من يحب الوطن لا يجعل الحكومة كل همّه.

سعيد الكحل
2016 / 10 / 25

تخوض الأحزاب اللاهثة وراء المناصب الحكومة جولاتها التشاورية مع رئيس الحكومة السيد بنكيران . وإذا كان من حق أي حزب السعي إلى امتلاك الوسائل التنفيذية التي يخولها الدستور لتطبيق برنامجه الانتخابي الذي خاض به الحملة ، فإن المنطق السياسي السليم يقتضي تشكيل تحالفات سياسية على أساس تقاطعات بين برامج واضحة تبارت بها الأحزاب السياسية . وما تشهده الساحة السياسية في المغرب من تحالفات حزبية بعد ظهور نتائج الانتخابات أبعد ما يكون عن الديمقراطية كقيم وكآلية لتحديد اختيارات الناخبين وتوجههم العام . فأن تعلن قيادات الأحزاب ، باستثناء حزب الأصالة والمعاصرة، عن استعدادها للانضمام إلى التشكيلة الحكومية قبل بدء المشاورات وتحديد المعالم الرئيسية للبرنامج الحكومي ، له دلالة واحدة وهي الرغبة في الاستوزار بغض النظر عن المواقف المعلنة سابقا من هذا الطرف أو ذاك . من هنا يمكن التشديد على المحاذير التالية :
1ـ المنصب فوق مصلحة الشعب :بررت قيادتا الاتحاد الاشتراكي والاستقلال مشاركتهما في حكومة السيد بنكيران بالدفاع عن مصلحة الوطن . ومعنى هذا أن القيادتين تستشعران وجود "خطر" لا قدر الله يتهدد أمن الوطن ، ما يستدعي التعجيل بتشكيل الحكومة . وإذا جاز قبول هذا الطرح افتراضا ، فإن الخطر الذي يتهدد الوطن لا بد وأن يكون خطرا كبيرا وحقيقيا ، وفي هذه الحالة تقتضي المصلحة العامة تشكيل حكومة وطنية تضم كل الأحزاب ويكون لها برنامج محدد هو التعبئة العامة لصد الخطر . وهذا الأمر استبعدته القيادتان لغياب أي خطر حقيقي يتهدد الشعب والوطن، من جهة ، ومن أخرى فإن الدستور المغربي ينيط بالملك مسئولية حماية الوطن بكل ما تتطلبه هذه الحماية من وسائل وإجراءات ، وفي مقدمتها تشكيل حكومة وحدة وطنية . ومادام صاحب الشأن مطمئنا والوطن آمنا ، فإن الداعي إلى اللهاث وراء المشاركة الحكومية هو الطمع في المناصب والمكاسب ؛ ولتذهب البرامج الانتخابية والمبادئ الحزبية أدراج الرياح .
2 ـ تمييع الحياة السياسية : تشكو التجربة الديمقراطية المغربية من عوائق شتى تحول دون اشتداد عودها. وفي مقدمة هذه العوائق إلغاء الفوارق بين الأحزاب ، سواء في برامجها أو توجهاتها أو ممارستها . فإذا كانت العقود الثلاثة الأولى من استقلال المغرب تميزت بتدخل الدولة المباشر والسافر في تمييع الحياة السياسية بخلق "أحزاب إدارية" وتبويئها صدارة الانتخابات ضدا على إرادة الناخبين ، فإن المشهد السريالي الحالي الذي كشف عنه اللهاث وراء المناصب يثبت انخراط قيادات الأحزاب الوطنية/الديمقراطية التي كانت ضحية سياسة الدولة إياها، في تمييع الحياة الحزبية والسياسية بكل إصرار وعناد. فلم يعد المواطن العادي وحده في حيص بيص من أمر هذه الأحزاب ، بل صار حتى مناضلوها والمتعاطفون معها يعانونا تيْها ودُوارا ، بحيث لم يستوعبوا بعد أكان تصويتهم لأحزابهم دعما لها في مواجهة تغوّل حزب العدالة والتنمية وتعطيله للديمقراطية التشاركية التي ينص عليها الدستور ، أم هو تزكيه لخيار ارتمائها في أحضانه وتأثيث بيته الحكومي. فما الذي بات يميز الأحزاب فيما بينها إن لم تكن المبادئ والبرامج والمواقف ؟ فحول أي برنامج حكومي يمكن أن يقبل الاتحاد الاشتراكي والاستقلال التحالف مع البيجيدي؟ هل حول القانون الجنائي الذي يحرض على جرائم الشرف ويبرئ مرتكبيها ؟ أم حول إلغاء الدعم عن البوطا؟أم خوصصة التعليم والصحة ؟أم التوظيف بالكونترا ؟ام إلغاء الترقية بالشواهد والأقدمية؟ أم خلق هيئات صورية مثل هيئة المناصفة؟أم العفو عن ناهبي المال العام ؟ أم التراجع ومراجعة قرارات الحكومة المنتهية ولايتها المتعلقة بقانون التقاعد وقانون الإضرار وصندوق المقاصة ؟؟؟
3 ـ تنفير المواطنين من المشاركة السياسية عبر الانتخابات :لا شك أن الارتماء في أحضان حكومة بنكيران التي أجهزت على كل المكتسبات ، سيدفع فئات أوسع في صفوف هذه الأحزاب ومن عموم المواطنين إلى مزيد من العزوف السياسي ، اقتناعا منهم بأن الانتخابات صارت صورية وأن التنافس بين الأحزاب غدا شكليا طالما كانت المناصب والمكاسب هي الهدف والمبتغى .
4 ـ ضرب مصداقية البرامج الانتخابية : إنها النتيجة الحتمية للتمييع السياسي والهرولة المقيتة نحو الظفر بالحقائب الوزارية على حساب إرادة الناخبين واختياراتهم . فالذين صوتوا لحزب ما إنما صوتوا لبرنامجه الانتخابي الذي وجدوه يجيب عن انتظاراتهم . لكن تحالف هذه الأحزاب مع حزب أجهز على حقوق المواطنين سيفقد الناخبين الثقة في الأحزاب ويجرد البرامج الانتخابية من أية مصداقية.
كانت انتخابات 7 أكتوبر فرصة مواتية لتشكيل معارضة قوية تضم الاتحاد والاستقلال والبام لمواجهة مخططات الحكومة برئاسة البيجيدي .وهكذا نضمن في المغرب نوعا من العقلنة الحزبية والعمل السياسي ونكون أمام برامج واضحة ترقى بالوعي السياسي وتعيد للعملية الانتخابية مصداقيتها التي تؤسس للمصالحة بين المواطنين وبين المؤسسات المنتخَبة .أما الارتماء في أحضان بنكيران والتودد إليه فلن يخدم الديمقراطية ولا التعددية ولا مصلحة الشعب ،لأن بنكيران سيؤثث حكومته بهذه الأحزاب ليعطي لنفسه الشرعية الديمقراطية لمزيد من التراجعات . من هنا فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات تنتهي بانتهاء الفرز ، بل هي منظومة قيم ومبادئ وقواعد تؤسس للتعاقد الحر والمسئول بين الأحزاب وبين الناخبين ،وعلى أساسه تكون المحاسبة في نهاية الولاية. إنه الاستثناء المغربي الذي يجعل حب المنصب أسمى من خدمة الشعب.