السياسة والثورة، رد على ماهر مسعود

ياسين الحاج صالح
2016 / 10 / 23

على سؤال: هل يمكن بناء أكثرية سياسية واجتماعية عابرة للطوائف؟ رد ماهر مسعود: "لا، (...) لأن ذلك يحتاج إلى تفعيل السياسة بدل الحرب". (مقالته "في شأن متطلبات الحل العادل لصراعنا"، وهي نقد لمقالتي: "في شان الحل العادل لصراعنا، تصور سوري"). لكن عدا عن أن مسوغ السؤال اليوم هو "الحرب"، أو الأوضاع المتفجرة في البلد اليوم ومنذ بداية الثورة السورية قبل خمس سنوات وسبعة أشهر، يبدو لي أن المشكلة في صيغة السؤال، وتحديداً في تحكيم تصور الممكن في التفكير في "الحل السوري العادل". لم يكن سؤال التغيير الممكن هو ما يشغلني في المقالة المنقودة، بل سؤال التغيير الثوري والعادل. أفكر في أوضاعنا السورية الراهنة من مدخل جذري تأسيسي، لذلك لم ينحصر نقاشي في نطاق الممكن السياسي العملي، الذي يرتبط بموازين القوى القائمة، وهي اليوم في غير صالحنا بقدر كبير، وقد يكون بشار الأسد ودولته السلالية هما تحقيق هذا الممكن، أو نسخة معدلة من الدولة الأسدية.
ثم أن الحرب ليست شرطنا اليوم ومنذ 67 شهراً فقط، فهي شرطنا منذ عقود، والتفكير في "حل سوري عادل" ليس اقتراحاً عملياً لوقف إطلاق النار اليوم، بقدر ما هو رؤية لطي صفحة نظام الحرب، وإحداث تغير جوهري في البيئة السياسية السورية، ينفتح على سورية جديدة غير أسدية.
ويبدو أن اختلاف المقاربات بين السياسية الظرفية والثورية التأسيسية هو النقطة الأساسية التي تفرق بين طرحي في المقالة المنقودة وبين طرح ماهر في نقده. ليس كاتب هذه السطور غير مبال بالسياسة الحدثية وموازينها وممكناتها وإكراهاتها، ويأمل أنه ليس شخصاً غير واقعي أو مقيم في أوهامه. ولكن ظاهر أن الواقع متغير، وأن أعداءنا أقوى اليوم تحكما بمفاتيح تغيره منا، وهذا بعد فترة نحو عامين من عملية ثورة غير مسبوقة، كانت لسوريين متنوعين الكلمة العليا في تغير الواقع في البلد لأول مرة منذ نحو خمسين عاماً. أُذكِّر بذلك للقول إن الممكن وقتها، 2011 و2012، غير الممكن اليوم. وأخشى أننا نجازف بخسارة تطلعاتنا التحررية أن أغفلنا ارتباط تغير الممكن بتغير الواقع، وحكّمنا ممكنات واقع يتفوق أعداؤنا في صنعه اليوم على ممكنات واقع تلامحت قبل أربع سنوت فقط، وكان أغنى بالوعود وأخصب.
هذا التحكيم الحصري لممكن سياسي مشدود الوثاق إلى واقع هو ما ثرنا ضده، وما تمعن ثورتنا في التعثر في مواجهة حماته، هم بمثابة تضييق لممكناتنا ذاتها، وتسليم بالواقع القائم. ومن يقل إن السياسة فن الممكن، يجب ألا ينسى أن الممكنات تصنع، وأن السياسي الفاعل هو من لا يكف عن محاولة صنع ممكنات جديدة، ويعمل على تعبئة موارد مختلفة ليكون طرفه أو تكون قضيته في وضع أفضل في أي مداولات سياسية ممكنة.
أحاول في هذا التصور تقريب السياسي من التأسيسي، أو ببساطة اقتراح سياسة أكثر جذرية، تتوافق مع تطلع الثورة السورية إلى تغيير سياسي أساسي. ما ورد في المقالة المنقودة هو محاولة لبناء رؤية سياسية واضحة حول هذا التطلع المؤسّس، حجر الزاوية فيها هو فكرة تشكل أكثرية سياسية جديدة.
