الإرهاب... وأسطورة سيزيف

سامي عبد العال
2016 / 10 / 25

بمناسبة الآراء القائلة بإمكانية القضاء على الإرهاب، هل ثمة نهاية له فعلاً؟! نفس القضية تتردد مع التدخل العسكري ضد تنظم داعش وملاحقة عناصره. إذ يبدو الظن السائد أننا قد نتخلص منه تماماً حال تصفية كيانه المادي وأشخاصه الفاعلين. يجري الأمر دونما طرحٍ لأية أسئلة من قبيل: ألم تتناسل الجماعات الاسلامية الواحدة عن الأخرى؟! لماذا تستمر تاريخياً دورات المخاض والميلاد والموت ثم البعث للأفكار الجهادية؟ وكيف توظف القوى العولمية التنظيمات الجهادية على خرائط الاقتصاد والسياسة؟
وأكثر من هذا إنَّ هناك حاضنات ثقافية داخل المعتقدات الدينية تضمن تفريخ الإرهابيين. فمفهوم النص الديني ينقل عبر معانيه فيروسات التطرف. لأن الجماعات الإسلامية تتعامل معه كمادة قابلة لإعادة الحياة الماضية بكل تراثها الجهادي والصراعي. كما أن تعاطياً معه يتم بلا تطور فكري مبدع. فجميع أطياف الارهاب تتحصن بنزعة محافظة قاتلة. تدهس من يقترب من محرماتها، بما في ذلك محاولات الفهم والنقد والكشف عن الأخطاء.
حديث النهايات أشبه بسرد الأساطير والخرافات في التراث الإنساني. لا مؤلف بعينه لها كما أنها توثق الشطح الخيالي في الإمتاع والحكي. وباعتبارها نصوصاً ذات طابع بلاغي تشكل جسداً ثقافياً من الرغبة والحقائق والأفعال معاً. وهي حكايات ما فتئت تنتهي أحداثها وعصورها ومعتقداتها حتى ننتظر عودتها مرات تالية. لأن اللغة لا تحول دون تكرار الحكي إلى ما لا نهاية. كما أن البناء البلاغي للخيال يخاتل ذاته تمسكاً بصور الأفعال القديمة. فالأخيلة كالنبيذ المعتق تزداد عراقةً وأصالة متى تقادمت أزمنتها. ومن وقت لآخر تستدعي دلالات الأشياء بواسطة الأطر الثقافية المتشابهة. كلُّ نهاية إنسانية لن تتوقف عن العودة خلال أشكال أكثر خادعاً. فتبدو النهاية بداية جديدة غير قابلة للتحديد. بعبارة نيتشه: هذا العود الأبدي للأشياء. لأن الكون استنفد طرائق طفراته المغايرة. فما كان إلاَّ ذلكا الاتيان كقانون يحكم علاقات الأشياء والموضوعات.
ولهذا فإنَّ نهاية الإرهاب لا تختلف عن نهاية الأدب، نهاية الفلسفة، نهاية الأيديولوجيا، نهاية الدين، نهاية التاريخ، نهاية الإنسان، نهاية التكنولوجيا. تلك النهايات التي تمثل الحدود القصوى لإمكانية أن تنفجر الظواهر وتعاود الكَّرةَ. لسبب مهم أنَّ الفلسفة والأيديولوجيا والدين والتاريخ... قضايا تتحور، تتغاير، تتفرع ولا تموت. فلا تشهد خاتمة محتومة الأجل. لكنها تختزن احتمالات فائضة نحو المستقبل. ذاك أن العوامل المساهمة في تكوين ظاهرة الإرهاب ليست وحيدة التوجه ولا هشة البناء. هي عوامل متعددة أولاً، كما أنها مختلفة ثانياً، ولا تتوقف على تمين حركتها ثالثاً.
