الشخصية برأي آخر -3-

إبراهيم الوراق
2016 / 10 / 25

أفتح هنا قوسا آخر استطرادا، وأنا أتدبر كيف جعل الفقه القول والعمل صنوين.؟ ألم يكن من الأولى أن يقابل عمل الظاهر بعمل الباطن، ويلتمس لهما من اللغة لفظا، فتكون العلاقة بينهما قائمة بالجدلية.؟ لقد شغل هذا بالي في زمن كنت أبحث عن اللغة الروحية كمشروع فكري، لم يكتب له الإتمام في مورده، فوجدت أن لحظة ابتداء الضد، هي تلك الفترة الزمنية الضئيلة التي تمزج بين بحري المعنيين بدقة فائقة، لأن الشر لا يبتدئ إلا حيث انتهى الخير، والمرض لا يبتدئ إلا حيث تنتهي الصحة، والخلاف لا يبتدئ إلا حيث ينتهي الوئام. وهنا، لم يكن الفقهاء مخطئين كما زعم كثير ممن أراد هدم قبة القفه بغبن عقله، لكي يحرر الأمة من هزالها المعرفي، وسباتها الحضاري، والفقه هو عقلها الذي يختزن طرق بنائها لكل التنظيمات المكونة للمجتمع، والأمة، والمهذبة لمرامات الفرد، والجماعة. فالفقه، ليس من حقه أن يهدم، ولا أن يضام، لأنه جهد بشري أضاف إلينا عمرا طويلا، وزمنا مديدا، لو كنا أذكياء في درك قيمته، وابتدأنا حيث انتهى من كان قبلنا، ووقفنا عند الحد الذي وصل إليه اكتشافنا لحدود القضايا، والنوازل. وبذلك يكون كل جيل مصافحا للجيل الذي قبله، ومواجها لما يُلم به من تقلبات، وتغيرات. فهل وصل بنا نكران الجميل إلى أن نستخف بتلك العقول العظيمة، ونتقول عليها بعض الأقاويل الرديئة، ثم نهدم عقلنا بعاطفة المسعورين بحب الفوضى في نظام الأشياء، لكي تختفي معرتهم بين بني الإنسان.؟ لو أنكرنا هذا الجميل، فإننا لن نكون أقوى دلالةً في الافتخار بالأصول، وأجدر معنى في الانتساب إلى العقول الكبيرة. لأن الفقه في عملية استمراره مع تاريخ الإنسان، لم يحل بينه وبين العطاء، والبذل، إلا إغلاق باب الاجتهاد فيه، وإضمار لغته، وإخفاء شأنه. وهو السبيل الأوحد الذي لا يمكن أن نساير دورة الحياة إلا به. فقتله، ووأده، يعني أننا لا نريد أن نقبل بوجود الطارئ، والمستحدث، والمبتكر. والفقه في حقيقة تطلعه إلى التوالد، والتناسل، قد أحدث لما يعتري حياة الناس من أشياء جديدة حكما خاصا، لئلا يتوقف سيره، ويتعطل دوره.
وهنا التف العقل الفقهي على ذاته، وانطوى على علته، لأنه افترض للطارئ افتراضات كثيرة في تحريره لقضاياه، ولكن حين دهمه ذلك المستحدث الذي غير كثيرا من البنى التقليدية في التفكير الشخصي، والجماعي، قال بأن وجه مسايرته بالحكم عليه، هو الاجتهاد، وقد كان من ذي قبل مضيفا لما لم يأت به النص في كثير من الأحداث التي قامت عليها دورة الحياة بين طوارئ الزمان، والمكان، لكنه عدَل عن ذلك لشدة خوفه على الدائرة من الزيادة، والنقصان، ثم انتهى به الحرص على حوزته إلى أن أغلق بابه، فرفض الطارئ على الإنسان، قبل أن يثور عليه، ونبذ التفكير في إبراز معناه، وإظهار حكمه، لأنه يجسد عنده شيئا مخالفا لما تأسس عليه النظام في الفرد، والجماعة. وهنا جفت منابع الفقه، وارتبطت صيرورته بالماضي، فلم يطق أن يخلق بكينونته الحاضر، ولا أن يشاكس المستقبل، ولا أن يضيف شيئا إلى سعادة الحياة، والكون. وحق له في هذا المساق أن يغلق باب الاجتهاد، ما دامت أدواته غير متوافرة، ومراماته غير متنامية، لئلا يتولد من رحمه نشأ لا يربط فيه الانتماء بين الماضي، والحاضر.
