الشخصية برأي آخر -2-

إبراهيم الوراق
2016 / 10 / 25

الشخصية برأي آخر 2
من خلال ما ذكرناه، يتبين لنا أن هذه النسبة في الشخصية إلى الشخص، تحتاج إلى وضوح الغاية منها عند إرادة التحديد، والتقييد، وإلا، فإن اللفظ لن يدل على المعنى المشبع بآثار التقديرات الذهنية، والعاطفية. فهو يدل في ظهوره الأسمى على أمور عظيمة، تخزنها الذات، وتحافظ عليها، لكي تتم بها عملية الوجود الشخصي في الذات الجامعة لجميع المركبات المتفاعلة مع الطبيعة، والحقيقة. ومن هنا، فإن النظر إلى وجود الشخص في عينه المقابلة للآخر، ليس هو القول بوجود شخصه العياني في صورته الباطنية، قبل أن تعبر عنه الصورة الظاهرية بتمام ما كتب على صفحتها من مبان، ومعان. ولذا، يستلزم التعريف المتماهي بين فضاء يمتد من عوالم الإنسان المشخصة بالجوهر الباطني، إلى عالم آفاقه المرئية في اللمحة الظاهرة، أن نكون بين نظرين متباينين: نظر روحي، يرى الشخصية في استواء المركب بين طيات الذات الواعية بسرها في الوجود. وتلك هي قيمةالإنسان بين أوزان الأشياء المحكومة بالبقاء، أو الفناء. ونظر مادي، يرى الشخص في ظهوره بين الأشياء التي تحكمها الطبيعة بقوتها الجبارة، وبروزِه بين الطرق التي تصوغ الآمال بوسائل تفضي إلى غاية المنفعة، والمصلحة. وهذا النظر الأخير، وعلى رغم نشأنه عند كثير بين محاضن الصراع، فإنه لا يبتعد كثيرا عن النظر الأول، لأنهما يشتركان معا في الذود عن حياة هذا الكائن البشري. فذا يعتبر روح الحياة من باطن الذات، وهي الفاعلة في الإنسان بالوجود، أو العدم، ويقتضي ذلك سيادتها على عوالمه الأخرى. وذا يقول بأن وجود الحياة، يفترض وجود الإنسان، ولا وجود له إلا إذا كان فعله معتبرا، ولا اعتبار لفعله إلا إذا قصد مسمى النفع في العرف الإنساني. وهنا نقارب بين القضيتين، وهما متباينتان في عقول تصنع الصراع. فالأول حدس صور الظاهر فارغة بدون وجود المحتوى الباطني، فجعل الباطن موجها، ومحكوما عليه. والثاني رأي حسن السيرة في الإنسان، لا تأتي منه إلا ظاهرا، وهو المحكوم عليه بالقبول، أو الرفض. وهل حصل الاختلاف هنا.؟ لم يحصل الاختلاف بينهما، لكونهما معا يريان الإنسان ببعديه الروحي، والمادي، فهما على ذلك متفقان في النتيجة، ويسهل جمعها، أو يجوز تحاورهما حول رص الحدود، لما في كل واحد من مرونة، وسعة. لكن الذي أحدث الاختلاف بالبعد عن المعنى، هو ما رافق القضتين من جهل بالمراد بهما، ومنهما. فالأولى أنتجت الغلو في الروحانية، والثانية أنتجت الإفراط في الظاهرية. وهذا الاختلاف في تحديد المفهوم، هو السبب في الصراع الذي أرهق عوالم الإنسان جملة، وكلية، وأربك سيره في مداه المعنوي، والمادي. ولا غرابة في ذلك، لأن اختلال التحديد للمفهوم، هو نتيجة لعدم وضوح المعنى، إذ لو ظهر جليا، وكان له مساق واحد، لانتهى الاختلاف حوله. لكنه لم يتضح، لكونه لم يميز فيه بين ما هو مراد منه روحا، أو مادة. وكثيرا ما يقع ذلك في المفاهيم التي لها بعد جوني، وبعد براني. لأن عملية اكتشاف مدار كل واحد منهما، مرتبط بتقديرات الإنسان لهما. وذلك ينبني على تصوراته الذهنية، والعقلية، ويتقوى بكيفية ربطه بين الأشياء بعلاقاتها، وارتباطاتها، وبطريقة نظره إلى ما هو روحي، يستلزم الإيمان به يقينا، وإلى ما هو مادي، يستوجب التكيف معه في حدود التكليف البشري. ومن هنا، فإن الألفاظ على هذا الاعتبار، لا تحددها دلالتها الوضعية، وإنما يحددها ما يضاف إليها في منبت الإنسان من صفاته الظاهرية، والباطنية. لأن اللغة لا تفسر إلا في حدود ما بلغته آفاق معرفتنا، وإذا تجاوزنا هذا السقف في لحظة معينة، فإننا سنكتشف في ذواتنا معاني أخرى للألفاظ التي نحكي بنا عن مدارات فكرنا، وأملنا، هي أقوى في دلالتها على تحديد المعنى مما هي عليه الآن. ولذا، فاللغة في أصلها الباطني إلهية، لأنه هو الذي عبر بها في الإنسان، وفي أصلها الظاهري بشرية، لأنه هو الذي نطق بها بين الأكوان. وما هو إلهي، لا يستوعب إلا في حدود