الشخصية برأي آخر -1-

إبراهيم الوراق
2016 / 10 / 24

أعتذر عن تداخل المفاهيم بين دائرة المضمون. وذلك مقصود في الحدود التي نتحدث عن تآلفها، وتوافقها، لأن النصوص في العادة المرعية، لا تخاطب إلا من يفقه كيف يميز بين جزيئاتها المتفاعلة في نظام الكل.
شخصية الضعيف
هل للضعيف من شخصية.؟ إن هذا السؤال مربك للتقدير الذي تبني عليه الأفعال في الظاهر، وتؤسس به الأحكام على الأثر، وتربط فيه النتائج بالغايات. والباحث عنه، لا بد أن يراعي شروط المعرفة، وقواعد التدبير، وإلا، كان كلامنا غير محتمل لذلك المغزى الذي نريد أن نصل إليه في تكوين معجمنا اللغوي، وقاموسنا الدال على امتزاج المعاني التي نقصدها بالذات العاقلة. ومن هنا، يصير لزاما علينا أن نتساءل: ماذا يريدون بالشخصية.؟ هل يريدون ذلك الجانب البارز من الإنسان.؟ أم يريدون الشخص بمعنى الجرم الدال على الذات.؟ أم يريدون الذات بتشكلها في المستوى البارز، والضامر.؟ قد يكون لغوا منا أن نعتبر أحد هذه المعاني المختلفة باختلاف المحدِّد، والمحدَّد، بدون سند يدل على التركيب الإلهي للحياة البشرية، أو أن ننظر إليها منفصلة عن العموم والخصوص الموجودين في حركة الأشياء المتفاعلة مع الإنسان نفيا، أو إثباتا. إذ وجودها برهان لمن قال بأن التعدد في المعنى، لا يدل على اللفظ، وإنما يدل على تشعبه في غور اللافظ به. ولذا، تكتسي اللغة صبغة الذات، فيكون معناها، هو ما تحيل إليه دلالتها في الصوغ الأكمل لها بين الحنايا، والحشايا، لأن الإنسان لا ينطق إلا بمفاهيمه التي نقشتها اللغة برموزها في صوره الذهنية، وإدراكاته الباطنية. وقل ما تجاوز اللسان هذا المعنى المركب في عمقه، لما للأمر من علاقة جدلية، تقيم رابط العلاقة بين الإنسان كذات مفكرة في التوازن بين الأشياء، والإنسان كذات واعية للمقصد المراد من الحياة على الغبراء، وهي تقوم بالأشياء تبعا لنتيجتها، وتحجم عن أشياء رغبة في النجاة من عواقبها.
إن تحليل الشخصية البشرية، ليس موردا مورودا لكل من امتلك بعض أدوات المعرفة البسيطة، وتعرف على جزء من دروب إقامة الحكم فوق المحكوم، بما يقتضيه نص التكليف في أول التأليف، بل هو المحل الذي تمشي عليه أقدام حماة السر الإلهي في الذوات باستحياء، والمقام الذي تتوقف على عتبته أقدام مستنشقوا نسيم الروح الكونية في عمق الأشياء. ومن هنا، سيكون كلامي منطبعا بتلك الصورة التي أشاهدها على القوي في صياغتي الذهنية القابلة للإلزام بالكمال، فترتاح مكامن روحي إلى طلعته البهية، وتهدأ جوارحي لما يلبسه من جميل الخلال، والخصال. لأن القوة في اعتبارنا، لا نكسبها بما نضيفه إلى جسدنا من طاقات خارجة عن إراداتنا، وسارية فينا بأعبائها. إذ ما يمكن أن يكون وصفا في الخارج، هو في تكوين صياغته قابل للتعدد، والاشتراك، لكن ما هو خاص بالذات، لا يكون محصولا إلا لها، ولا يساويها في ذلك شبيه، ولا يماثلها فيه نظير. لأنها الذات المتفردة، والكيان المستقل، والحقيقة المقدسة في كل كائن. ومتى أيقنا بوجود هذه السمة التي لا يستطيع