لا لقرار منع المشروبات الكحولية

عبدالخالق حسين
2016 / 10 / 25

جاء في الأنباء أن مجلس النواب العراقي، صوت يوم السبت، 22/10/2016، على إغلاق محال بيع المشروبات الكحولية "بشكل نهائي”، وفرض غرامات على المخالفين تصل إلى 25 مليون دينار.(1)
أعتقد أن هذا القرار خطأ كبير، ويشكل خطراً وبيلاً على سلامة المجتمع، لأنه تجاوزٌ على الديمقراطية، والدستور، والحريات الشخصية التي كفلها الدستور للمواطنين، فضلاً عن أن نتائجه ستكون عكس الغرض الذي أريد منه، وذلك كما يلي:

أولاً، أضرار الكحول
في البدء، أود أن أؤكد بأني قاطعت تناول الكحول منذ ما يقارب العشر سنوات، وقبل ذلك كنت لم أتناوله إلا بمناسبات متباعدة وباعتدال، ولكن توصلت أخيراً إلى قرار مقاطعته نهائياً ولأسباب صحية وقائية، "الوقاية خير من العلاج".

فمن نافلة القول، أن الكحول مادة سامة تضر بالصحة، والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتعرض الإنسان لمخاطر حوادث الطرق، والتورط بمشاكل مع الآخرين لأتفه الأمور...الخ. وآخر دراسة طبية في هذا الخصوص نُشِرَت في مجلة (The Lancet) الطبية اللندنية المعروفة، تفيد أن الكحول يسبب السرطان في أغلب أعضاء الجسم، وليس هناك الحد الأدنى الآمن (No safety-limit-)(2). كذلك معروف عن الكحول أنه يسبب تليُّف الكبد وعجزه، إضافة إلى التعجيل في موت الخلايا الدماغية، وما ينتج عنه من ضعف الذاكرة ومرض الألزهايمر (الخرف المبكر)، ومرض الارتجاف أو الرعاش (Parkinsonism)، وأمراضاً كثيرة أخرى.

ثانياً، أضرار المنع:
أثبتت الوقائع أن الدول التي منعت الكحول لأسباب دينية أو غيرها، مثل السعودية وإيران وباكستان ...، كانت النتائج وخيمة وكارثية. فالإنسان حريص على ما منع، إذ كما تفيد الحكمة (كل ممنوع متبوع). وفي هذه الحالة يلجأ الخمريون إلى الطرق غير القانونية للحصول على مبتغاهم، فإما أن يقوموا بصناعته في بيوتهم وما يترتب على ذلك من احتمال التسمم، أو اللجوء إلى نوع من القولونيا ومواد سامة أخرى، كما حصل عدة مرات في باكستان، أدت إلى وفيات وإصابات بمختلف الأمراض، ومنها الإصابة بالعمى في حالة تناول الكحول المثيلي (surgical spirit).
كذلك يفتح المنع أبواب التهريب من قبل عصابات المافيا، وما يترتب عليه من حرمان خزينة الدولة من الضرائب على الخمور. والأسوأ من كل ما تقدم هو تفشي المخدرات، وانتشار زراعة الحشيش (أفيون)، وترويج تجارته كما حصل في دول المنع، وتشكيل عصابات المافيا المسلحة وما تقوم به من جرائم بشعة بحق المجتمع. لذلك فأضرار منع الكحول أكثر وأسوأ من إباحته.

ثالثاً، لا قانونية المنع
استند نواب الشعب الذين تحمسوا وصوتوا لصالح المنع، على المادة الاولى من الدستور، التي تنص:
(أ ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام).
طيب، إن السماح لصناعة وبيع الخمور وتناولها كان متبعاً في العراق وفي معظم الدول الإسلامية الأخرى لمئات السنين، فما الذي حفزكم الآن لخلق هذه المشكلة؟ وهل العراق تنقصه مشاكل في هذه المرحلة؟ كذلك هناك الكثير من الأمور التي تعتبر من ثوابت الإسلام، إلا إن الغالبية العظمى من الدول الإسلامية غضت الطرف عنها، وتساهلت فيها حسب متطلبات المرحلة الزمنية التي نعيشها، وعلى سبيل المثال، حتى إيران وتركيا الإسلاميتان، أوقفتا العمل بقطع يد السارق، و رجم الزاني والزانية، وهذان الحكمان من ثوابت الإسلام أيضاً، أما تركيا فقد ألغت حتى تجريم الزنى بالتراضي، رغم أن الحزب الحاكم هو إسلامي. فهناك آية قرآنية تقول: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر". فلماذا لم تأخذوا باليسر في الإسلام، ودائماً تصرون على الأخذ بالعسر والشدة، و خنق الحريات وتحويل حياة الناس إلى سجن وتعاسة؟

نسي السادة النواب أن قرار المنع هذا، يتعارض مع الفقرة (ب، وج) للمادة الأولى أيضاً من الدستور، والتي نصهما: (ب ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية). والفقرة (ج ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور). وعليه، فهذا القرار يتعارض مع الدستور. لذلك فهو باطل.

التحجج بأن الغالبية العظمى من الشعب العراقي مسلمون لا يبرر إصدار القانون، لأن هناك نحو 10% أو أكثر من غير المسلمين، مثل: المسيحية، والأيزيدية، والصابئة المندائية وغيرهم، إضافة إلى أن نسبة عالية من المسلمين ليسوا متدينين أصلاً، عملاً بقوله تعالى (لا إكراه في الدين). لذلك فسن هذا القانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في الدستور.