إنَّ النهايات محكومة بالعمل السيزيفي...سيزيف كان أحد أكثر الشخصيات مكراً بحسب الميثولوجيا الإغريقية، حيث استطاع أن يخدع إله الموت ثاناتوس مما أغضب كبير الآلهة زيوس، فعاقبته الآلهة بحمل صخرة ثقيلة من أسفل الجبل. ورفعها صعوداً إلى أعلاه. ثم لا تلبث أن تسقط الصخرة مرة بعد أخرى. ليحاول سيريف حملها من جديدٍ إلى الأعلى. وهكذا لا يتوقف عن محاولة حمل الصخرة مثلما لا تتوقف الصخرة بدورها عن السقوط. ويظل بتلك الطريقة حتى الأبد، فأصبح رمزاً للعذاب الأبدي.
ولعلنا لو عرفتنا وماذا فعل سيزيف لعثرنا على وجه القرابة والتباين بينه وبين الإرهاب الديني. يقال إنَّ سيزيفاً هو مخترع وموجد الألعاب البرزخية إشارة إلى الظلام والموت. واشتغل سيزيف بالتجارة والإبحار، لكنه كان مخادعاً وجشعاً. وخرق قوانين وأعراف الضيافة بأن قتل المسافرين والضيوف (النزلاء). وقد صوره هوميروس ومن تلاه من الكتاب واشتهر لديهم بأنه أمكر وأخبث البشر على وجه الأرض قاطبة وأكثرهم لؤماً. أغرى ابنة أخيه، واغتصب عرش أخيه وأفشى أسرار زيوس (خصوصا اغتصاب زيوس لإيجينا)، ابنة إله النهر أسوبوس. وفى روايات أخرى ابنة والده أيولوس. وبالتالي تكون أخت سيزيف الشقيقة أو شبه الشقيقة.
ثم أمر زيوس هادس أن يسلسل سيزيف في الجحيم. وطلب سيزيف بمكر من ثانتوس أن يجرب الأصفاد والسلاسل ليختبر مدى كفاءتها. وعندما فعل ثانتوس ذلك أحكم عليه سيزيف الأصفاد وتوعد هادس. وأحدث ذلك تمرداً وانقلاباً وثورة وهياجاً. ولم يعد أحد من البشر يموت، حتى انزعج آريس لأنّه فقد المتعة من معاركه. لأنَّ خصومه فيها لا يموتون. لذلك تدخلَّ وأطلقَ سراح وفكَّ أسر ثانتوس وأرسلَّ سيزيف إلى الجحيم.
وعلى أية حال، قبل موت سيزيف، أخبر زوجته أنه عندما يموت فعليها أن تمتنع عن تقديم أضحيتها المعتادة. وفى العالم السفلي شكا من أن زوجته تهجره وتهمله وتتجاهله وأقنع برسيفوني، ملكة العالم السفلي، بالسماح له بالصعود للعالم العلوي ليطلب من زوجته أن تؤدي واجبها وتقدم أضحيتها. عندما عاد سيزيف إلى كورينث، رفض الرجوع إلى مكانه. ولذلك حُمل إلى العالم السفلي بواسطة هادس وفى رواية أخرى للأسطورة، اقتنعت برسيفوني مباشرة أنه قد قيد إلى الجحيم بطريق الخطأ وأمرت بإطلاق سراحه!!
أولاً: الإرهاب أكثر خداعاً مكراً حتى أصبح أسطورة لدى الجهاديين. ويعتمد على إثارة الخيال لجذب الأتباع والأنصار. وتحت عناوين براقة يزيف أعماله. ويشكل أثاره المنتشرة بين الأيديولوجيين. ولم يكن ليتصور أن ينقاد إلى ساحاته الشباب الأوروبي المولع بالمغامرة والتطور التقني والعلمي. وأكبر خدعه أن أصحابه لا يعتقدون أنهم يرهبون ويقتلون الآخرين إنما يؤدون عملاً مقدساً ينتظره النعيم المقيم يوم القيامة.
ثانياً: كان سيزيف يعمل بالتجارة والإرهابيون يبنون استراتيجيتهم على التجارة بالدين. بل يعتبرون الله قد اشترى منهم أموالهم وانفسهم ابتغاء الجنة. هي في الحقيقة مقايضة في غياب شيء مهم وهو الحياة. فلو يدرك الإرهابيون أنهم يدمرون الحياة قبل غيرها لما أقدموا على ما هم عليه.
