دولة الخرافة السياسية

سامي عبد العال
2016 / 10 / 27

ما بين "الخلافة والخرافة" قد لا يوجد فاصلُّ يُذكر. ولا سيما أنَّ هناك تحولاً دلالياً سياسياً من إحداهما إلى الأخرى. ذلك بحسب الحالة السردية التي تُرسم لها. وبحسب التصورات البلاغية المشبعة بها. لقد رسم الاسلاميون الخلافة دولة مستحيلة بالفعل. ذلك على الرغم من تأجيج كامل طاقاتهم جرياً وراءها بشتى السبل. فهي دينية حتى النخاع، ولا تأتي إلاَّ على جناح الزمن المطلق. كما تمثل الغسق الختامي لواقع من الفتن والدسائس. ويفترض كونها تحقق أقصى عدالة إن لم تكن كل العدالة والمساواة. إنها بلاغة اليوتوبيا التي تفرز واقعاً بديلاً. وقد تسللت عبر الخطابات الدينية لتمثل حكماً ونظاماً موهوماً ومصدراً لأحداث وتفسيرات خادعة.
هذا الوضع يتضمن سرديات سياسية أكثر هشاشة من أية قضايا سواها. إن هناك انتظاراً دينيا ودنيوياً كدعوة تناشد السعي إلى الدولة الخيالية. دعوة تؤكد مرحلة انعتاق كلي قابل للمجيء. وأن الانتظار هو الطريق الفريد لما هو قادم بخلاف ظروفه الثقافية والوجودية. ولعلنا حينئذ لا نقف مكتوفي الأيدي-كما يقول الاسلاميون-- إنما يجب استثمار الأعمال الدينية لتقريب تلك الغاية. وأنَّ المسلمين مطالبون في أيامهم بالتزام العبادات وأعمال الجهاد. لأنها السبيل المضمون لبلوغ الهدف!!
إنَّ السر يكمن هنا في هذه المساحة الخفية من الوعد الكوني وراء كل سياسة شرعية. والرعاية المقدسة من قوة عُليا تطل برأسها المفلوق إلى مئات الرؤوس نحو رعاياها. فجميع الديانات التي تبشر بهكذا مآل تتلاعب بالتاريخ. وتفرغ الثقافة من نشاطها الإنساني وتدفع ضحاياها إلى الجنون السياسي.
لكن لماذا تأخرت دولة الخلافة إذا كانت بهذا القدر من الخطورة؟ لقد فسر الاخوان أن تأخر حلول الخلافة كان نتيجة لذنوب البشر. كدليل على أن الذين يسيرون بطريق الاسلام إنما هم الموعودون بالتمكين الدنيوي. و بالتالي فالفتن والقلاقل لا يُتقبل تداعياتها كهبة إلهية. إنها اختبار إلهي – بقول الإسلاميين أيضاً- تكتوى به المجتمعات لفرز الغث من الثمين. في العلاقات والمفاهيم والرجال والأبنية الاجتماعية والعناصر السياسية والنظريات. هكذا سيصبح الواقع غربالاً مقدساً – تحت عنوان الامتحان الميتافيزيقي – لصقل الناس لعصر الخلافة السياسية.
وضمنياً سيتفرد الله بالنظر المدقق حول كل إنسان لمعرفة: هل هو ينتظم وفقاً للحالة المرجوة أم لا؟ هل يستحق وقوفاً في حظيرة الإيمان أم أنه أخلف الوعد؟! ثم يدون الله حصيلة الأعمال. ولا يكون الجزاء إلاَّ من جنس العمل. فالرجل السياسي الذي لا يخشاه لن ينال علواً في الأرض. والمجتمع الذي يكفر بأنعمه لن يرى غير الاستبداد والقهر. وبالتالي ثمة جدول مفهرس للثواب والعقاب السياسيين. أليس ذلك تصوراً ميتافيزيقياً ساذجاً حول القوى الإلهية؟ وأليس يمثل عودة إلى الوثنية بمعناها البدائي. وأغلب الظن أنه تصور قد دمر مفهوم التوحيد في الديانات الإبراهيمية جميعهاً لا الاسلام فقط. لأنه بذات المنطق يمكن تقديس قوى أخرى مثل الأشخاص والسلطات والكائنات الحيوانية والكونية.