موجود في الكون أن يجسدها نيابة عنك إلا أنت، فإننا سنكون أحرارا في الاختيار لهذا النمط المحدِّد لنا اعتقادا، وسلوكا. وإذ ذاك سيتحول ذلك التميز الفائق إلى أداة فاعلة، لا منفعلة، تخدم الآخر، أو الغير، وتسعفه، وتنجده، وتغيثه، وترفع من أس كل بناء يفيض فيه كامن الحب، والخير، والجمال. وهنا تزل الأقدام، وتضل الأحلام، لأن تلك السمة الذاتية، وهي العنوان البارز على شرح إرادتنا، وأفعالنا، إذا تحولت إلى مناط يتحقق به الصراع المبني على التفاوت بين دوائر الإنسان، فهي عين البوار، والخراب، بل هي المحضن القابل لنهاية روح التآلف بين الآدميين. لكون حروب العالم كما نشاهدها، لم تنتج إلا عن تلك الأنانية المفرطة، أو لنقل، لم تسوغ لغة القتل، والفتك، إلا لأنها ترفض الآخر بدعوى امتلاكها للحقيقة المطلقة، وتعلن قيام المجتمعات على قواعد الاختلاف حول المشترك المراد في تعدده انسجامُه، وتوزانه. ومن ثم، فإن الذات الدنفة، هي نتيجة لذلك الخلل المتجذر في أعماقنا المنهكة بأعباء الذات العليلة، وحصيلة لتلك التربية التي أثمرت للانفصام بين العقل والحركة البشرية. ولذا، لم يستقم أمر هذه الذات بتلك الصفة التي تميزها عن غيرها استقلالا، بل استهواها أن تمثل دور الكمال في حبك قصة الضحية المغلولة بقيود واقع آسن، يحكمه نظام عنيفُ القواعد، والحركة، والقصد. لأن الشعور بأنها ضحية نقص لا معدى عنه، والإحساس بأنه قدر محتوم، لا يجد حروفا لصوغ حجة مظلومية إلا في لغة البكاء، والاستجداء، والتزلف، والمداجاة. ومن هنا، يكون لائقا بنا أن نعتبر سبب إشعال نيران الفتنة ناتجا عن هذه العقدة المعذبة للإنسان، وهي شعوره بالنقص الذي لا تسكن لواعجه إلا بإظهار القوة في البيئة الخارجية، وإن كان ما يبرز منها صريحا في كون المتمرد بها على الحقيقة، يحس أكثر من غيره بالعجز عن إدراك التمام المقبول فطرة في الإنسان. إذ لو أدرك لكيانه قيمة في ذاته، فإنه لن ينتحل صفة الكمال، ويدعى أنه المرآة التي يجب النظر إليها عند ابتغاء الذات قراءة مفهوم الشخصية بنقائصها، ونقائضها.
ومن هنا، كان خطاب كثير من الدعاة معبرا عن الذات المعلولة بالضعف، والنقص، والكساد، لا عن الله عز وجل في تنزيهنا وتقديسنا للكمال الأزلي في كون الجمال. لأنهم فخموا ما حقه الترقيق، وابتعلوا ما واجبه الهضم، فجاء منهم القول فتنة، وبلبلة، والفعل تعصبا، وعنفا. فلو سكت هؤلاء الناطقون باسم الإله المتنائي دركُ أثر أسمائه، وصفاته، لارتاح العالم من صوت لا يربط بين الإنسان وحقائقه التكوينية، والوجودية. لأن كثيرا من أنصاف الدعاة، يستبق الزمن بخدعه، لئلا يفقد وجاهته التي يستوهبها من التعالي بالمطلق، ويستهديها من التباهي بالقدرة على فك ألغاز وحي الله إلى الإنسان. وإلا، فما قيمة هذا الشطح الذي تعرق به جباهٌ تتفنن في رص كلمات الدجل، والخرافة.؟ إن تصوير الله عز وجل على ألسن كثير من دعاة الفتنة، لا يمنحنا تلك الحقيقة الإلهية المجردة عن كل قيود الذات، وحدودها، ورسومها، ولا يهبنا القدرة على تجاوز اللانهائي إلى النهائي، ولا يسوغ لنا الانتقال من الصور المدركة في المادي إلى المعنى الروحي المستقل بذاته، لذاته، بل يدعو إلى تأليه الانطباعات المرسلة إلى الوعي المفتول من حبال متهرئة، وتأثيل الانفعالات التي تفيض من المزاج السيء على صريح الأفعال المغالية في تحبير نقوش البشرية المفارقة لخصائصها المتفاوتة بين الطهارة، والنجاسة. وهكذا، يصير النقص وسيلة لاكتساب العلم بالجهل، والقوة بالضعف، والغنى بالفقر، ويكون الادعاء أداة للتواصل بها مع الآخر، والتكبر مناطا لتحقيق الذات المغرورة بأحلامها المنسرحة بعيدا عن الطبيعة البشرية. وسواء اقتضى ذلك أن نقول بمشاكلته لنا، أو مصارمته لنا، لأن المعيار هنا غير دقيق. ولذا تحول الولاء والبراء تلقائيا مما يحبه الله، وهو الإنسان، وهو أغلى من الكعبة، إلى حب الذات المترنحة بنشوة الانتصار في ميدان التوجيه إلى مقتضيات مجهولة. وأعظم جهل يبثه كثير من هؤلاء الدعاة، هو إرباك الإنسان في علاقته بالله. فأنت تريده عبدا مطيعا لك، ولكنك في القضية نفسها، تلبس طمعك في تدبيره سوءَ ما تضمره من خيانة لله، وكذبَ ما تعلنه من حماية سمائه بالمنافحة عنه. وتلك هي الآفة الاجتماعية التي نشرت الوقاحة في محل المروءة، وجعلت الدهماء يتجرؤون على المعرفة، والحقيقة.
إن هذا الاختلال الحاصل في موازين الأشياء عند الاعتبار، والافتحاص، هو الذي دفعنا إلى أن نتساءل عن سر هذا الإنسان. هل شخصيته تُحدد في تميزه.؟ أم في قدرته على اكتساب رهان الوجود النسبي، ولو أدى ذلك إلى اضمحلال شخصه، واعتلال قصده.؟ لعلني لن أعدو الحقيقة إذا قلت: إن الشخصية الضعيفة في كرع الحقيقة من منهل العناء، -لو كانت شخصية اعتبارا،- لا يستوجب نمطها حكما يميزها عن غيرها، بل هي منحازة في عظيم حالها إلى العقل المدبر للكسب، والمعاش، لأنها لم تتجرد عن رغبات الجماعة في كبد الفرد، لكي يكون لها فضل يعرف فضلتها بالصفة المثلى التي يتم بها التمايز، والتفاوت. وإلا، لو كانت الشخصية محددة بكونها تنتهي إلى رسم معلوم، فإن إسعاف التعليم، والتربية، لن يؤدي في النهاية إلا إلى صناعة نمط واحد، تنتهي دونه كل المركبات البشرية. وهنا سنكون حيال شخصية ميكانيكية، تقوم بعمل يفضي إلى التلازم فيه بين دور الفرد، ووظيفة الجماعة. أي أن الشخصية هنا، لم توجد إلا لكسب المصالح، والمنافع. لأن ما ينظم المجتمع من سياقات متفاعلة، ليس هو هذا الفكر، أو ذاك، بل هو كل ما يضمن له بقاءه، واستفراره، ويمتعه بما تقتضيه رغباته في الوجود، والخلود. وهنا تكون العقود الاجتماعية في حسن جمالها، تقصد ذلك الإلزام، والالتزام، وذلك التنظيم الذي ينتج عنه الاتزان، والاستواء، لا ذلك التفرد الذي يمنح الذات حريتها، واستقلالها، ثم يطيش منها القدرة على الفعل المسؤول في دائرة التكاليف الاجتماعية. وهذا معروف لكل من ألم بالعلوم الإنسانية، وشاهد في مرآة العلم كيفيات تكوُّن الشخصيات في المجتمعات البشرية، وسواء كانت شخصية فردية، أو جماعية. لأن الفردية منها، تعبر عن الذات في علاقاتها وروابطها