النص الملحمي في قصيدة -صدى الإنسان- منصور الريكان-

رائد الحواري
2016 / 10 / 28

النص الملحمي في قصيدة
"صدى الإنسان"
منصور الريكان"
الكتابة الناتجة عن المأساة لا بد أن تكون عميقة وقوية، فالواقع المتردي يدفع بالكاتب للعودة إلى الماضي، إلى اعماق التاريخ، ثم مزج غضبه بهذا التاريخ، فيشكلان معا قوة ضاربة، قوة معتمدة على المعرفة، على العلم، على الارادة التي تتغذى من هذا التاريخ، ثم يطلقها تندفع بقوة وسرعة لكي تكون قاسية وعنيفة على الاعداء واعوانهم.
في حالة الحرب لا مجال أمام الكاتب إلا أن يكون ناريا، يصعق خصومه، يضرب المعتدين بقوة ويعري المتخاذلين، هكذا يكون الكاتب المنتمي، الذي يرفض الواقع، الذي لا يقبل أن يكون بأي شكل من الأشكال ضمن الجوقة التي تهلل للمحتل، أو للفساد والخراب.
"منصور الريكان" شاعر منتمي، وعندما نقول منتمي، نعني بأنه يتحدث/يكتب من صلب الواقع، من بين الدمار والخراب والموت، فهو يعيش في واقع صعب، ومع هذا يكتب أدبيا، يكتب شعرا، وهذا بحد ذاته تجاوز للذات، لما هو عادي، وكأنه بهذه الكتابة يقول: نحن حاضرون، فاعلون على هذه الأرض، أرض العراق، أرض سومر وأكاد وبابل وأشور، وكما كان اسلافنا الذي كتبوا ملحمة الخليقة "في العلا عندما" وكتبوا ملحمة "جلجامش" ها هم يكتبون شعرا، يتحدثون فيه عن واقعهم، عن مأساتهم، وعن أملهم، الذي يستمدونه من التاريخ، من الماضي المجيد، الذين علموا البشرية الكتابة، الذين أوجدوا أول حضارة إنسانية على وجه الأرض.
لهذا نحترم الشاعر "منصور الريكان" الذي يحمل هموم شعبه ووطنه، فهو يريد ان يخلص شعبه مما لحق به من أذى، ولهذا يكتب، قرأت الكثير مما كتبه الشاعر، لكنه في قصيدة "صدى الإنسان" قدم شيء جديد، شيء قريب من الملحمة، فهو يحدثنا عن أمجاد العراق القديم، منذ قام الإله "مردوخ" ثورة على الآلهة الآباء "تعامة وأبسو" مرورا بملوك العراق القديم "آشور بانيبال، أسرحدون، نبوخذ نصر وبالمدن العراقية العظيمة، من زقورة اور السومرية، مرورا ببابل العظيمة والعاصمة الآشورية نينوى، ولا يكتفي بهذا، فنجده يستحضر ملحمة جلجامش التي تقدمنا من العصر الذهبي الذي كنا فيه، فهي أول نص أدبي كامل أوجده الإنسان، وهي أول عمل فكري يتحدث عن الموت والخلود.
في هذه القصيدة يستخدم الشاعر مجموعة اصوات، مما يؤكد وجود روح الملحمة في قصيدته، وإذا ما أخذنا حجم القصيدة سنجد أيضا ما يدعم فكرة القصيدة الملحمة.
إذن القصيدة تسبر أعماق التاريخ وتحدثنا على الواقع في ذات لوقت، لكي نعرف الهوة السحيقة بين ما كنا علية وما أمسينا فيه.
يبدأ القصيدة بالحديث عن هميه الشخصي فيقول:
يستدرجني بالقول المعسول بباب الحانة أمام مضيف بني حرّان الموغل بالريبة والشك وزبانية القصر الآفل قد تلجمني من بلعومي وتهز بيارقها نفياً
توغل
رفساً
........."
من خصائص شعر "منصور الريكان" مخاطبة القارئ، لكي يقربه من النص، وهذا الخطاب مقصود ويأتي عن معرفة بأهمية اثارة المتلقي من خلال الحديث معه ومخاطبته.
بعدها يبدأ في تناول ما آلت إليه الأحوال من خراب، خراب العراق، من هنا وجدناه يركز على الجغرافيا العراقية، على المكان العراقي، فيحدثنا في المقطع الثاني :
" ...
ويصيح أبو ليث المغوار أجيبوا خطويْ
هذا القابع من حرّان قالوا لا ......
وانتفض الدرك وهاج السياف أصاب العابث بالصحراء ودندن فيها الردم برجم حقيقة صورتها المأساويةْ
قالوا ستعيش الآلام ويحف بحرّان مناسك ظل والغابة تلتف القبطي النازل من غضب المصريينْ
ضاع الملك الآشوري بومضة عينْ
وانزاح الشرق لمئذنة الزقوراتْ
آهات تتبع آهاتْ .......
سقطت مملكة وطوائف يا حاضرها ( بانيبالْ )
الليل طويل فليسمعنا ( أسرحدون ) المقتول أباه وهو القاتلْ
أعطف فالمملكة عامرة بالفوضى وتراسل أنباء قبائلْ
والسفّ عليك هو المغزى

