أنا مستقيل.. في وداع -أبو خروف-

مختار سعد شحاته
2016 / 10 / 26

في وداع "أبو خروف"

يمضي عامي الأول بعد العشرين منذ تسلمت خطاب التكليف بالعمل مدرسًا في التربية والتعليم المصري في سبتمبر 1996، وأجدني أتخذ قرارًا بالاستقالة، جرّ علي الكثير من الهجوم من أبواب وأشخاص كلها تصب في جملة أو جملتين، كقول البعض لي وأنا أتقدم بورقة الاستقالة "يا أخي، ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة"، وآخر يقول "بلاش جنان، فكر تاني، علشان مستقبل ولادك". ربما أكتب المقال ذلك للرد على هاتين الجملتين، ولا أقول لدفع شبهة الاتهام الذي تغلفه الجملتان بشياكة، وربما أكون في حاجة للكتابة حتى أسيطر على ذاك المجهول بعد الاستقالة وأنا في عمري الأربعيني هذا، أو لعلني أطمئن نفسي من القلق الذي تسببت به جملة الهجوم على قراري.

إذن: لماذا أستقيل من التربية والتعليم المصري؟
- لنتفق أولاً، أنني لست من قطيع "من فاته الميري يتمرغ في ترابه"، وأنني يكفل لي حقي في الحياة أن أقول "اكتفيت"، فأعطيت عشرين عامًا ونيف من أعظم مراحل عمري بين أسوار المدارس معتقدًا أنني ذاك المدرس الحالم المجنون، الذي سيغير من الجيل، ناسيًا أن أغنية واحدة تُغنى في مصر يمكن أن تُشكل وعي جيل وتؤثر فيه أكثر من تأثير آلاف المدرسين –والجامعيين للأسف-، فظني أن أغنية "أنا شارب سيجارة بني، وحاسس براسي بتاكلني" كانت أسرع انتشارًا من قيمي التي حاولت التمسك بها، وكان أبسطها أن حقي أن أختلف وأن أبدي رأيًا في جملة ما أدرسه إلى تلاميذي، وهو ما وضعني قيد المساءلة مرات ومرات، حتى جاءت الثورة المصرية ومرت بكل تقلباتها وانتهت إلى ما لا يُخفى أمره، فصار حق الرأي والكلام حتى مهددًا، ويكفي فقط أن يشي بك موتور باتهام ما نعرفه جميعًا؛ فهو لا يخرج عن احتمالين: إما أنك خلية إخوانية نائمة، أو أنك ملحد يُشكك الناس في دينهم وديدنهم.
هكذا اكتفيت، وراحت طاقتي تنفد وتتسرب، ولا أملك من الأمر شيئًا، فقررت اللحاق بآخر أمل في البقاء، والخروج من ضيق الأسوار إلى براح الكون الواسع. أليس حقي أن أقول اكتفيت من تلك الازدواجية، وهذي العقليات التي لا أمل فيها –للأسف-، تلك التي تراك حين تكون مختلفًا وغير نمطي أنك "مدرس مجنون"، أو "بيلعب في أدمغة الولاد". ما الجنون في أن أكون مختلفًا وأقرب إلى إنسانيتي وتلاميذي ومحبًا لعملي ومتمسكًا بمبدأ ما، حتى لو اختلف مع الغير؟! وما المانع في "لعبي" مع أدمغة التلاميذ وليس فيها، حتى وإن لعبت فيها، أليس مسئوليتي هو ذلك اللعب المحفز على تنشيط تلك الادمغة، ورفضها سياسة القطيع؟!