وإذا أغلق باب الاجتهاد لضرورة مقدرة بقدرها عند من اعتزل الفتيا والقضاء لفساد الناس، وضياع الفقهاء، فليس لكون الفقه قد جمد عقله عن الأثر في الحياة بما تقتضيه الصيرورة، بل لكون العقل الفقهي سد الباب دونه، ليقي ذاته من شرور الفدام الذي تخذوا الفقه حرفة، فأحدثوا به في الدين شريعة تبيح الظلم، وترضى بالذل، وتقبل الجهل. فهل مات الفقه هنا.؟ أم مات عقله الأصولي.؟ لا، لم يمت ذا، ولا ذاك، ما دمنا نستشعر المسؤولية على تقوية التراث، وتنقيحه، وتعديله، ولكنه انحسر عن ميدانه، وانطوى على معالمه، واكتفى بالنظر من بعد، وهو يرقب زمنا عساه أن يرِد على الناس، فيتذكروا أن الفقيه، ليس هو كل متفيهق، غرور، بل هو تلك الروح التي تسري في ذات الفقيه، فيكون همه تدبير حياة الناس، لكي يسعدوا بأعمارهم، ويملئوها خيرا، ويترعوها جمالا. وإذا جد الجد، وجدوا الحصيد مرضيا. وحين سيرد علينا هذا الزمن المحرر لرسم الفقاهة، وخِطة الفقيه، فلا محالة، سينتهى دور كثير ممن توسط في الزمن الرديء بالفقه إلى نيل حظوظ حقيرة، وخبيثة. وسواء في ذلك من أجاز ما لم يجزه الله، أو من سوغ حكما بما يرضي نزعة القوة عند الإنسان، أو من ابتذل الفقه تكسبا، وترزقا. فهؤلاء تعج بهم المناكب، وتغتص بهم المسارب، ولهم في كل درب لسان، وفي كل نزاع بيان، وفي كل مجمع لون، وفي كل محراب عون، وبين أيديهم طغام يرقبون الخبز من جائع أضر به الورم، فاختار كسبه ممن حُرموه في الدائرة الاجتماعية بألم، وانتقى بذُله بعضَ الفتات التي يزدره بطمع، وجشع، وهو لا يدري أن ما يكسبه من غثاء، ورغاء، هو سبب في ضياع الفقه، وإن ادعى الدفاع عنه, وهل هناك شيء يضر بالفقه أكثر من متفاقه، خال الفقه كسبا، لا عقلا، فاشتغل بقتل الفقه من أجل ظهور ذاته الناقصة.؟ وهل إذا قتل الفقه، لن يقتل الدين.؟ إن الذين يهدمون اليوم الفقه، ولو لم يعرفوا نتيجة فعلهم، يخربون الدين، وينشرون الجهالة، ويستخفون بعقول الناس، ويستحمرون البشرية. أو ليس هذا الانفلات من عهد الوفاء للفقه، هو الذي أنتج كثرة الفقهاء بلا فقه.؟ وأوقد سعير نيران الصراع حول دور السماء في فعل الأرض.؟ أجل، حين همَّ هذا الرديء بأن يهتك سر الفقه، فإنه قد أراده أن يكون أداة مسوغة في يد بائع الأسلحة، وهو يعلم يقينا أنها سبب في كثير من الجرائم التي أعاقت حياة الإنسان على وجه البسيطة، ولكنه إن عورض بآثار جرمه، أكثر من الاستدلال بالفقه على جواز فعله. لأن الفقه هنا لم يصر ملكة، بل صار حرفة. وكل ما يمتهن للناس، ويصير صفة لهم، فهو قابل للبيع، والشراء. وما دام الفقه حرفة في اعتبار من يحرم به الحلال، أو يحل به الحلال، فلا محالة، سيُشترى جهدها الذي تنتجه، بل سيطول الزمن حتى يباع جوهره. وإذ ذاك، سيكون الفقه ضررا على الكيان الإنساني. أجل، قد اشترى المال صولة الفقه، وقوته، حين أهانه مَن تفاقه بين الديار المنكوبة بالضياع، والفراغ. وها هو يبدو صانعا للبهجة على من اشتراه، ويدمي عين الذي باعه، وقلب ذلك العاشق لعنفوانه، ونشاطه. فهل أدرك هؤلاء المتحدثون باسم الفقه، كم هو حجم هذه الجريمة التي يقومون بها، حين أرادوا أن لا يكون للفقه سر، به يدبر العقل الواعي الجاهل، والأمي، والأرعن، والأحمق.؟!!! وهل لهؤلاء حق في أن يكونوا فقهاء، ولطفاء.؟ لو كانوا فقهاء، لكان العالم مجنونا، ولو كانوا لطفاء، لكان العالم عبثا. وإذا جن المكين، والمكان، وقسى الزمان، والإنسان، فما الذي سيُستملح ظهوره في الكون.؟ إن كشف سرِ الفقه من أجل كسب مقيت، لن يؤدي بنا إلى صناعة الحياة السعيدة، ولن يفضي بنا إلى مجال يحترم الإنسان، ويقدس الحرية، والعدالة، والكرامة، والمساواة. وتحقيق ذلك، هو الهدف الأسمى للفقه حين حدد الكليات في خمس، أو في ست، أو في سبع، وغايته التي يبحث عنها من استهدى بضوئه في سدف الظلام المنتشرة على الآفاق المنكوبة الحدود. ومن ثم، فالمتحدث بالفقه، إن لم يكن قادرا على صيانة عرض سره، لن ينتج إلا الخراب، والدمار. وما داعش إلا دليل على سعة الفجوة بين الفقه، والإنسان، بل هي نتيجة لهذا الفقه الذي أنتجه الفقيه حين كان غولا، أو وحشا.
وحقا، إن الفقهاء، لم يكونوا أغبياء حين قرنوا بين الفعل، والقول، لأنهم نظروا في الظاهر، فقالوا بأنه الفاعل للفعل في الطبيعة، وذلك يقتضي أن يكون الفعل محكوما بقانون الأشياء، لأن الفعل لا يكون مستقيما، إلا إذا كان له أثر نفع على الآخر، لوجود الاشتراك في هذا المجال الذي يجمعنا، وإذا كان ضررا، حاربه، وعانده، وجعل عدم الاستواء دليلا على انعدام التوازن في الشخصية الإنسانية. وهذا هو قصارى جهد الفقهاء في العمل الظاهري، لكن حين خاضوا في عمل الباطن، فرأوه سرا فيما بين الإنسان وربه، اختاروا الاحترام لحرية الإرادة، ثم توقفوا عند نهاية حد السر في الذات، وهو بداية الجهر به، فقالوا بالقول في مقابل الفعل، على اعتبار القول آخر نهاية العمل الباطني، وبداية العمل الظاهري. وهنا تتجلى لنا قيمة الفقه، لأنه أولا احترم مفهوم الإرادة، وهو عمل باطني، ثم ابتنى ثانيا مفهوم التقابل بين اللفظين، أعني الفعل، والقول، من نهاية عمل الباطن، وهو القول بما تعتقده الذات. وهنا يكون القول مبينا للمضمرات الكامنة في الذات. واقتضى ذلك أن يكون محل المسؤولية، لأنه يتعدى ذاته، فيحدث في ذات الآخر أثرا، وسواء كان ذلك غيبة يتأذى بها الإنسان، أو أمرا بقتله، ونهاية حياته. وهنا تظهر لي عظمة لغة الفقه، لأنها احترمت ما تقرره بكليتها، وقد قررت مبدأ الإرادة كأصل لها، فجعلته في الشيء الذي لا يضر بشيء آخر، وقررت مبدأ الحرية كفرع لها، فصيرته في نزوع الإنسان إلى الفعل، وهو قادر عليه، وحر فيه، ما لم يحدث ذلك أثرا ضارا بحدود الآخرين. وهكذا دواليك.
ومن هنا، فإن إغلاق باب الاجتهاد، يعني تعطيل أداة العقل التي تعرف بها الذوات مقاصد الأحكام، وضرورتها الوجودية في صيرورة الإنسان. وإذا تعطل المقصد المعقول معناه، أنتج ذلك انفصاما، ونفورا، وأحدث مسوغات يتوارى من ورائها المكلف الذي يخال تلك الأحكام غير راعية لأحواله، وآماله، ولا عارفة بمعاناته التي تنبثق منه حين يحتك همه بهموم الآخرين. وهنا كان الانحراف عن الدين هروبا من أحكامه التي لم تعلل بعلل العقل، حتى يقبل مفاهيمها، ويطوع جوارحه لمقتضياتها، لأنه لو عقل معناها، ووجد عللها، لقوي تعبده الذي أراد العقل الفقهي أن يصل إليه، حين نفى علل كثير من الأحكام، وقال فيها بالتعبد على جهة الشمول، والعموم، وهو يريد نتيجتها، لا إدراكها بما تقتضيه سنة الذات في التعقل، والتبصر. والعلة هنا تكاد توازي الحكمة.