اعتقد بأن هذا الشكل من السرد يعد ذكاء من الشاعر، فهو يجذب المتلقي له من خلال الحديث الشخصي، ، ثم يقدم له الهم العام، لكي يشركه فه، ويجعله يسهم في تغيره، فهو يريدنا فاعلين ايجابين، وليس حياديين.


يحدث في المقطع الثالث عما آلت إليه أحولنا:
"(3)
إحترسي يا دمعة عين الفقراء الداعين بأعلى زقورات الوجد إلهيْ
يا ( مردوخ ) يا صاحب نزف الأصحابْ
وعلا فوق المشهد صورة سيدة نادمها التبر لتشهد أخر عرض لصراع الأبطالْ
مات الحوذي الرمالْ
وأناشيد القيل وقالْ
قومي يا ذات العينين الصامتتينْ
هزي شباك بني حرّان أجتزأوا وأغالوا وأصابوا حاضرة الدنيا فالروم على الأبوابْ
وقبائل ( عيلام ) مناهضة للإعرابْ" .

يبدأ حديثه مخاطبا الفقراء، وقود الثورة، فهم الأكثر ضررا مما هو حاصل، مذكرا بأمجاد العمران القديم في مدينة أور السومرية التي تمثل احدى الشواهد الحضارية في تاريخ البشرية، وتعمد أيضا ذكر الإله "مردوخ" الثائر المتمرد على الظلم والرافض لما هو كائن، ليحفز المتلقي على فعل التغير، فالثورة/التمرد صفة لازمت العرقي والثقافة العراقية منذ فجر التاريخ، ولهذا فالعراقي الآن يقوم بتكملة ما قام به الأجداد الذي رفضوا الظلم وسعوا نحو التغير الايجابي.
يستخدم الشاعر لفظ "الروم وقبائل عيلام" كرفض لأي وجود غير وطني في العراق، مهما كانت حجته ومبررات هذا الوجود، فالروم/الغرب، قبائل عيلام/الفرس كلهم يعدوا دخلاء/غرباء على العراق، وعلى العراقي مواجهتهم.
وأحيانا أخرى تكون قصائد "منصور الريكان" تجمع بين الهم الشخصي والهم العام، فهو من خلال حديثه عن همه الشخصي يشعرنا بأننا أصدقاءه، القربين عليه، ولهذا يحدثنا، يخصنا بهذا الحديث الشخصي، وعندها سنهتم أكثر بحديثه:
(4)
تستدرجني ..........
فأنا وبباب الحانة وحدي
ويديَّ تمس الكأس الثاني والخمسينْ
وبقلبي رئة واهنة وكيس من تمر النهدينْ
انتبهي لي حدس أثول أصبت بعينْ
يا تلك الحسناء تعالي ........
لي آلهة خربّها الفأر المتمرس في فوضاي
إستجدي واجهة الله فلك المغزى ولنا النعمةْ
فأنا مازلت المتكوّرْ
وعلى بوابة سلطان عريان يكفرْ
هذا ما يرويه الرجل الهارب من حرّانْ
في زمن الرق والمملكة والإيوانْ"