مخاطر القانون
لهذا القانون تداعيات ضارة جداً على المجتمع. فالمواطن العراقي محاصر من جميع الجهات، ويعاني من مختلف أنواع الضغوط النفسية والاجتماعية، والاقتصادية وغيرها. فهناك ضغوط العمل والإرهاب، و الفساد ...اللخ، لذلك يرى نسبة كبيرة من العراقيين في تناول الكحول باعتدال نوعاً من التنفيس عن الضغوط النفسية التي يعانون منها. وهذا متبع في جميع أنحاء العالم. فالشعب العراقي بحاجة إلى توفير أماكن ترفيهية مثل منتديات، وحانات، ومقاهي، ومنتزهات وحتى إلى مراقص للترفيه، و لمَ لا؟ فلماذا يستكثرون على العراقي أبسط الحقوق باسم الدين والدين منهم براء؟ فالحرمان من الترفيه عن النفس يؤدي إلى تصعيد الضغوط النفسية، إذا لم تر متنفساً آمناً لها كصمام أمان، تؤدي إلى تراكم الضغوط، وبالتالي إما إلى عقد وأمرض نفسية أو إلى الانفجار.

إن تناول الخمور عند البعض أشبه بمسكنات للأوجاع، لذلك فقرار المنع أشبه بقرار منع الحبوب المسكنة للأوجاع مثل الأسبرين والبارسيتامول وغيرهما. فلتصور أن البرلمان يصدر غداً قانوناً يقضي بمنع الأطباء من استخدام المورفين والبثدين في المستشفيات عند الضرورة. وهذا ليس مبالغة في التشبيه، فالخمور أيضاً مسكنة للأوجاع النفسية عند الضرورة، إن لم يحصل عليها بالوسائل المشروعة فيلجأ إليها بالوسائل غير المشروعة، ولسان حاله يقول: "وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان".

أعتقد جازماً أن السادة النواب الذين صوتوا على هذا القرار المجحف، يجهلون أبسط المعلومات عن الطبيعة البشرية، ولم يدركوا تداعيات قرارهم الخطير هذا. لذلك أرى من المفيد أن تقوم رئاسة البرلمان بتنظيم أمسيات ثقافية لهم، تدعو لها أساتذة جامعيين متخصصين في علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي، لإلقاء محاضرات عليهم في هذه المجالات، وتسجيل هذه المحاضرات لبثها عبر التلفزة كجزء من الحملات التثقيفية للشعب، كما يجري هنا في الغرب لتثقيف الناس وتعويدهم على التفكير العلمي النقدي.

ما العمل؟
وبناءً على كل ما تقدم، نستنتج أن هذا القانون هو سيئ وخطير، ويعتبر تجاوزاً على حرية المواطنين، لذلك نهيب بمنظمات المجتمع المدني والقوى السياسية، وكافة الكتاب والصحفيين والديمقراطيين، شن حملة سلمية ضد هذا القانون، ومطالبة السيد رئيس الجمهورية، والمحكمة الدستورية بإلغائه لعدم دستوريته.

ما البديل؟
نعم، المشروبات الكحولية تسبب الكثير من المشاكل الصحية والاجتماعية وغيرها، ولكن ليس من واجب السلطة التشريعية أو التنفيذية بإصدار قوانين وقرارات المنع التعسفية بتجريم إنتاجها وبيعها وتناولها، وإنما دورها ينحصر بسن قوانين انضباطية فقط في هذا الخصوص. فالدولة تمثل السلطة المدنية المسؤولة عن شؤون الناس الزمنية الدنيوية. أما الشؤون الدينية فهي وظيفة رجال الدين، والتي تنحصر في تقديم النصح والإرشاد والتوعية، وليس بالقسر والقهر، وذلك عملاً بالحكمة (إنما الدين النصيحة)، (وما عليك إلا البلاغ)، (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)، و( لا إكراه في الدين).. اللخ. فهذا هو الإسلام الحنيف، أي اليسر السهل الذي أفهمه، فلماذا تجعلون منه ديناً صعباً لا يطاق؟
وفي نفس الوقت يجب حث المؤسسات الصحية والإعلامية والتعليمية على شن حملة ثقافية مستمرة لرفع الوعي الصحي للشعب بمخاطر وأضرار الكحول، والدعوة نحو الاعتدال في تناوله، أو الامتناع عنه طوعاً وعن قناعة وليس بالإكراه. فأضرار الكحول الصحية لا تقل عن أضرار التدخين، ولكن في جميع الأحوال، لا يجب منعه بقوانين تعسفية تتعارض مع حقوق الإنسان، والحريات الأساسية الواردة في الدستور، لأن نتائج المنع كارثية.

كذلك يجب الضرب بيد من حديد العصابات التي تحاول فرض إراداتها الغاشمة على الناس باسم الدين، بدلاً من الدولة التي وحدها لها الحق في تطبيق حكم القانون وحماية أمن الناس.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- مجلس النواب يصوت على اغلاق محال بيع المشروبات الكحولية وتغريم المخالفين
http://www.akhbaar.org/home/2016/10/219285.html

2- مقالة المجلة الطبية البريطانية، ذي لانست: Alcohol and cancer
http://www.bbc.com/news/world-middle-east-37743180

3- تصريح من الاتحاد الديمقراطي العراقي حول قانون حظر المشروبات الكحولية... لا لقمع الحريات
http://www.akhbaar.org/home/2016/10/219316.html