جمالية النص في رواية -السماء قريبة جدا- مشهور البطران

رائد الحواري
2016 / 10 / 25

جمالية النص في رواية
"السماء قريبة جدا"
مشهور البطران
قدم لي الصديق الوفي "مشهور البطران" روايته "السماء قريبة جدا" وقد كنت بعيدا عنها إلى أن أرسلها لي، وقد وجدتها، وجدتها رواية إنسانية قبل أن تكون فلسطينية، رواية فيها العديد من الأفكار والصورة التي تعري المحتل وتعري واقعنا، سأحاول تقدمها على دفعات، أولا لأن الوقت لا يسعفني لتقديمها مرة واحدة، وثانيا لكي نسهل على المتلقي تناول فكرة الرواية وما يحمله هذا التعقيب من مداخل يمكن من خلالها التعمق فيما تطرحه.
احدى سمات النص الجميل فتح آفاق أمام القارئ، إن كانت هذه الآفاق من خلال الفكرة/الحدث أم من خلال اللغة وشكل تقديم العمل الأدبي، فاللغة التي يستخدمها الراوي تعد بحد ذاتها عملا ابداعيا، فهو يمتع القارئ، ولا أقول يأسر القارئ، فالتمتع حسنة/فضيلة/ميزة، بينما الأسر يعد قبح.
الراوي تعمد أن يحدثنا بالغة سهلة، يربط من خلالها احداث روايته، فيجدها المتلقي مترابطة بشكل وثيق، فتبدو كالسيرة، كقصة عائلة فلسطينية، وعندما نقول فلسطينية لا نعني الطرح المثالي، الطرح الذي يقدمنا كضحايا للاحتلال، بل الطرح الذي يقدمنا على طبيعتنا الإنسانية، فمنا من يحمل الخير، ومنا من يحمل الشر، ومنا من يدعوا للحداثة ومنا من يدعوا للتقليد، منا ما هو رجل تقدمي مدني، ومنا ما هو قبلي عشائري، منا من هو رجل ومنا من هي امرأة، منا الثائر/البطل ومنا العميل/الجاسوس، منا الشاب ومنا الشيخ، منا المثقف ومنا العادي، فشخصيات الرواية تلامس الواقع تماما، وهذه الواقعية للشخوص تتوافق ومفهوم سهولة اللغة، فالشخصيات تنسجم مع اللغة الروائية تماما، تتحدث كلا منها حسب واقعها، وهذا ما يجعل لغة النص/الشخصيات تتوافق مع تركيبتها الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي يسهل على المتلقي فهم والاستمتاع بما فيها من احداث، فهي قريبة منه، بلغتها وشخوصها وبفكرتها.
تضمين الرواية لمقاطع كتبت بالغة شعرية، وتحمل أفكارا إنسانية أطفى عليها لمسة جمالية اضافية، كما أن وجود عدد من الحكم، التي تمثل خلاصة تجربة الراوي يجعلها رواية استثنائية، فهي تحمل خلاصة تجربة الإنسان الفلسطيني ونظرته للحياة، للواقع، للمحتل، لنفسه، لأرضه.
ومن جماليات رواية "السماء قريبة جدا" وجود مشاهد فنية ادبية في العديد من فصولها، وهذا ما يمتع المتلقي ويجعله يتماهي مع النص الروائي، نهاية بطل الرواية "زيدون" بحد ذاتها كانت تعد تعرية/ثورة على الواقع الفلسطيني، فالراوي تجاوز فيه الطرح الرومنسي، الطرح الذي يقدمنا بصورة مثالية، بصورة أبطال، فنحن أولا وأخيرا نبقى بشر، ولسنا ملائكة أو شياطين، وهذا الإنسانية، الواقعية الطرح ميزة تلازم السرد الروائي من بدايته حتى نهايته.
تناول الرواية للتعددية العقائدية/الدينية في فلسطين، يعطي صورة المجتمع الذي يدعو له الراوي، فهو يريدنا بهذا لتنوع، بهذا التشكيل الذي يثري المجتمع ويقويه/يقونا، فهو مصدر من مصادرة التميز والقوة لنا، فلنعمل على الاحتفاظ به، ونبتعد عن التماثل والوحدة الدينية.