وبعد هذا، هناك فعلاً واقع نؤثر عليه بالفعل، ونغيره بالفعل، حين نقدم تصورات تحاول الجمع بين الوضوح والعدالة، هذا الواقع هو أذهاننا وتنظيمها وقدرتها على التوجه في عالم تزاد آفاقه قتامة بفعل انحدار نوعية سياسييه، وغير قليل من مثقفيه. هذا الواقع هو، بلغة شيوعية قديمة، بناء "العامل الذاتي"، ومنه بناء قضيتنا بأوضح ما نستطيع من رؤية واتساق أخلاقي، ومن معلومات وأمثلة وشروح تفصيلية، بحيث نفوز في أي مناظرة علنية، إن مع النظام وممثليه، أو في المنابر الدولية. فكرة التأسيس تتضمن الراديكالية أو الثورية من جهة، والوضوح الفكري الذي يعزز من قوة "العامل الذاتي" من جهة آخرى. وأفترض أن تصور سورية جديدة يقوم حكمها على تشكل أكثرية سياسية، وما يقتضيه ذلك من طي الصفحة الأسدية ومحاربة المشاريع النخبوية السلفية، يتوافق مع بعدي مفهوم التأسيس هذين. أفترض أيضاً أن هذا التصور يمكن أن يكون سلاحاً في أيدي سياسيين ثوريين، يمثلون قضيتنا ويدافعون عنها.
لدينا مشكلة كبيرة في المعارضة السورية تتمثل في ضمور البعد التأسيسي في تفكير سياسييها (الجذرية ووضوح التفكير معاً)، وغربة هؤلاء السياسيين عن أي جهود فكرية وثقافية تتمفصل مع صراعات الحاضر، وتحاول تصور سورية جديدة. هذا يضعنا، نحن المشتغلين من أجل تصور سورية الجديدة، في غربة مضاعفة: عن مُلّاك البلد الأسديين وأسيادهم، وعن المعارضة الرسمية. ويبدو لي أن ماهر شريك في هذه الغربة، رغم حاكمية الممكن في تفكيره. وما يبدو رداً مناسباً على هذه الغربة المضاعفة التي يعززها اغترابنا المشترك عن بلدنا هو التمسك بتصور معالجة جذرية لمشكلتنا السياسية التي عمرها يقترب من نصف قرن، والتي شكلت الثورة أكبر جهد جمعي لمعالجتها.
أعود إلى القول، تلخيصاً، إن نقطتي الأساسية في السجال مع ماهر تتصل بتحكيم تصور ساكن للممكن في عملية ثورية كبيرة، متعثرة اليوم، يتكالب عليها أعداء أقوياء متوحشون، ويبدو رهانها الأصلي، سورية جديدة لا أسدية، "بعيد المنال على المدى القريب، وربما المتوسط"، على ما قال ناقدي. وبينما أسلم بأن تصوراً شاملاً لحل سوري عادل كان أشد ضرورة وقت صعود الثورة في عامي 2011 و2012، وكان من شأنه أن يكون أكثر إقناعاً وقتها، فإني لا أزال أجادل كل المجادلة ضد إنكار جدوى بلورة تصوراتنا حين نكون قاردين على بلورتها، دون الانحكام لمقتضيات واقعية مباشرة، بخاصة إن كانت مبنية على إغفال أمثالنا منهجياً.
*******
في مضمون نقده، يذكر ماهر نقطتين: واحدة تتعلق بعدم إمكانية قيام أكثرية سورية جديدة راهناً، ويلمح إلى قيام "أكثرية سياسية مركبة إثنياً وطائفياً ومناطقياً وجهوياً وربما جندرياً، «أكثرية أقلويات» توافقية لكن متنازعة ومتنافسة"، لكنه يخشى أن يجري تثبيت هذا الضرب من الأكثرية التوافقية. لكن ما يحول دون تشكل أكثرية سياسية لا طائفية في تصوري هو ذاته ما يحول دون تشكل أكثرية سياسية "مركبة إثنياً وطائفياً ومناطقياً وجهوياً وربما جندرياً"، أعني انفصال هذا التطلع عن الممكن، وعدم وجود أي قوى وازنة تدافع عنه. وكنت ذكرت هذا المخرج التوافقي في النص المنقود، واقترحت تفسيراً لامتناع أي قوى دولية مؤثرة عن الترويج له (خشيتها من أن يؤول إلى هيمنة سنية بالنظر إلى الوقائع الديمغرافية القائمة في البلد وقت تفجر الثورة).