ثالثاً: الاعمال البرزخية صناعة مشتركة بين سيزيف والإرهابي. بل الأخير حفار قبور بالمعنى الديني. والنتيجة حلول الظلام حتى تبدو هذه التنظيمات ظلامية الطابع. ويبدو البرزخ من أعمال الموت الذي يتهدد كل إنسان. وكم رأينا تفنن الدواعش في حفر القبور لضحاياهم. مرة هم يحفرون القبر انتظاراً لمداراة الجثة ومرة يأمرون الذبيح بحفر قبره بنفسه قبيل قطع رأسه. أي ظلام وأية دموية يغرقون فيها؟!
رابعاً: خداع الآلهة.. الإرهاب يخادع باسم الإله ويكذب عليه أيضاً. لأنه يذبح ويفتك بالبشر دونما جريرة إلا بسبب التكفير . هذا الذي يتخذه الارهاب سيفاً مسلطاً. والخداع به يظهر واضحاً حينما يعتبره الارهابي حكماً قاطعاً يستوجب الموت.
خامساً: يشكل العقاب لدى الإرهابيين صورة للعالم والأخرة. أشكال الذبح والتقطيع والسلخ وإراقة الدماء هي الأفعال التي يتردد داخلها معاني العقاب الإلهي. إن تنظيماً جهادياً كهذه التنظيمات يقوم في صلبه على هذا العقاب. ولقد شارع في أدبياتهم أنهم يطبقون شريعة الله. ولم يستطيعوا إلا تطبيق الحدود. حتى غدت الشريعة كأنها أحكام اعدام صادرة بلا تفكير ولا منطق.
سادساً: رمزية الصخرة الواردة بالأسطورة تنسحب على الإرهاب في أنه يجعل من الدين كتلة صماء. كتلة لا ترى ولا تسمع ولا تحي ولا تنمو. إنه – الدين- الصخرة المحمولة بلا عقلانية. ويتبادل الإرهابيون تصوراتهم بأساليب صخرية. فهم يعتمدون على العزل الحسي والشعوري للإنسان حتى يتجرع المعتقدات. وذلك بلا نقد ولا فهم ولا تجريب كطرائق إنسانية تتميز بالمحاولة والخطأ.
سابعاً: الجحيم الذي يقبع فيه سيزيف يصنعه الإرهاب للمجتمعات التي يوجد فيه. فهو يلاحق أعداء الشريعة والمرتدين ملاحقة قاتل لمقتول. كما أنه يرسم الحياة برؤية جحيمية لا تقبل اختلافاً. فهذه التنظيمات هي نواة الجحيم الأرضي بعينة. ولم تكن ما تسى بالدولة الاسلامية بالدولة بمعناها السياسي. بل تقوم على المراقبة اللصيقة للأنفاس والسلوكيات وقتل الحريات واستعباد المرأة وسبي أصحاب الديانات الأخرى... ماذا بقي إذن من الجحيم؟!
ثامناً: النقطة الأهم: سقوط الصخرة إلى الأسفل وحملها إلى الأعلى المرة تلو الأخرى هما المصير نفسه الذي يترصد الارهاب. فهو يستهدف هذا المصير لتجارب التاريخ. فمفاهيم السلف والعصر الذهبي تعلق فوق الرؤوس لتسقط مرات. ثم يحاول الإرهابي حملها صاعداً بها فوق التاريخ. هكذا في دورات عبثية لا تنتهي. إنه العذاب الأبدي لأيديولوجيا دائرية مغلقة. لا تعترف بالمستقبل ولا بالتطور البشري.
تاسعاً: اسطورة سيزيف كامنة في الأيديولوجيات الدينية. وسواء أكانت تُنزل العنف بالمجتمع بنفس الطريقة السيزيفية أم كانت تجسد الأسطورة حياةً فإن تصوراتها وأفكارها تعيش على هذا المسرح. وبالقطع لا يعي أصحاب الأيديولوجيات أنهم يمثلون أدواراً مملة من كثرة التكرار التاريخي. وأن الحياة – أية حياة قد ضاقت بهم ذرعاً- لكنها عاجزة عن التخلص منهم.