الرواية تتحدث عن "زيدون" الفلسطيني الذي يشاهد ما يقوم به المستوطنون من أعمال عدائية اتجاه الفلسطيني والأرض الفلسطينية، مما يجعله يقدم على قتل الضابط المتقاعد "مورالي" الذي "أذل الناس وسامهم سوء العذاب، ودمر زرعهم وقتل أغنامهم وسمم آباؤهم، آخر جرائمه قتل راع بذريعة أن أغنامه اقتربت من جدار المستوطنة" ص21، كما يقوم بقتل احد افراد عائلة "الهلالي" الذي يعمل عميلا للاحتلال، مما يجعله مطاردا من عائلة "الهلالي والاحتلال معا، يتم القبض عليه ويحكم بالسجن لمدة ثلاثين عاما، اثناء سجنه تقوم زوجته "نبيلة" بالعناية بالأسرة، فتقوم بدور الرجل المنتج وبدور الأم معا وتقرر أن تبني منزلا على التلة كما كان يفكر "زيدون".
يخرج من السجن في عملية التبادل (شاليط) بين جيش الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، يجد ابنه "عزت" قد اصبح شابا، يدرس في الجامعة، يتجه "زيدون" إلى العمل في الأرض وتربة المواشي، يحاول ضابط المخابرات "شاؤول" اسقاط "عزت" في شباكه، وهنا يحدث صراع داخلي رائع عند "عزات" إلى أن يحدث اباه "زيدون" بما يتعرض له من ضغط، يخطط "زيدون" لعملية يقتل فيها الضابط المخابرات، وتنجح العملية، لكن تعرف قوات الاحتلال أداة المواصلات المستخدمة (دراجة نارية) يكشف الفاعل للاحتلال، وقبل أن يتم ارسال القوة للقبض على "زيدون وعزت" يأتي احد افراد عائلة "الهلالي" ويقتل "زيدون".
صراع الفلسطيني
واقع الاحتلال يفرض على الفلسطيني خوض الصراع، فهو لا يستهدفه كإنسان وحسب بل كأرض أيضا، فالاحتلال يعمل على انتزاع الطبيعية الإنسانية من الفلسطيني، وجعله يعيش في حالة غير سوية، أن كانت على مستوى الحياة المادية أم النفسية والروحية، فهو يشكل الغصة التي تعيق حياته وتهدد وجوده.
من مشاهد الصراع المادي هذا المشهد، "أذل الناس وسامهم سوء العذاب، ودمر زرعهم وقتل أغنامهم وسمم آباؤهم، آخر جرائمه قتل راع بذريعة أن أغنامه اقتربت من جدار المستوطنة" ص21، بكل تأكيد مثل هذه الاعمال ستؤدي إلى إحداث خلل في الحياة، وفي طريقة التفكير، ثم في السلوك، فالتحول من السلوك العادي/الإنساني إلى سلوك العنف والقتل أمر في غالية الصعوبة، وهو لا يتلاءم والطبيعة الإنسان، من هنا عندما يقدم "زيدون" على إزالة هذا الأذى من حياة "أهل الدير"، نجده يتعرض حالة صراع، حالة عدم الرضى عما أحدثه فعل القتل فيه، عدم توافقه مع فعل القتل، فهو يجده فعل غير إنساني، فعل لا يتوافق مع طبيعته،: "فكان يهب من نومه فزعا، هو يسائل روحه: هل خلقنا كي نقتل ونقتل؟ متى نعيش بصفاء روح وسلام كشعوب الأرض؟ ولاحظ ناجي عياد اضطراب روجه، وأدرك سر حزنه، فهو يعرف أن زيدون لا يأسف على موت مورالي بقدر ما يأسف على نفسه أن يكون قاتلا" ص21و22، الإنسانية اهم ما في هذا الطرح، إنسانية الفلسطيني إلى يرفض أن يكون قاتلا، ويرفض أيضا أن يتعرض للإذلال والظلام، من هنا يقدم على الفعل الأقل ضررا عليه، ليس كفرد بل كشعب، كأمة، م هنا وجدنا "زيدون" يقبل أن يعرض نفسه لهذا الصراع، لهذا (الانحراف) في سلوكه لصالح المجموع/ لصالح الشعب، لكن هذا القبول، لم يأتي مرة واحدة، جاهز، بل يمر بحالة من المخاض، بحالة من الألم، من العذاب، فهو يرد ذاته أن تبقى نقية وصافية، متفقة ومنسجمة مع الطبيعة الإنسانية من جهة والطبيعة الجغرافية الفلسطينية، "ـ ولكني لا أريد أن أعتاد القتل" بهذا القول يرد على رفيقه "ناجي" اعتقد بأن هذه الإنسانية أهم ما يميز شخصية "زيدون" فهو إنسان وليس قاتل، ليس مجرم، ويرفض أن يتحول إلى قاتل أو مجرم.
