قراءة أولية لقانون جاستا

ياسين البكري
2016 / 10 / 27

صوت مجلس النواب الامريكي على مشروع قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب أو JASTA بأغلبية 348 إلى 77 ، الامر الذي دفع اوباما باستخدام حق النقض الرئاسي على القانون ، ليحال المشروع الى مجلس الشيوخ بحسب السياقات الدستورية الامريكية ، والذي صوت يوم 28 ايلول الماضي لصالح المشروع باغلبية 97 صوت ضد 1 ، ليمرر القانون بشكل دستوري وباغلبية غير معهودة.
يتيح قانون جاستا لضحايا الارهاب او عوائلهم رفع دعوى قضائية في المحاكم الامريكية ضد الدول الراعية للارهاب والتي تسببت لهم بأضرار .
مع عمومية القانون في التطبيق على أي دولة ، غير ان المناقشات التي دارت حينها وارتباطه باحداث 11 سبتمبر 2001، تؤشر الى ان السعودية هي اكثر المستهدفين ، فاكثر المشتركين في العملية هم من السعوديين وهناك تلميحات بأن الصفحات ال 28 السرية من التحقيق الذي اجراه الكونغرس عام 2002، تشير الى دور شخصيات سعودية رسمية بدعم وتمويل الارهابيين .
عارض البيت الابيض القانون باعتباره سيضعف قانون الحصانات السيادية بما يسمح لدول العالم بالتعامل بالمثل ما يعرض الكثير من موظفي وعسكريي الولايات المتحدة لخطر رفع دعاوى عليهم في تلك البلدان .

يطرح قانون جاستا اسئلة عدة :
- ما الذي يعنيه قانون جاستا للعلاقة الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن / هل انتهى التحالف ؟ ولماذا
- هل ستحاول السعودية الالتفاف على القانون من خلال تعميق علاقاتها مع اسرائيل ؟

- هل سيدفع القانون السعودية الى تغير تحالفاتها والاتجاه نحو روسيا ؟

- الخيارات السعودية للرد على قانون جيستا ؟


- هل يمكن ان يفتح قانون جستا الباب لمطالبات مالية وتعويضية ضد الولايات المتحدة جراء غزوها العراق بدون غطاء اممي؟


اولاً : ملامح العلاقة الاستراتيجية الامريكية السعودية / من التحالف للتزعزع
يمكن ترتيب العلاقة الامريكية السعودية تاريخيا بالسياق الاتي :
- بداية ثلاثينيات القرن الماضي اعتراف امريكي بالدولة السعودية وبدء التبادل الدبلوماسي
- العام 1933 بداية الاستثمار الامريكي في السعودية من خلال صناعة النفط وتأسيس الشركة السعودية الامريكية (ارامكو) التي أممت عام1988
- في سنة 1943 اعلن الرئيس ا لامريكي روزفلت ان هناك مصلحة حيوية امريكية في حماية المملكة ، وارسال اول بعثة عسكرية امريكية للسعودية.
- في العام 1945 اللقاء التاريخي بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت في السويس ، وهو اللقاء الذي اسس لعلاقة متميزة واستراتيجية بين الطرفين عبر اتفاق كوينسي (نسبة للطراد الامريكي الذي عقد على ظهره اللقاء)، ومرتكز الاتفاقية يقوم على توفير الولايات المتحدة الحماية للسعودية مقابل ضمان الاخيرة امدادها بالطاقة .
مرتكز الحماية وامداد الطاقة اشتمل على شراكة معقدة في قضايا متعددة لمصالح الولايات المتحدة بقياسات ورؤى ومتطلبات فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم الى قطبين ، يمكن تلخيصها بمحاصرة الشيوعية وعبد الناصر ، سلام الشرق الاوسط ولاحقاً احتواء قوة العراق وايران ، في تلك القضايا كانت السعودية تلعب دوراً متميزاً عبر خصائص (النفط ، الموقع الجيوستراتيجي ، المكانة الدينية )،،،،ولا يخفى ان معظم تلك التحديات قد اختفت وبعظها تغيرت طريقة ادارته كما في الملف النووي الايراني والاتفاق معها الذي فسرته السعودية على انه لم يراع المصالح السعودية .