طاقة الإنسان الإدراكية، وما هو إلهي، فقصارى الجهد أن نبحث عنه في مفهوم اليقين بكماله، وجماله. والأغرب أن هذا الصراع الناشئ من اختلاف إدراكات الذات العاقلة، تبعا لاختلاف مدارات امتزاج الإلهي بالبشري فيها، لم ينج منه أدعياء المعرفة، بل تنكروا له، وخالوا القضية من فيض التعليل في محل الاستدلال. وهذه الاستهانة بوجود مكمن للاختلاف هنا، يتطلب دركُه والوعيُ به، أن يفسر تفسيرا واضحا لا ينتج صراعا في القضايا المعرفية، هي التي أدت إلى استثمار النزاع بين موارد الإنسان، لكي يكون تابعا لمن يحدد المفاهيم بذاته، ويريدها أن تكون منقوشة على عقول الآخرين، لا يفكرون إلا بها، ولا ينافحون إلا عنها. وذلك متعذر، لأنه ينفي ربط اللغة بالكيان البشري، وهو الذي يمنحها في حقيقتها دلالاتها، ومعانيها. وأكبر خلل نعانيه الآن، هو تنكر خطاب الدعاة له، حين وضعوا الحواجز بين العامة، والخاصة، فقالوا بحمق الإنسان حين أرادوه بدون جهاز لغة، تتحدد مفاهيمها في تصور الذات، وتطلعها، وتشوفها، ولكنهم في القضية نفسها، يدافعون عن كونه عاقلا، مكلفا. إذ لو كان عاقلا في تكليفه، لما احتاج إلى من يبني له في ذاته لغة عقله، وقيم فكره. وعلى هذا، يصعب طي المعادلة في واقع الأفكار المتناحرة حول شجرة المعرفة، لأن حقيقة ما يطلب هنا، هو إنزال التكليف، وليس الإنسان. وإذا غاب الإنسان، ونحن نثبت حضوره، فكيف يمكن لنا أن نقول في شيء واحد بالعدم، والوجود.؟ فالقضية صعبة، وهي مركبة من نظرين: نظر تريد به الإنسان كحقيقة موجودة، ونظر تريد به الإنسان كطبيعة منفعلة. فالحكم على أحدهما سهل، لكن أن نحكم عليهما ممتزجين، فذلك أعسر في المنطق الإنساني، لما فيه من تلاق بين الحدين، وتماس بين المعنيين. لأنه يستحيل أن يكون الإنسان حقيقة، وهو لم يتمتع بحصته من التعقل، والتفكر، كما يستحيل أن يكون فعل الله بدون أثر على المعني به. وإلا، نزل التكليف على جماد، وصار الإلزام لا يؤدي إلى الالتزام، لما بينهما من بعد في المرتبة. وذلك مما لم يقل به إلا من رضي أن يقتل الإنسان فداء للفكرة الجائرة. والأغرب أن يكون هذا التفسير للإنسان متجَها تتجه فيه قنوات التوجيه، والتربية، والتعليم، بل الأفجع في الغرابة، أن يكون هذا اللسان، هو الغالب على كثير من الأفواه التي لا يحرجها النفاق، والخداع، والكذب، ويصير ديدن كل اللصوص الذين سرقوا الهيكل، ونجسوا المعبد، وحنطوا الإله، وقتلوا الإنسان، وجعلوا الجنة ملكا لمن غرق في ترصيفهم لبيت النجاة، والنار عقابا لمن خالف غوائل الذات المتكسرة أمام شعاع الحظوة، والشهرة، والوجاهة، والفخامة. فهل هذا النظر صحيح في الاعتبار.؟
إن اعتبار الشخصية ناشئة من الشخص المرئي، المشاهد، يؤدي إلى اعتبار هذا الكائن ضعيفا، لا يستحق أن ينظر إليه على اعتبار كونه محل الأسرار التي لم تكشف إلا لسواه في الأزل، بل هو تابع للسياق الذي تفرضه الأفكار حين تلتئم على حظ، أو نصيب، يكون محل تجاذب، وتقاطب. ومن هنا، فإن فحص الظاهر بدون هداية الضامر في الباطن، يؤدي إلى كثير من الأغلاط في تقدير الناس، واحترامهم، وتوقيرهم، لأنهم كائنون بما في باطنهم من معاني الاستسلام للأشياء المحبوبة، والاستكراه للأشياء المرذولة، لا بما هو مفروض عليهم في صياغة واقعهم المحدود بما طفح عليه من نزاعات الناس حول المصلحة، والمنفعة. كلا، بل الباطن، هو مصنع يركب كل العلاقات والخيوط التي تنسج جبة الحياة لهذا الجسد المنهك بغوائل الزمان، والمكان. وهنا، يكون تقدير الشخصية في مرتبتها الخارجية غير معتبر من الناحية المعنوية، لأنها إقصاء لذلك الكهف المظلم الذي يجري حكمه بهذا الهيكل إلى صوغ مراميه، ونيل مطالبه، وإلغاء لتلك الآمال المحترقة ببؤس مناكبه، وشؤم مناقبه. وهكذا، فإن الشخصية بهذا الاعتبار، ولو أخذت من الشخص، لا تدل على الجرم المتجوهر فوق الأرض بظلال، وخيال، لأن محل النظر فيه، ليس إلى ما نراه متوقفا عليه ظاهره، بل إلى ما نلمسه في غوره من أمداء بعيدة.