الباطنية، والجماعية، تفصح عن تلك القدرة التي تجعل الفرد متحولا من ذاته كمظهر جوني، إلى ذاته كمظهر براني، أي أن الشخصية الجماعية، هي التي تربط العلاقة بين قيم الذات، وقيم المجتمع. وهنا نكون أمام شخصية لها موقف مسوغ فيما يموج حولها من أحداث، وعلاقات، وارتباطات، لأن فاقد هذا الحكم على ما يدبره من أقوال، وأفعال، لا يمكن له أن يكون محلا للقدوة، والإسوة. إذ ما اقتدى الناس إلا بمن لهم مرتبة تميزهم عن صوت القطيع الضاج بالشهوات، والنزوات. ولذا، فالناس متساوون في كثير من الأوصاف التي تلتبس بالذات في الظاهر، وتعتري الكيان في لحظة امتزاج الذوات بعضها ببعض. لكن ما يقدس من الشخص في الحقيقة، هو ذلك الفضل الذي يميز ذا عن ذاك. –أي تلك الصفة- وأغرب شيء في القباحة، هو أن تجعل تميزك بشيء لا تملكه، وإنما تؤسس لوجوده، ما دمت ترى ضرورة رواجه لكمال ذاتك في عالم فقد بوصلة المعرفة، وتحاكم إلى الجهالة، وظن أن من يقوم بتزييف المعاني، هو المعتبر في التقدير. أجل، هو معتبر في تقدير الغوغاء، والدهماء، لأنه صار صوت الرغبة المكنونة في سياق لا يهتدي إلى سبله بنور العلم الأبلج، ولا بقوة طلب الحقيقة التي أودعها الله في هذا الوجود، وإنما تلمس دروبه بالخداع، والزور، والزيف، وترقب حظوته بالذل، والمهانة، والخسة. ومن هنا، فقدت دائرة العلم قيمتها، لأنه صارت نجدة مغيثة في عقول العلماء، لا فعلا يستلزم الإقلاع من دائرة الفراغ إلى دائرة الامتلاء. كلا، بل صارت إحساسا بالقوة في رغبة العالِم بقيمتها أمام عواطف العامة، فاستحلى أن يعبر عن تلك العاطفة المكنونة في الذوات المختلة، لا عن ذلك الخيط الذي يربط العلم بمهده، وأصله.
ومن هنا، فإن الشخصية لا تكون قوية ببروزها، وظهورها، ما لم تكن مركبة في عالمها الباطني من العقل، والإرادة، والعاطفة، وممتزجة الفكر والسلوك في المظهر الخاص، والعام. وكل هذه الأشياء التي هي جماع الذات العاقلة، إن لم تحدد لغتها في الكيان، لن يأتي منها المعنى في الخارج، لأنها مكونات لا ترد عليها من الظاهر، بل محضنها، ومولدها، ومنشأها، هو الباطن، لا ذلك الظاهر الذي نحكم عليه احتياطا، لا يقينا. وهنا نكون في تعريف الشخصية بين نصين: نص يجعلها ملكا للباطن، وعليه المعتمد، ولا حكم في المآل إلا له، ولأجله. ونص يجعلها ملكا للظاهر، فرأى الشخص شاخصا، فأغراه ما تفتق عن بهرجه الخارجي من زينة، وفتنة، ولم يدر أن ما نتزين به، لم يكن مقبولا في عقولنا، إلا لكوننا رأينا المظهر غير واف بتمام قوة الإنسان في ظهور الصورة جلية، وواضحة. ولذا، قد يكون ما نراه بريقا يلمع، وشعاعا يسطع، لكنه سرعان ما تكشفه العين البصيرة، فتراه سرابا في البغية، لا حقيقة في المنة. فالذين رأوا تمام المعنى في الباطن، علموا يقينا أننا لا نرشح في ظاهرنا إلا بما كمن في أعماقنا. والذين رأوا المعنى في ذلك الاتساق والانسجام الظاهري، ولو تركب من متناقضات، ومتباينات، قد حكموا على الشخص في استوائه أمام النظر الناظر، وشخوصه للعين، ولو احتوى الكيس على نتن، وعفن.