مستر مجانينو:
لا أنكر أنني مجنون، ولا أخجل حين كان يناديني أحد الأصدقاء بالمدرسة "يا مجانينو"، ربما أنا كذلك، ولكن ماذا يفعل العقلاء في وطن كهذا؟ ألم يكن مجرد تنحية النظام المباركي بالأساس لمجرد التفكير فيه وأن يخلفه نظام الإخواني كله دربًا من الجنون وصلنا إليه جميعًا، ولم تفلح دماء المئات ولا آلاف المسجونيين من رد العقل إلى صوابه؟ هل أكون مجنونًا لأنني كنتُ أدفع بتلاميذي نحو الحلم، ونحو تكسير الأصنام التي تعبدها نظم التعليم المصري، ويتوافق معها المجتمع رغمًا عنه ثم يشتكي منها؟ أكرر، أنا لا أنكر جنوني، ولكن أين ما يدعو للتمسك بالعقل وسط كل ما يحدث في بلدنا؟! وبم يمكن تسميته؟! أهناك احتمالية لأي عقل في كل ذلك منذ يناير 2011 وحتى الآن؟!
أظن أنني اليوم متى استسلمت لقرارات رجل على رأس عملي غير المباشر، يتحكم في تحريكي من مكان إلى مكان لمجرد إثبات ذاته وتعويض الكثير من مركبات النقص الحادة في ذلك الجيل الناصري الذي يُصر على معاداة جيلنا لتأصيل أزمة الصراع الجيلي، أظنني من الجنون إن قبلت بذلك، ومن الجنون إن جعلت من نفسي ساحة تنفيس لذلك الرجل الذي حول الأمر إلى مجرد صراع شخصي غير متوازن، لذلك أيها الشخص الستيني المنفس، بكل جنون أقول لك: اذهب أنت و"حاجة العمل الماسة" خاصتك إلى الجحيم، فأنا لستُ مستعدًا للجحيم بعد.

حكاية بسيطة للفهم:
دعني أحكي لك حكاية بسيطة، كنت منذ عامين أتقدم بمشروع تطوعت له تلخص في عمل ورش كتابة إبداعية لتلاميذ المدراس وقمت بتطبيقها على المدرسة التي أعمل بها -وقد كتبت عن ذلك في مقال سابق - وحين كنت بصدد إتمام الأوراق الروتينية التي تسمح لي بلقاء وتعليم تلاميذي في ورشة خارج الحدود الزمنية لليوم الدراسي، وهو أمر وجدته صعبًا بقدر ما، إذ يستلزم ذلك موافقات من أشخاص، ربما لم يقرأ الواحد منهم كتابًا طوال عمره، ولك أن تتخيل، أن أحد الذين يتطلب الأمر موافقتهم وعلمهم، طلب مني أن "أنقل افتتاحية موضوع تعبير كان يلقنها حفظًا لتلاميذه في الدرس الخصوصي، حتي تتصدر أي موضوع تعبير"، تخيل!! ذلك الرجل كان لزامًا أن يقبل وأن يوافق على ورشة كتابة إبداعية للتلاميذ من أهدافها كسر ذلك الصنم الي يُلزم به مدرسو اللغة العربية تلاميذهم عند الكتابة، لك أن تتخيل الأمر، لكن في النهاية نجحت التجربة. ألم يكن ذلك دربًا وضربًا من الجنون؟!