وهكذا، فإن الأحكام التي يتبناها الفقه بأصوله، وقواعده، إن لم يطق الفقيه أن يسوغ بناءها للإنسان، فإن خلق قابلية الاستعداد لتطبيقها، وتوظيفها، لن يكون أملا لنا فيما نقيم حوله المعارك، والصراعات. وإلا، فإننا سنحتاج إلى دليل إضافي نضيفه إلى قضية التعبد، وهو اقتضاء مخالفة الأحكام مخالفة الله عز وجل. وهنا ولج الفقه إلى قضية الزجر، والعقاب، وربما نحى نِحو التفسيق، والتكفير، فصار بذلك حاميا لذاته، لا راغبا في ثراء الفقه، ومن خلاله إغناء مفهوم العبادة بمعاني العقل المعبر عن الذات الواعية. لكن لو قيل بعدم التعليل فيما لا دور للعقل فيه، لانتهى الخلاف، ولوقفنا جميعا في مدار واحد، يجمعنا، ويوحدنا، ويبني لنا أساس الأخوة، والمحبة. لأن ما هو خارج عن التعليل، لا يغوص فيه العقل بأدواته، وقوالبه، وإنما يسبح فيه القلب حرصا على لحظة الوصال، وومضة الجمال. فالقضية هنا تحتاج إلى تفريق بين المدارين، فما هو روحي في الفقه، لا يدرك إلا في مكمنه، وما هو عقلي فيه، لا ينال إلا في ملمحه. لكن الفقهاء مزجوا بين ذا، وذاك، فقالوا بأن ما وصلوا إليه من أقوال، وآراء، هو عين الروح التي تسري في الشرائع الإلهية، فلا تجوز لنا مخالفتها، وإلا، طردنا من معنى التفويض للإله في كلمته. لكن هل يصح ذلك في الاعتبار.؟ إن التعليل للأحكام، هو البحث عن مقاصدها، وذلك واجب عقلي، يتم به التعبد في حدود التكليف، لأن نتائج العقل في الشيء الواحد مختلفة، ولكنها متحدة في قضية الحرية التي تسبل على كل واحد إزار الالتزام بالمقتضى العقلي. وذلك الاختلاف دليل على الوجود، والحركة، والاستمرار، وإلا، فلن يحدث التعدد، وهو دليل على التنوع في أنواع الجنس. إذ كل إنسان بمداراته وفضاءاته نوع دال على الجنس المرتبط بالكل الأزلي. وليس عيبا أن نختلف في تحديد الحقائق، والطبائع، والمقتضيات، ما دامت الرغبة أكيدة في نية التعبد الخالصة لله عز وجل، بل العيب، أن نقتل العقل الإنساني لعقل واحد، يكون نظره هو باب الله. وهنا، نكون قد أغرقنا الإنسان في بحر الصراع، والنزاع، ولا محالة، سيؤدي ذلك إلى رفض الدين، وكرهه، وشتمه. لأن الإنسان إن لم يتقن كيفية التعامل مع روح الأشياء، صارمها، ونابذها، وإذا انفصلت عنه لقوة أخرى، غدت بدون أثر على حوزته، ودويرته. وإذا أتقن ذلك، كان أرحب الناس صدرا بما ينتج عن فعله عقابا، أو جزاء. ومن هنا، فإن الفقه قد تعامل مع الصوغ الظاهري للإنسان، أي الشخص في تشخصه قولا، وفعلا. ولهذا الاعتبار، يحتاج الأمر إلى معقولية أحكامه، لكي نفرق بين فعل الله الذي هو أصل في الوجود الروحي، وفعل الإنسان الذي هو صورته الخارجية في العالم المادي، وعليها يقع الحكم بالمدح، أو الذم. وذلك يحتاج إلى مسوغ عقلي، ويستوجب معرفة بالحكم، لأن تمام القصد منه، هو الانتباه إليه إلزاما، والتزاما. وذلك مما لا يتأتى فعله إلا بمعرفة يقينية. وفي هذا المقام تفريق بين العبادات، والمعاملات، وحدود منصوص عليها، وتعزيرات أسسها الفقه. ولكننا قد اكتفينا بما أوردناه لضرورة المقام.