كيف وصلنا لقانون جاستا؟
شكلت احداث 11 سبتمبر نقطة خلاف غير ظاهرية في العلاقات تراكمت بدفع ثلاث متغيرات لاحقة : الاول تغير في طبيعة ادارة السياسة الخارجية الامريكية في عهد اوباما وانسحابها من مناطق بؤر الصراع وتغيير فكرة الانفراد الى فكرة القيادة والتعاون.
المتغير الثاني مرتبط بتطورات تكنلوجية وتأثيرها على طبيعة ادارة الصراعات الدولية وتغير في مفاهيم السيطرة على العقد الاستراتيجية والاقتراب المباشر من العدو ومحاصرته ، وتطور صناعة استخراج النفط الصخري وتغير في طبيعته الاستراتيجية النسبية الى سلعة بالنسبة لامريكا من جانب واحتفاظه ببعض الخصائص الاستراتيجية مع المنافسين كالصين التي تبقى حاجتها له .
المتغير الثالث يرتبط بصعود داعش واعلانها الخلافة على مساحات واسعة من العراق وسوريا وتنفيذها عمليات داخل امريكا وأروبا ، وتصاعد الاتهامات الدولية للسعودية بتغذية هذا الصعود فكرياً ومادياً الذي اعاد الربط بين السعودية واحداث 11 سبتمبر.
تلك المتغيرات في علاقة الطرفيين التي تزعزت اكثر بصدور قانون جاستا تؤكد تغير مكانة السعودية في مدرك صانع القرار الامريكي .
والسؤال الذي تفرضه هذه المتغيرات على الصعيد المستقبلي هل سيصمد هذا التحالف التأريخي ويعاد ترميمه أم ستتجه نحو التغير؟
الاجابة على هذا السؤال رهن بعدة صراعات ومتغيرات منها :
- نتائج الانتخابات الرئاسية الامريكية وطبيعة ادراكه للصراعات ودور السعودية فيها.
- مسار الصراع السوري وتوازنات القوى الذي سيسفر عنه وتحديداً تمدد دور روسيا العالمي ودور ايران الاقليمي ما يحفز على منح السعودية ادوار لمواجهة الطرفيين.
- ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي العالمي والامريكي لدرجة لا تفي صناعة النفط الصخري بتأمين احتياجاته داخلياً وارتفاع قيمته الاستراتيجية للمنافسين الدوليين ،او تعثر صناعة النفط الصخري ، واحتمال الاخيرة ضعيف .
- طبيعة ردود افعال وسياسات السعودية لتقليل المخاطر واعادة تعديل مدركات صانع القرار الامريكي .

ثانياً : الخيارات السعودية للرد على قانون جيستا
لا تتحدد الخسارة السعودية من قانون جاستا بالبعد الاقتصادي ، لكن الاهم على المستوى الاستراتيجي والدور الحمائي للولايات المتحدة في بيئة اقليمية متأزمة مع صعود في قوة ايران وتأثيرها ونفوذها ، بالتالي ستعتمد السعودية الى ستراتيجيات قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى ، وما يهمنا منها القصيرة الامد التي قد تتحدد بتغير مدركات صانع القرار الامريكي بمحورية الدور السعودي للأستراتيجية الامريكية بخطوات اهمها :
- تحسين صورة السعودية في الداخل الامريكي عبر شركات العلاقات العامة ، وهو ما يحدث الان حيث تم التعاقد مع اكثر من شركة منها منها شركات Podesta Group” و BGR Government Affairs” و”DLA Piper” و”Pillsbury Winthrop”
- صناعة لوبيات سعودية داخل واشنطن بكفائة عالية بعد فشل اللوبيات السابقة.
- التلويح بالتقارب مع روسيا وتطوير العلاقات ورفعها للمستوى الاستراتيجي خصوصاً مع تنامي الدور الروسي في سوريا والوعد المصري بمنحه قاعدة عسكرية ما يعني تأكل النفوذ الامريكي في الشرق الاوسط .
- ابراز الخطر الايراني وتضخيمه بالتعاون مع اللوبي الصهيوني ،ومحاولة افشال الاتفاق النووي.
- تنشيط منظمة اوبك والاتفاق على تخفيض الانتاج لرفع اسعار النفط .
- اقناع الولايات المتحدة بالعمل كشريك لا غنى عنه في مكافحة الارهاب وقدرة السعودية على ضبط الجماعات الارهابية ومنع خطرها على الولايات المتحدة
- محاولة احداث خلل في اسواق المال الامريكية بالتلويح بسحب الودائع والاستثمارات وبيع الاصول السعودية التي تقدر بين 750 – 1000 مليار دولار واضعاف توجه الاستثمارات الاجنبية

ثالثاً : ايران ومتغيرات التحالف الامريكي السعودي

يشكل الصراع الايراني السعودي محور صراع منطقة الشرق الاوسط بعد تراجع الصراع العربي الاسرائيلي .
اضعاف السعودية من قبل الولايات المتحدة في هذا الوقت مع ما تعانيه من استنزاف مباشر على جبهة اليمن وغير مباشر في الملف السوري يصب بالمحصلة في صالح القوة الايرانية ، السؤال ما هي مصلحة امريكا بذلك ؟
ربما سيخلق اضعاف السعودية ورفع الحماية عنها فراغ قوة يغري ايران بالاندفاع اليه ، او يدفع السعودية للتصعيد مع ايران لجر امريكا لمنطقتها مرة ثانية ، واي سيناريو يتحقق يعني استنزاف لقوة ايران وتوريطها في مواجهة غير مضمونة العواقب ويعني اعادة لسيناريو الاحتواء الذي طبق مع العراق وايران في حرب الثمان ، ويسهل تقسيم السعودية .
قد تكون الاجابة نوع من الا متوقع القريب او فيها تجاهل لحنكة ايران السياسية ، غير ان سلسلة التصعيد وتأثير المطامح والمخاوف والاغراءات قد تسهل المهمة ، ودائماً كانت كذلك.