الاحتلال
الاحتلال يمثل اكبر شر وقع على الفلسطيني، فسلوكه العدواني يمس كافة جوانب الحياة ويحولها من حالة الهناء والسعادة إلى حالة تنغيص وعذاب، يحول الحلم إلى كابوس، يحول الجنة إلى جحيم، "...أن الأرض التي يسعى سليم العيسى إلى تحويلها إلى جنة خضراء ظلت عرضة لعواصف الاقتلاع التي تهب من جنازير الجرافات الإسرائيلية المتمركزة في ثكنات على أطراف الدير" ص15 هذا المشهد يشير إلى جرائم الاحتلال التي يمارسها بحق الفلسطيني، مما يتوجب عليه مقاومتها بالشكل والأسلوب الذي يجده مناسبا، وهذه المقاومة لا بد لها من رجال، من نساء، يقومون بواجبهم اتجاه انفسهم وشعبهم.
لكن الاحتلال لا يكتفي بهذا الفعل على الأرض، بل يقوم بقتل الإنسان الفلسطيني كما يقوم بقتل الأرض الفلسطينية، يصف لنا الراوي مشهد الدمار والقتل على حل في عيادة الدكتور عزيز (حكيم الثورة) "كانت رائحة اللحم المحروق تنبعث من بين الانقاض. ورجال الاسعاف يجمعون الاشلاء من أطراف ورؤوس ويكومونها جانبا، أنها أشلاء المرضى من النساء والأطفال ممن جاؤوا طلبا للعلاج لحظة القصف" ص53، مشهد قاسي ومؤلم، يمثل وحشية وبطش الاحتلال.
هناك الصور الموضوعية قدمتها الراوية، بعيدة عن تلك الصورة التي جعل من المحتل مجرد آلة للقتل والدمار، صورة أخرى تعريه كمحتل وترفع من شأنه كفرد، كإنسان، فعندما يتم قتل "زيدون" من قبل حفيد الهلالي نجد ضابط الاحتلال يتحدث عن "زيدون" بهذا الشكل:
"ـ كان عدوا شريفا قاتل بشجاعة وعلمنا دروسا في أخلاقيات الحرب، الكثير من الإسرائيليين لن ينسوا زيدون الرفاعي الذي حافظ على حياة مريام وأولادها في وقت عمت فيه الكراهية والأحقاد بين الشعبين" ص207، بحمل هذا الكلام انصاف للفلسطيني وللاحتلال معا، فهو يقدمنا بشكل ايجابي، بشكل إنساني، ويقدم كذلك ـ أفراد ـ من المجتمع الإسرائيلي بشكل ايجابي، إنساني، لكنه يعطي صورة الوحش المدمر للاحتلال، فما قاله الضابط " بشجاعة وعلمنا دروسا في أخلاقيات الحرب" يحمل بين ثناياه الاعتراف ضمنا بفقدان الإنسانية من قبل هذا الاحتلال.
اعتقد بأن هذه الموضوعية في تقديم الآخر تخدم جمالة الرواية، فهي لا تسعى إلى تهييج المتلقي وإثارته بأي شكل من الأشكال، بقدر تقديمها صورة واقعية عما يجري على الأرض، وكأن الراوي أراد منا نحن القراء العرب وأيضا أراد من المتلقي الآخر ـ المحتل ـ أن نتقدم من سلوك "زيدون" العدو الشريف، وأن لا نكون مجرد أداة للقتل والتدمير كما يفعل جيش الاحتلال ومستوطنيه والبعض منا، وهذه الفكرة من الافكار السامية التي تحملها الرواية.

.