وتتصل النقطة الثانية بالعلاقة بالنظام الدولي. ماهر يفضل موقعا وسطا بين حدين: التبعية التي يجسدها النظام الأسي، و"الاستقلال الوطني" الذي يبدو له اني أقترح في مقالتي، ويراه "غير ممكن في المدى القريب وغير عملي سياسياً". مرة ثانية لست من الإمكانيين، ولا أرى أن مفهوم السياسة الذي يدور حول الممكن بديهياً ولا منافس له. وحال العالم اليوم تحفز على "استشكاله"، النظر إليه كمشكلة يتعين أن تصاغ بوضوح كي نفكر في كيفية معالجتها، لا كقدر نتكيف معه.
ليس واضحاً لي ما هو الموقع الوسط الذي يجده ماهر ممكناً. أعتقد أنه إذا بقيت سورية بلداً على قيد الحياة، فلا بد أن تستطيع التحكم بداخلها، في مقابل أي متلاعبين خارجيين على نحو ما نرى اليوم في لبنان. وفرصة ذلك تكون أكبر بقدر ما تكون لدينا أكثرية سورية جديدة متعالية على الطوائف. هناك شيئان يتعين تجنبهما، هو بلد مفتوح لرياح الأرض الأربعة، تلعب بأحشائه أصابع دول متنوعة، وتسخر تفاعلاته الداخلية لمصالحها، وتؤول به إلى تفجرات دورية. ثم بلد مغلق الداخل تماماً يتفرع نظامه للعب في ملاعب الجوار، واقتراح نفسه لاعباً وكيلاً في ملاعبات الأقوياء، وهذا هو النموذج الذي أسسه حافظ الأسد، وهو بدوره معرض لانفجارات دورية أشد هولاً.
هذا التطلع المزدوج ليس مطلباً كمالياً، إنه مرتبط بمفهوم الدولة بالذات كشعب وأرض ومؤسسة حكم.
فهل لنا فرصة في تجنب الحجر السياسي على السكان من جهة، والاختراقات المتعددة المتنازعة من جهة ثانية؟ أن يكون لدينا ملعب داخلي متوسع، دون تلاعب خارجي من قبل قوى إقليمية ودولية؟ نعم، إنه قيام أكثرية اجتماعية جديدة في سورية، تؤسس للاستقرار في الداخل وللاستقلال عن الخارج.
يبقى أن ماهر يُعوِّل في مقالته على "ظاهرة مهمة"، يراها متمثلة في "الروح الفردية وعدم الرغبة في التنظيم والعزوف عن التحزب والالتزام الإيديولوجي عند الشباب والأجيال الجديدة". ويرى في هذه الظاهرة "الحامل الموضوعي لتجاوز الطائفية مستقبلاً"، و"المانع «الموضوعي» لنهوض الديكتاتورية من جديد". يبدو لي هذا التقدير أقرب إلى التحليلات التاريخانية التي تفكر بمشكلات اليوم بمنطق يعول على المستقبل، مقروءاً وفق مخطط ضمني يحيل إلى متحققات سابقة في تاريخ الغرب. وليس المشكلة الوحيدة أن النفكير التاريخاني يهمل نسقياً قضايا العدالة والصراع من أجلها هنا والآن، بل أنه يبدو قادراً على إضفاء النسبية على اية فظائع تجري اليوم، وعلى اشتغال المثقفين والناشطين السياسيين كـ"مُنسبنين" عاملين في خدمة ملق ما، ووكلاء للتاريخ، بدل الارتباط ببيئة حية وصراعاتها.
مثل الموت، "المستقبل يدوم طويلاً"، على ما يقول لويس ألتوسير. ومثلما لم يعد أحد من الموت، لم يعد أحد حتى اليوم من المستقبل، ليبلغنا إن كان ظهور "الروح الفردية" يحمل فعلاً تجاوز الطائفية.
فلنقم بواجبنا اليوم.