وعليه يمثل هذا السرد الغائي شبكة تبريرية لجميع مراحل التاريخ البشري. فخطورته أنه يخلع مبررات لاهوتية على صراعات في الواقع المعيش. وهذا ما يضاعف من مخزونها المتفجر. ويدخل أصحاب التصور الديني كطرف في المعادلة السياسية أيا كانت أنماطها. لا من أجل الموائمات بل لإدامة التحارب والقتال. فطالما كان للصراع غاية منشودة، فالطرف الديني سيغذي حركته باستمرار. لكونها تصب في مصالحه الخاصة.
وبذات الوقت فالمسلم الحقيقي – كما يظنون- سيشارك في الفتن والقلاقل على طريقة الجماعات الإرهابية. لأنه لا يفعل لأجل مآرب ذاتية ولا لتغليب "الأوس والخزرج" على قريش مثلاً. لكنه يسهم في تحقيق اليوتوبيا السياسية الموعودة. لقد غدا الجهاد الراهن أبرز المفاهيم التي تتبطن( وتتسربل) بهذا الإطار الخادع. بمعنى أن السرد هنا ذات تفسير مزدوج. مرة إلى الخلف وأدركنا لماذا يبرر أرصدة التراث والتاريخ. وأيضاً سيوجه نحو المستقبل وسيرسم سيناريو الأحداث القادمة.
فعلاً انتقل الجهاد من فعل ديني إلى سلوك وجودي حياتي. وهذا أشعل فكرة الخلافة في صورة ضرورة أنطولوجية. كأن السياسة ليست ممارسة الأخطاء الممكنة في طريق طويل الأمد. وكأنها ليست هي الغثيان الممكن لأناس لا يعرفون صراطاً مستقيماً في الأرض. إن تلك الضرورة تأتي كالقيامة الدنيوية لكنس التراكم السياسي الإنساني طراً. لأنه حقاً مصنَّف تحت مظلة الأعمال الضالة. هكذا كيانات الدول والمؤسسات والبرلمانات والوزارات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية ومراكز المعرفة ودعم القرار ... جميعها في ضلال مبين. فالخلافة عتبة لنهايتها تماماً.
وتكتمل الحلقات الفارغة باعتبار أن ثمة جيلاً فريداً للخلافة. هو الجيل الذي تجاوز أخطاء وذنوب الماضي. وعليه إدراك قيمة ما يحمل من رسالة دينية سياسية للعالمين(الإنس والجن). وفي هذا قيل إن هؤلاء سيعلِّمون البشرية ماذا هم فاعلون. وفق أيديهم سيعم الرخاء كافة الأنحاء. لعلنا رأينا تصديقاً لهذا السرد في عبارة كتبها الدواعش على أزيائهم الحربية، عبارة" جُند الخلافة". وكأنها لا فتة لغوية تُحمل حصراً لهؤلاء الهائمين في دماء ضحاياهم باسم الله. ومهما ارتكبوا من أفعال فإن اللافتة كانت تمثل حكماً بالبراءة من الآثار المترتبة عليها. والادهى أن الأفعال القذرة تتحول إلى رصيد جهادي يضاف إليهم. بل بناء عليها سيكون طريقهم معبداً بالورود والرياحين إلى الجنة!!
إن صورة كهذه اجتذبت آلاف الاسلامين والإرهابيين من أنحاء العالم. واجتذبت أيضاً سواهم من غير الإسلاميين ليعيشوا هذه التجربة الخرافية فيما يعرف بسياحة الحروب والمغامرات. حيث اعتقد هؤلاء أن هم يعيشون في العراق وسوريا على خريطة الخلافة. فلأول مرة في العصر الحديث تعلن دولة الخلافة بشكل مباشر. وبخاصة أنها فائضة بأخيلة الدولة على منهاج النبوة الأولى. وهذا حشد دلالي وسياسي آخر.
