقا الأمر الذي يشيع لسياسة الإنقضاض الدائم على الدولة كغنيمة سلطة ولا يشيع لبنائها.
في العراق تكاد الأمور تسير بإتجاه مختلف وحتى معاكس بتأثير من ثنائية الصراع المذهبي وتأثير الجوار الإقليمي ذا الندية المذهبية وما يضاف عليه من عوامل مرحلية مؤثرة تتمثل بتسهيل مرور المخططات الدولية وفي المقدمة منها تلك التي تتمثل بالمصالح الصهيونية والأمريكية التي تخدمها بشكل مطلق عوامل التفرقة المذهبية وما يرافقها وما ينتج منها من ضعف وتخلف وإنحطاط, ويساعد على ذلك أن العراق في النهاية هو الأرض الصالحة لنمو نزاع كهذا كونه الساحة التي شهدت الموقعة الأبرز في التاريخ الشيعي وهي موقعة كربلاء ذات المشاهد السهلة على الإستثمار بإتجاهات سلبية طائفية, فهو بالتالي, أي العراق, عبارة عن مسرح مأساوي منصوب وجاهز للعروض الصدامية عند الحاجة.
إن إدعاء المؤسسة الشيعية الدينية في العراق بأنها غير موافقة على طقوس الزنجلة اللطم والتطبير سوف لن يفلح في إخفاء حقيقة أن هذه المؤسسة لم تصل بعد إلى قناعة بضرورة تعطيل ألغام هذه الثقافة, فهذه المؤسسة بحاجة إلى أن تجعل كل أرض هي كربلاء وكل يوم هو عاشوراء, إن يكن بالزنجلة والتطبير, فبتفخيم وتضخيم الثقافة والممارسة العاشورية بإتجاهات تخدم عملية الصراع على السلطة, مما يجعلها على الأقل اكثر إستجابة لإرادة الغوغاء واكثر إنسجاما مع التفعيل السياسي المذهبي, وليس كما هي حال المؤسسة الدينية الإيرانية على صعيد الساحة الإيرانية ذاتها, التي ترى انها ليست بحاجة إلى تسخين المشهد أكثر لإنتفاء الحاجة التعبوية له في غياب ند مذهبي مقتدر, لذلك صار بالإمكان وضع الحاجة المذهبية الشيعية في خدمة الحاجة الوطنية الإيرانية.
أما في العراق فالحاجة المذهبية لدى المؤسسة الدينية ما زالت تتقدم بوضوح على الحاجة الوطنية لذلك يظل من المفيد تشغيل تلك الثقافة بأقصى طاقاتها التعبوية.
ولعل إبقاء الطائفة في مساحة جلد الذات وجعلها (شعبا) يعيش لأجل مهمة محددة هي التكفير عن ذنب جريمة قتل الحسين او التخلي عن نجدته يمنح الجهات المستفيدة من هذه الثقافة, وفي المقدمة منها أحزاب الدين السياسي فرصة إستمرار هيمنتها على الطائفة والبلد, كما يمنح النظام الإيراني فرصا أفضل للهيمنة على القرار الشيعي العراقي بإتجاه يكفل تعطيل الفعل الوطني العراقي ويشتت فرص بنائه بشكل يتقدم فيه الوطني على المذهبي كما هو عليه الأمر في إيران.
ليس هذا فقط فالإيرانيون حريصون تماما أن لا يقعوا في فخ ممارسة جلد الذات التي وقع فيه الشيعة العراقيون بدعوى أن الإيرانيين الفرس ليست لهم علاقة بقضية الغدر التي واجهت الحسين والذي كان أهل العراق مسؤولين عنه بشكل رئيسي. إضافة إلى ذلك وبسبب أحادية المذهب نسبيا, كون الأغلبية الإيرانية العظمى تنتمي للمذهب الشيعي, فإن الأهم هو أن الأحزاب الشيعية والمؤسسة الدينية ليست بحاجة إلى إستغلال القضية سياسيا للتغلب على الخصم المذهبي, أو لإبقائها كإحتياطي حاجة.