وهل يرضى الحسين بهذه الكوميديا السوداء (2)

جعفر المظفر
2016 / 10 / 24

وهل يرضى الحسين بهذه الكوميديا السوداء (2)
جعفر المظفر
إن ما وصل إليه العراق في يومنا الحاضر يوجب علينا التحلي بالأمانة والموضوعية التي تساعدنا على وضع اليد على اسباب العلة الحالية التي سيترتب على إستمرارها أخطار تتجاوز القضاء على فرص العراق في التطور إلى الشك في إمكانية بقائه.
وإنه لَمِن العقل حقا أن نؤمن أن فرص التآمر على وجودنا الوطني وعلى إمكانات التطور والسلم المجتمعي ستكون أقل تأثيرا فيما لو تم لنا منع تفعيل القضية الدينية والمذهبية بإتجاه سياسي. وسيكون عظيما ورائعا لو أن المؤسسة الدينية العراقية أدركت أن واجبها الديني هو نفسه الذي يحتم عليها مراجعة فقهها السياسي بكل مشاهده وإعادة صياغته بالإتجاه الذي يخدم قضية البقاء والوحدة والتقدم والسلم المجتمعي, وهل هناك مهمة أكثر قدسية من مهمة الحفاظ على حياة الناس وأمنهم وحمايتهم من نيران الصراع على السلطة, ونبي الإسلام نفسه هو الذي قال (لأن تهدم الكعبة حجرا حجرا أهون عند الله من قتل امرئ بغير حق).
وسوف لن يكون غريبا ان توضع هذه المؤسسة بمذاهبها المختلفة في اول سلم المسؤولية عن تراجع الدين وعن تزايد عدد الملحدين بعد أن عجز الإسلام السياسي واللاسياسي عن تقديم حلول مطلوبة لمشاكل العصر وتحدياته, وبعد أن تأكدت بشكل جدي مسؤولياته عن دخول المنطقة برمتها في كهف الفرقة والتخلف والإقتتال والجهالة.
لقد ظل الإسلام السياسي يدعي بأنه الحل المناسب للمشاكل التي عانتها المنطقة بعد دخولها في عالم ما بعد إنهيار الدولة العثمانية الإسلامية ونشوء ما سمي وقتها بالدول العلمانية التي لم تفلح بطبيعة الحال أن تكون دولا علمانية حقيقية لعجزها عن تأسيس خطاب ثقافي صريح وواضح وبعيد عن المجاملات الإجتماعية والدينية, وتغليبها العمل السياسي الفوقي على العمل الثوري البنيوي, بالإضافة إلى عجزها الحقيقي عن بناء البنية التحتية العلمية والإقتصادية والإجتماعية الصالحة لبناء مؤسساتي وثقافي علماني راسخ ومتين, وخصوماتها البينية الدموية, مع مجمل ما أحاطها من الظروف الإقليمية والدولية القامعة والمانعة.
لكن عودة الإسلام السياسي بعد إنهيار تجربة العمل الوطني (العليماني), أو (علمانية النص ونص) سرعان ما أكدت على أن خطاب الإسلام السياسي غير قادر على بناء قرية متواضعة فكيف به وقد صار أمام تحديات بناء دولة بديلة.
وإذا كان من تأثيرات فشل التجارب السياسية العليمانية أن تخلت الشعوب عن تمسكها بقادة وأنظمة تلك التجارب, وحملتها, وأفكارها وعقائدها, بشكل واضح وصريح مسؤولية الفشل والجرائم التي نتجت عنها, فعلى من ستلقي هذه الجماهير المسؤولية وهي ترى أن أخطاء وجرائم سنة واحدة للإسلام السياسي تعادل فشل مجموعة السنين التي حكم بها التيار الوطني العليماني.
إن البحث الرصين والصريح سوف لن يقف أمام جرائم وأخطاء صدام حسين أو ستالين او بوش وبلير أو موسوليني أو هتلر أو أبو بكر البغدادي كأخطاء ذات علاقة بالبناء والتكوين الشخصي فحسب وإنما هو سيمتد لكي يتعامل مع أصولهم العقائدية والفكرية, باحثا عن الخطأ في المضامين الثقافية والأخلاقية والفكرية التي فَعَلَّت إستعدادتهم الجرائمية ومنحتها المشروعية المُحَفِزة والداعمة.
على الجهة الأخرى أيضا فإن البحث في أخطاء وآثام وجرائم الإسلام السياسي سوف يتعدى التفتيش عن الإستعدادات السلوكية لزعماء هذا التيار ذاهبا إلى التفتيش في خلفياتهم الدينية التي سهلت لهم الوقوع في الخطأ وشرعنته. وهل سيكون غريبا بعدها أن تضع الناسُ الدينَ نفسه على طاولة المشرحة لكي تعثر على الأسباب الحقيقية التي أسست الخطأ وشرعنته فتنتهي أما إلى الإلحاد بهذا الدين وتركه أو إلى إعتباره غير صالح للعمل السياسي.
لقد قال إمام المذهب الشيعي ورجله الأقدس علي بن ابي طالب (الناس ثلاث :عالمٌ رباني ، ومتعلمٌ على سبيل نجاة ، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق.), ونحن نسأل هنا: ألم تحن الفرصة بعد لواحد من هؤلاء (العلماء الربانيين) في الحوزة العلمية الشيعية ان يقتدي بإمامه فيعتلي شرفة من شرف الحضرة العلوية أو الحسينية أو العباسية لينبه (الناعقين وأتباعهم) إلى خطأ ما يقومون به من طقوس وليؤكد لهم لو أن الحسين كان على علم بما سيحدث لإستشهاده لما كان كان فكر بالإستشهاد