رسالة إلى الأديبة فاطمة ناعوت

إبراهيم الوراق
2016 / 10 / 21

رسالة إلى الأديبة فاطمة ناعوت.
وخْزٌ من العين يدمي، يجري في مداه الصادي بلا أمل العودة. لله ما أعطاها من حجة البيان، ومن رقيق التحنان. فهل غفلت عنها حين أنزاح الطرف نحو صولة الطائش، الألكن.؟ أم رسم الخط حظا في قنن المعاني الغامضة.؟ قد يكون ما أعانيه مرئيا لغيري بطلق البصر الأحد، فيعانق الهباء صفاء، ويدعي بسط اليد بمُلح الأوزان. لكنني وإن تناسيت ومض الشذرات، وما فاض من النبع من نبرات، فإني سئمت من الضجيج الذي تصاعد غباره بين الآفاق، وتناثر فوق الرؤوس الآفنة، فظنته غيثا نزلت بركاته على الأماني المتجرئة، وربما من شدة إصابتها بالذهول مما تأتي به الطبيعة من معجزات، خالوا الحجر ذهبا، فرموا الحجر، فكانت منه سوافح الدماء. فيا ليتهم رحمونا، فنحن قد أيئسنا من الحجر أن يدل على معنى الماء المطلق. لكنهم، قذفوا الطين بالحجر، فلم يستكن، لأن الطين لا يبرئ سقمه إلا الماء. فلو قيل بهذا في سالف الوصايا، لكنا أطيب خاطرا بالانتظار، لكن لم يقل به أحد، ولو جرول هذا الغرير غربةً، وهرول بين الدروب ضاجا بالعويل، وهو لا يعول من بؤس ألم ببطنه، بل أعول لخُلف حصل في قانون عقله، فزعم أن ما ترسمه الرداءة حلال الأكل. لا، وألف لا، فنحن في قصد المراد لا نأكل إلا حلالا، ومتى دعانا إلى مأدبته دعِي، طوينا صحف المعنى، وقلنا: المقام مقام صخب، لا مقام معرفة.
في عويل الديار، وصخبها، لا يمكن لنا أن نسمع صوتا، أو أن نرى أفقا، لأن صناعة ذلك يستلزم السفاهة. ولا أسفه من طائش ظن رفع صوت دنوه حجبا للمعنى عن الظهور. وإذا قدر علينا أن نعيش رافضين للجلبة التي تحتمي صولتها في عقول الكاسدين، فكيف سنرى وجه الغزالة، تدنو في الفضاء، لكي تشع بالأمان على حلم المنفرد، المتجرد.؟ ربما أراها بين الديار تعن لكل سائق متهور، يكتب بها أدلة تقوي عناده عند لُد الخصام.لكن ماذا أطيق، وماذا يطيق غيري، ونحن لم نجد للحلم من محضن، يسميه باسمه المخلد. فماذا نطيق، والأمل يربو بين الأعماق، لكي نشم المعنى في غور الأذواق. ربما قد يكون من العبث في حضرة اللغة أن نصوب خطأها، ونقول بأننا مجيدون للنطق بحرفها، إذ لا نعرفها إلا بها، وإذا فقدناها، صرنا بلا حروف بين الألسن. وربما يكون من الفوضى أن نقول بصخبها، وهي التي لا تولد إلا في حجرها، وإذا ادعى أحد سفاحها، عاندته بأسمى الحجج على عفة الكلمة، ولطف العبارة.