فإذا كانت الصهيونية تقوم على فكرة الاختيار الإلهي لشعبها(شعب الله المختار). وطالما كان ثمة مبرر لأرض الميعاد فالخلافة الاسلامية تنهض على اختيارها للمنهاج النبوي والإلهي معاً. والذي سيتم به اختيار المكان والزمان المقدسين. وذلك سيكفل تحقيق الوعد الإلهي. ولئن كانت الصهيونية أيضاً قد صوبت نظرها تجاه أرض (فلسطين) فإن الخلافة الاسلامية رأت في الكون جميعه أرضاً لليوتوبيا القادمة. إن الدواعش لم يكن ليعملوا على مساحتهم الجغرافية كأرض بلا ذنوب إنما كان نظرهم على المساحة الفارغة من العالم. وهي المساحة التي لا يوجدون بها. وفوق ذلك ويعتبرونها أرضاً لمواصلة الجهاد.
فالخلافة تتحول بالفعل من مجرد فكرة دينية إلى رغبة، من إيمان إلى علاقة صراعية. وهنا المرحلة الأخطر لكونها توفر الوقود البلاغي والديني من تلقاء ذاتها. لا تحتاج إلى حوافز خارجية. فقط على أتباعها تكريس العلاقة الصراعية مع كل المجتمعات بلا استثناء. ولعلنا نرى في ذبح البشر كالنعاج موضوعاً لتماهي الحدود بين الكائنات. فالإنسان حتى في اعدامه تحت طائلة القوانين – هذا إذا لم تلغ تلك العقوبة المريضة ابتداءً- يجب أن يختلف عن غيره. أما جند الخلافة فإنهم لا يفرقون بينه وبين سواه. وهذا دليل على دموية مفهوم الدولة الخرافية حتى على الأشياء المادية.
ودلالة الخلافة كما تسري في الخطابات السياسية السنية ترتبط أيضاً بالخطابات الشيعية. فالأخيرة ترى في انتظار الإمام العادل حُكماً بنهاية التاريخ والسياسة وبداية الحياة الحقيقية. وسيأتي الامام فوق سلسلة الأئمة والمرشدين الموجودين في الحياة الآن. وكذلك يوجد كما أبرزنا نفس التصور لدى جماعات اسلامية سنية من أدنى اليمين إلى أقصى اليسار. إذ يبدو التاريخ الاسلامي مرتبطاً بتكرار واجترار أنماط سياسية متبادلة بين الفرق والمذاهب. أساسه تصورات وبلاغيات وثنية قديمة ثاوية في الخطاب الديني السياسي. وهذه لا تترك فرصة في التحور كالفيروسات لتسكن أكثر النصوص الطاهرة من وجهة نظر أتباعها. بل وتستعملها بمضامين طاهرة من ذات الصنف. وتتشكل( تتأقلم وتتكيف) مع مفردات الواقع سواء أكانت حكاماً أم أعمالاً أم أنظمة دينية سياسية.
المُحصلة أنَّ التوحش الدموي أكثر النتائج المختلطة بالتوحش البلاغي. لأن الفراغ الذي يملأه الأخير لا يترك أية مساحة للاختلاف والتنوع بين البشر والأفكار. من ثم كانت الخلافة هي أكبر نمط اعتقادي قابل للانحراف. والامتلاء معناه الموت الافتراضي الذي على اتباع الخلافة ممارسته حتى على أنفسهم. لقد انتحر الدواعش أثناء المعارك لأنهم فقدوا السيطرة على بعض أراضيهم المقدسة. ولم يكن أمامهم إلا خيار وحيد: قتل مصابيهم وتدمير كل شيء. ليس هذا فحسب بل من كان يفر منهم من المعركة كان يلقى نفس المصير.