قد يقول قائل بأن المخاطب امرأة ولسنا نحن، هذا شكليا صحيح، لكنه في حقيقة الأمر يحدثنا عما دار بينه وبين تلك المرأة، فنحن إذن المخاطبين، هو يريدنا أن نقترب أكثر منه، ولهذا كان حديثه خاص، متعلق بالمرأة، وعندما يكون الحديث عن تلك المرأة التي تخصه يعني أن المستمع/القارئ يحتل مكانة خاصة واستثنائية، ونحن ـ القراء ـ الخاصة والمستثنين بهذا الحديث، فعلينا ان نصغي جيدا لما يقوله الشاعر.
المقطع الخامس يتحدث فيه عن الواقع/الهم العالم، لكنه في السادس يجمع بين هم المخاطب ـ نحن ـ، وهم المرأة ـ التي تثير الهمم أكثر وتجعلنا متحمسين لإنقاذها، فهي ممن يثيرون العزيمة والحماس فينا.
(6)
في زمن النجمة والمعنى يغرق هذا
ويشق الأرض ليحرثها بعض وجيبه هام بوجدْ
اهتز المشهدْ
امرأة بالثوب الأسودْ
وعلى مرأى رجال ماتوا من أجل الملك المهزومْ
أحفر خطكْ
أستر عريكْ
بابل لم تكوى في بابلْ
وقبائل نجد حارثة بعض المعنى
والملك الهابط من عرشهْ
يبلع كرشهْ ........"

في نهاية المقطع تم تناول الحاكم غير المؤهل، الذي يسعى وراء مصلحته فقط، والذي هو احد اسباب الخراب الحاصل.
بعد هذا الخبر عن "الملك الهابط" تنكشف الأمور، فلا مجال للتعلق به، ولا داع لندبه، فهو من ساهم في خرابنا:
(7)
وبنينوى يسطع ظل امرأة تثاءبت وهزت الأثداءْ
وعانقت شهودها وكان في السويحة الرجال يخلعونْ
رؤوس من تظنّهم عشاقْ
علام يا جميلتي تبكينْ
الملك هربْ
وبابل تعيد ما خربه التنينْ

الأخبار عن الملك الهارب اتبع بالحديث عن الأمل، عن المستقبل الأفضل الذي سيقدمنا من أمجاد بابل العظيمة، من خلال بناء ما تم تخريبه من (التنين).
الشاعر يحرص على احترام ذهن القارئ، من هنا وجدناه يستخدم اشارة/رمز ليشير إلى هؤلاء الذي عملوا على خراب ودمار بابل/العراق، فالمباشرة والخطابة دائما ما تكون رديئة بالنسبة للقارئ، فهي تقدم كل شيء جاهز ومطبوخ، وما عليه سوى قبولها كما هي، دون تفكير، لكن عندما يكون هناك رمز/اشارة لا بد من أن يتوقف القارئ عندها، للتأمل للتفكير. وهذا يحسب للكاتب الذي يتعب على نصه، بحيث تليق كتابته بمن يخاطبهم، فهو يحترم ذوقهم وتفكيرهم.
التذكير بأحد أهم ملوك العراق "آشور بانيبال" الذي أسس أكبر مكتبة في التاريخ القديم، يمثل دعوة إلى التقدم من الكتاب، فهو المفتاح الذي نستطيع من خلاله الدخول إلى ما هو موصود أمامنا. كما قلنا سابقا.
(8)
تضحك في السريرة آلهة العشق وفي معزوفها تضاجع القمرْ
إصبعها وترْ
تهزه يهزها وتلحس القدرْ
أواه ( بانيبالْ )
ما زلت في الخيالْ
تحكم من بصحوتي وإنني سكرانْ
أدوس جذع نخلتي وأمتطي حصانْ
لا شيء بي غير أنا وظلي الرديفْ
وحلمي مخيفْ ........."