وإذا كانت الدلالة في اللغة العربية تقتضي النزوع نحو منحى التشخص، أي حمل وجه الأرض لجرمِ كائنٍ، يكون به الشخص واضحا، وقويا، فإنها في اللغة اللاتينية، تحتمل معنى أقرب إلى قول من قال بأنها من الشخوص، أي الظهور، لأنها تدل على القناع الذي يخفي صورة الإنسان البارزة، لكي يتجسد في دور من أدوار هذه المسرحية التي تقام على مسرح الطبيعة. ولا غرابة في ذلك، فاللغة، ولو هي كائن متوقف على أصله الإلهي، فإن ذلك لا يعني أننا لن نطيق أن نخلق من ذواتنا معاني عند الاحتياج إليها، ما دامت لا تخرج عن دائرتنا الإنسانية، سواء في بعدها الروحي، أو المادي. وهذا الاحتياج إلى رسم صورة لمسرحية الحياة التي أدركها العقل الفلسفي في اليونان، وكان بذلك عظيما، وفذا، لأنه جرد الظاهر من قناعه، فرأى من ورائه ذوات تتلهف إلى البقاء، هو الذي أدى باللغة إلى أن تختار دلالة القناع على الشخص، لكون كل واحد منهما يخفي إضمارات غير مرئية، ويعني ذلك أن الشخص لا يجسد في واقعه إلا نسخة من أدوار مختلفة. وعلى هذا، يكون ما نقوم به من طي ونشر المعاني في حكاية كبيرة تحكيها الأزمنة، والأمكنة، قد أدى دور الوسيط إلى صناعة هذا اللفظ، لكي يدل على العمل الظاهري الذي يقوم به البطل في مسرجية، أو المهرج في فرجة. وهنا، يكون لفظ الشخصية دالا على الظاهر المشخص في الصورة الآدمية، حين تتفاعل حركتها مع حركة غيرها، ويكون الإنسان آليا، لأننا أفرغناه من المحتوى الباطني، بوجدانه، وعواطفه، وعقله، وفكره، لكي نقول بأنه هو الصورة المتحركة وقف سياق معين، وتكون النتيجة أن ما يقوم به، لا يتجاوز كونه فعلا إضطراريا لتمام الحكاية في المسرحية. فهل هذا المطلب يمكن الوصول إليه.؟
إن أعظم تيه وقع فيه بعض المنتسبين إلى المعرفة، هو عدم إدراكهم أنهم لسان المادة في أقدس مظاهرها، ولو هتفوا بلغة الروح التي يقاتلون من أجلها. لأن الاتكاء على الظاهر المنسوب إلى الباطن، لا يكفي وحده في رسم معالم القضية، بل لا بد أن يكون الظاهر خاضعا للباطن، ويكون الباطن سويا في إدراكاته، ولغاته، ومعانيه. إذ الظاهر لا ينظر فيه، إلا لما يحتاج إلى تكليف بلازم الفعل، فإن كان خيرا، استوجب فضلا، ونبلا، وإن كان شرا، استوجب عقابا، وجزاء. وهذا هو شأن الفقه في الدراسات الدينية، لأنه تنظيم لحياة الإنسان، بما تقضيه سنن بناء الكيان الاجتماعي، وترتيب للأدوار المختلفة في سياق الدولة الجامعة لكل مناطات الفعل البشري. ومن ثم، فالفقه لم يصب بأذى إلا حين جرد الفعل من فضائه الروحي، والأخلاقي، واهتم بإقامة حدوده، ورسومه، لئلا يصاب بالفناء، والزوال. والأغرب أن شدة الحرص هنا على حياته، هي التي ستؤدي إلى موته، لأن بقاء الفقه حيا، لن يتم إلا في حضن ارتباطه بمجاله الروحي. فهو الصلاة خالية من الرياء، والزكاة خالية من المنة، والحج خاليا من شوائب الشرك الخفية. بل هو الحياة كلها، إذا كان هدفه استقامة الظاهر، والباطن، والقول، والفعل.