سأخرج بكرامتي وبقايا من إنسانيتي التي تآكلت:
أعود وأقول؛ أنني تقدمت باستقالتي هربًا من التهلكة وليس رميًا بنفسي في أتونها، فمثلي ممن يمارس الكتابة أو يتعاطى مع الفن والأدب بشكل ما، لابد وأن يكون السور الوظيفي هو الأتون الذي يُلقي بنفسه فيه، والحقيقة أن العجيب كيف تحملت ذلك لأكثر من عشرين عامًا، أراني في كثير منها مثل "دون كيشوت"، وذلك عاينته حين عملت في العام الأخير "ناظرًا ومدرسًا" بالمدرسة التي كنت فيها قبل الاستقالة، ورغمًا عن ظروف المكان وطبيعته؛ فأظنني أرضيت ضميري نحو المكان ومن فيه، وهنا لن أدخل في وصلة عرض إنجازات شخصية، لكن يكفيني بعض تلاميذي كهؤلاء الذين أكملوا معي لعام كامل تقريبًا جلسات "ورشة الكتابة الإبداعية"، فمثلهم يستحق الحرب والبقاء، بيد أن أسلحتي نفذت ذخيرتها للأسف؛ ففضلت الانسحاب تكتيكًا لحفظ ماء الوجه أمام ما تعلمناه معًا من قيم وآمنا به من أفكار طوال الورشة، أتمنى أن تبقى معهم مستقبلاً، وأن تحفزهم للخروج من كل الأسوار كما خرجت انا من سور المدرسة.
لماذا يُصر هؤلاء على إيذاء أولادي أو إيذائي والسماح لي أن أستسلم كما استسلموا وإلا أكون بذلك ظالمًا لأولادي وأسرتي وقاطعًا لرزق الله لهم؟! أليس رزق العباد على رب العباد؟! أم ربما لأنني بتلك الاستقالة هززت تلك البركة التي يسبحون فيها لأعوام حتى عطنت وأسنت المياه فيها؛ فتحولت إلى ما يسميه المصريون "روبة" –عافاكم- أوليس من حقي أن أخرج من تلك "الروبة"؟! هل اختل توازن استقرار زملائي ومن يلهثون ورائي بالاتهامات ومحاولات العدول عن قراري الذي مثل لهم كما يقولون "صدمة"؟! إإلى ذلك الحد بلغ الاستقرار المزعوم مبلغه في كيانهم إلى حد الغضب ممن يقول اكتفيت من استقرا الماء في البركة، وأريد الخروج إلى بحر مفتوح ومتجدد ومتغير لا يأسن فيه الماء أبدًا؟!

خارج برواز "السور الحكومي":
أعترف في النهاية أنني سأكون "غير عاقل" إن تماديت في بقائي داخل السور الوظيفي الذي بدأ يأكل روحي، وأنني –حبًا- في أولادي وأسرتي، خفت أن تموت روحي، فأكون ضيعت الأساس في بناء أسرتي، إذ تآكل الإنسان داخلى بفعل ذلك الاستقرار الوظيفي المزعوم، وأجدني لن أسامح نفسي إن لم أشرح لأولادي بمقالى هذا عن أسبابي تلك، والتي أبسطها أني أختنق يومًا بعد يوم، وكادت الشعرة التي أتمسك بها –شعرة الكتابة- تنقطع بالاستمرار في تلك التمثيلية السخيفة المسماة "التربية والتعليم المصري"، فالجميع يمثل، الدولة تمثل أن التعليم مشروع قومي، والوزارة تمثل أنها تقدم منهجًا، والمدرس يمثل أن ينور العقول، والمجتمع يمثل أنه يُصدق تلك التمثيلية، وإلا فأخبرني عن نسبة العاملين في مصر طبقًا لما يحملونه من شهادة جامعية في سوق العمل المصري!! ربما انتهي دوري في تلك التمثيلية، وأحاول بتلك الاستقالة الجلوس في صفوف المتفرجين على كل التمثيليات التي تحدث من حولي بعد أن صرنا نمثل أننا في دولة، وفيها قوانين ودستور ومجلس للنواب ورئيس منتخب، أو ربما أسعى إلى دور أكبر في تمثيلية أخرى.
بقى أخيرًا، أن أدين بالفضل إلى منطقة "أبو خروف" بشرق الإسكندرية تلك المنطقة التي دخلتها على حين غرة من نفسي ومن أهلها، فتسللت إلى كياني؛ فأنتجت الكثير من كتبي المنشورة، وعشرات النصوص والمقالات، وغيرها، والتي حركتها عشوائية "أبو خروف"؛ وغردت معها وحيدًا هناك، فصرت إلى ذلك المشهور بكونه "المدرس المجنون اللي بيحلم".
فسلام عليك يا "أبو خروف" وعلى من فيك، ولك السلام والمحبة ما طلعت الشمس في كل يوم بنور وأمل جديد.


مختار سعد شحاته
روائي، وباحث أدبي.
"ناظر مدرسة إعدادي مستقيل".