كما قلنا سابقا: يتعمد الشاعر أن يحدثنا عن نفسه، لهذا يذكرنا بذاته، بحضوره. بما يمر به، فهو سكران، حالم، يضع الأمل أمامنا، فبدأ المقطع بفعل "تضحك" وهو فعل يشير إلى السعادة والفرح، وإذا ما توقفنا عند الألفاظ المستخدمة في أول المقطع وهي، "تضحك، السريرة، آلهة العشق، معزوفها، تضاجع القمر، إصبعها وتر" كلها تشير إلى الفرح والسعادة، وتوكد الحالة الايجابية التي يطمح إليها الشاعر، لكن الالفاظ التي تلتها كان قاسية "تهز، أواه، سكران، لا شيء، أدوس" تشير إلى حالة صعبة/قاسية، ولهذا قال الشاعر في نهاية المقطع "حلمي مخيف" فالحلم جميل، لكن الشاعر قال عنه "مخيف" ليؤكد حالة المخاض بين السعادة التي يطمح لها والقسوة التي يعيشها/يمر بها، ولو كان يحمل السواد فقط لقال "كابوسي مخيف" وليس حلمي مخيف.
ومثل هذا الانسجام بين الألفاظ والفكرة يشير إلى صدق وايمان الشاعر بما يكتبه، فالألفاظ تشير إلى ما يحمله الكاتب في العقل الباطن، في ألا شعور، من أفكار ومفاهيم، وهذا الأمر يتطابق/يتوافق تماما بين الألفاظ المستخدمة والفكرة التي أرد تطرحها، وهذا اللقاء يشير إلى التطابق بين ما يحمله في داخله وبين ما يبوح به.
انهاء القصيدة بالتناص مع ملحمة جلجامش، يقدم المتلقي من فكرة الخلود الذي سعى له ملك أوراك، وأيضا من فكرة العظمة والأسوار المنيعة والجميلة التي أقامها جلجامش حول مدينته أوراك، من هنا وجدنا لفظ "اسوارك، العظيمة" يتوافق تماما مع النص الملحمي.

(9)
وبعد آشور على أسوارك يا بابل العظيمة المزدهيةْ
لتنهضين من خرابك ماضغة قمرْ
ويوحى في سريرة القابع في زاوية الحانة من هواجسهْ
وساوسهْ
هو الذي تقتاده الرؤيا على تخوم بحر الشكْ
هو الذي أناخ للزريبة أشاح للحاشية في المُلْكْ
واعتبرته لعبة وساوس الجهابذةْ
راوية الزمانْ
قد حطموا أسنانهُ
وصبغوا حصانهُ
وداسوا فوق وجهه وانتشلوه حاضرا وغيروا مكانهْ
لأنه يعيش في زمان لا زمانه ْ

تغريب الحدث يعد حالة استفزاز للقارئ، ويجعله يتوقف النص الشعري، مستخدما ما يحمله من افكار ليقارن بينها وبين ما جاء في القصيدة، ففعل التفكير مقصود، وهو غاية الشاعر من هذا التغريب، فقلب الأحداث الملحمية من حالة البياض إلى السواد من خلال قوله:
"...
قد حطموا أسنانهُ
وصبغوا حصانهُ
وداسوا فوق وجهه وانتشلوه حاضرا وغيروا مكانهْ
لأنه يعيش في زمان لا زمانه ْ

المقطع السابق يمثل دعوة من الشاعر للمتلقي لكي يفكر بما يجري، فالواقع الجميل والبهي الذي اقامه العراقي القديم (جلجامش) لم يعد كذلك ويتعرض للخراب والدمار أمام ناظرينا، فهل نبقى متفرجين أم نعمل لوقف هذا الخراب؟.
الشاعر بالتأكيد أراد بحديثه عن هذا الخراب/السواد الذي أحدثه الرومان وقبائل عيلام والحكام الفاسدين استنهاض الهمم ودعوتنا للعمل.