أوراق الزيتون تناثرت على الحمم، حرقت بضعفها حصيد التاريخ، فدبرها من خب بين المساعي متلطفا، فلم يجد سوى ما يكون متسولا. تلك هي أوراقنا التي نحملها عند باب الألم المطمور في سطور الذوات الشقية، والزمان يمشي بين سكك المكان، والخلاف يبني لمحاكمه أعلى المنابر، والمنائر. فمن سيرفع غصن الزيتون، لكي يصدِّق قولَ بناة الرمز في ثمار الأشجار. أجل، لو قيس الفضل هنا بسموق الأغصان على الجذوع، لكان كريمها مساويا لبخيلها، لكن لا تقاس الخضرة إلا بماء الحياة في باطنها. وتلك هي قضية الغبن في كسب الصفات، أو في ربط العلاقة بين الصفة، والموصوف. أجل، لو لم تدل شجرة الزيتون على الأمان، لما كانت دموعها سواحة بين أمداء الكون، وهو تحدو نوقها للقيا ذاك اليوم الأغر، الأبر. كلا، فغصن الزيتون في يد الأعجف لا يدل على الأرض، وهي لا تدل بدلالة القوة إلا على من حرث فيها جميل الخصال. إذ هي الأم التي تأكل أبنائها، وما دمت قد أكلتَ فيها، فلا بد أن تفي لها بأوفى الأثمان، ثم يعقبك الخلف، لكي يؤدي ثمن ما أكلت، كما أديت قيمة ما أبتلع من كان قبلك. وهكذا يستمر العراك بين الأبناء، والأمهات. فأي عقوق هذا الذي أضرم نيران العداء، وترك الديار فراغا في خواء.؟
فآه، آه، كم حمل الغصنَ يد يفل حديدها سُمك هذه الجهالة العمياء، فغرد كالشحرور على فنن الطبيعة الفيحاء، ثم كان صوتها النازف من عمق الإنسان، لا من غور الأنجاد الغائرة في البلاء. أولئكم الحكماء، والأدباء. فهؤلاء، وإن اهتدى السراة في جنح الليالي إلى مخابئهم، فهم لا يهبون السر إلا لمتحرق، دنف، تُرى عليه علامات الوهن بلا أرب. فما بهم خلقوا في الأزل للعناء.؟ ألم يكن صوتهم نغما في ألحان الكون الفسيح.؟ أجل، فنص يكتب، كناي يصدح،. وقلم يبرى، كوتر يُقوى. تلك هي المعادلة القائمة بين الأشياء. فالأرض، هي الوطن، واللغة هي الأمان، وصوتها هو الأمل الذي يغني به الإنسان في جل تواريخه العنيدة.
إنني أرى الطبيعة لغة في حقيقتها، ومن لم تمنحه لسانها، فلن يهتدي إلى أسرارها. تلك هي اللمسة الأولى التي طفحت بأعماقنا، فأخرجتنا من العجماوات إلى كيانات حية، ندبر أمر حكمنا بالألفاظ، فنعقد، وننكث، وإذا ما عن لنا طغيان، كنا أقرب من صليلها لتدليل الصعاب. فلا غرابة، فالأمر يقتضي أن تكون اللغة حجة لك، أو حجة عليك. فما أفلح من ظن طواعيتها غصنا لدنا، فحاول ليه على فراغ. كلا، بل ما أقمتَ بها الحجة على فعلك، إلا بعد أن فاصلتها في ذاتك. إذ لو لم يتم الفصل، لكانت حجة لك في الوصل. تلك القضية الأساس في اللغة، وما أعظمها من قضية. فهي إما أن تكون روحا في المعنى، وإما أن تكون مادة في المبنى. فكثير مما كتبوه في قيم الرداءة، لم تكن اللغة فيه روحا، بل كانت معدنا رخوا، استلان في الصوغ، فكان منه طيش الكون، وكراهيته، وعنفه.
كثيرا ما تؤرقني طرق ربط المعنى بالذات المتحاورة، لئلا أجور في الحكم على كثير مما حبروه زينة، فكانت منه الفتنة، ثم استحال مع ضياع الباب دعارة معنوية، تباع بأرخص الأثمان، وتشترى في سوق الخرثى بلا قدر، ولا وزن. فأقول لذاتي: هل اللغة نور.؟ أجل، أدركت مما سلف من تجربة المعنى المتحور مع الذات صعودا، وهبوطا، أن ما نكتبه، لا يمكن له أن يكون معنى، ما لم يخترق الزمن، ويتعالى على لغة الكسب، والاستحواذ، ثم يستمر في عمق سره، لا يكتشف منه حاذق إلا ما انسرح بين عينه من مُدد العمر القصير. فهي إذن نور، وكل نور طاقة، وكل طاقة تخرج عن مبدأ الرقم، والحرف، لكي تدل على الوحدة في مجرة الكثرة. وأدنى المنازل في الاعتبار، أن نجعلها مهارة مكتسبة، أو فعلا يسطو به الإنسان المحاجج على غيره. لا، بل قبل أن يتحدد بها قانون المعاش، والرياش، فهي قد كانت في أصلها معنى إلهيا في الأسماء، يحتمل اللفظ ومعناه في سياق النظم الجامع لوحدة الألسن. وهذا النور، هل تدركه في المكتوب، حتى يكون للبصر الحاد نفاذ إلى الذات، حيث المعنى كامن، وحيث المراد مقصود.؟ وهل تراه سوطا يسوق الألفاظ نحو المعنى بخوف، لكي نؤمن بالقوة، لا بجمال اللغة. هنا، تتحدد المعايير التي نميز بها الأدب الرفيع من الأدب الوضيع. وإذا تجاوز النقد هذا المكان، كان عطاءه هزيلا في مرمى العين، ومطرح اليقين. لأن عدم إدراك الذات المتموجة مع الزمان والمكان في المكتوب، لا يجعله أقرب إلى شهية طعامي. فنحن في العادة الدنيا، لا نأكل إلا ما نجد له لذة. وتلك اللذة هي اللغة في العادة العليا، إذ لا نعانقها إلا في صفاء المورد، ونقاء المولد، لأنها تعبر عن الكيان، عن الكلية، عن الماهية، عن الجوهر، عن الإنسان الناطق بغاية. فالآكلون هنا لتلك الجيفة النتنة، لم يستسيغوها إلا حين كان لسان الحوار بينهم جنونا، وحمقا. فهم قبل أن يتظاهروا بعفة اللسان، قد كانوا قبل الظهور محتشدين حول عفن، رتبوا على خوانه أتفه الأسباب في غوائل المكر، والخداع. فلا فرق بين ذا، وذاك، ولو قلنا اضطرارا بأن من يدبر المعاش، يحتاج إلى لغة الكسب، أو الاستحواذ. لكن من تخذ الأدب حرفة، فإن رأى في اللغة جسرا للوصول إلى تلك الحديقة، فما وفى بحق اللغة، لأنها جَنة، قبل أن تكون فلكا يجري بين الأكوان. فإن أنت لم تعتبر جمال الحديقة فيها، فكيف ستصف الأشجار المترنحة بين أطياف قرج.؟ سيكون غباء من كل كاتب أن يتسول باللغة إلى مأرب سواها، لأن نورها يحجب عن رؤية ما عداها. فلذا، لا أجد غضاضة في أن أقول بأنها نور. وهذا النور، لا يسلس قياده إلا لمن رأى اللغة روحا، لا جسدا مثخنا بجراح السنين.
أختي فاطمة ناعوت، هي أدبية متضلعة، وباقرة للمعنى برماح حانية. فيا ليتها كانت لطف أنوثة متيمة بالفصد بعد الجرح، لا نصالا تمزق الحشى بمضمرات الهوى. هوى يجعنا على هذه الربوة العتيدة، لعلنا نغني بشجن الطبيعة، أو لعلنا نطلق صفاء السمع لارتشاف المعنى من شهد الكلمات المتدلية في عنقود الأكوان. أجل، لو تألمنا فناء هذا الصوت في الإصغاء، وانحناء الرأس لاستباق نغمات اللحن الشجي، وانزواء القلب إلى معانيه الرقراقة بالنقاء، لأدركت أن لفاطمة ناعوات، ذلك المقام، وحق لها أن تناله، وهي قد قاومت صلافة الأحكام، لكي تشدو بين الهضاب بصوتها الأخاذ بأوتاره الفواحة بالمعنى الخالد.
وهنا أعود إلى اللغة. فأقول: إن اللغة بدون صوت، لا يمكن لها أن تكلفنا بالإنصات، ولا بالاستماع. وكل صوت لن يكون محل قبول في مرمى أنظار الحكماء، إلا إذا ناغم المنى بين جوانح الأكباد المحترقة. فالصوت إذن، إن لم يكن نسيما، فلن يكون في الأذواق رخيما. فالأصوات نسمعها عتبا، أو مدحا. لكن كيف كان هذا عسلا مصفى.؟ وكيف كان هذا علمقا، وصابا.؟ تلك هي المعادلة التي يكتشفها الكاتب حين يزاحم الأذواق المتألقة في سماء البيان، لكي يكون للصوت سِلمٌ ينال به مقام الأمان في القلوب الهفهافة. فالصوت لا نسمعه، إلا لأننا نستهديه. ولا أرى شيئا أجمل من إدخال السرور إلى ذلك الكهف المترع بخبايا الآلام، والأحزان، عمق الإنسان، وغوره. ذلك الكائن المتعب بتحديد المجهول، وتجديد المعلوم. وهل كل صوت يطيق أن يضيء شمعة في دهليز الذات.؟ لا، فصوت الأنثى كما مر معي في مقال سابق، هو صوت الوحدة في عالم الكثرة. وهنا كانت الكلمة معنى في فاطمة ناعوت.
قرأت لها نصوصا في زمن غابر، وما زلت، ونحن جميعا نرش العطر على هذا البحر الممتلئ بالغوائل، وما أقل سفن النجاة فيه، وما أكثر الفواجع على ظهره. عالم النت العظيم. ذلك العالم الذي استحق أن يسمى عالما، وسواء كان لما يعقل، أو لما يعقل، لأنه جمع الكون، وأحاط به، وأحصى رقمه، وتفتق بحرفه. وليس هذا موضوعنا، لما للكلام هنا من احتمال، وافتراض، لكنني قصدت ذلك الحلم الوردي الذي نسقيه بنزيف ينغب من أعماقنا، وأحيانا يمل، ويكل، فيكون صداعا، ودورا، ثم نرشح به في كون لا يحتاج إلى رعافنا، بل إلى لعابنا. تلك ليست قضية تذهب بنا مذهب الرفض، ولا تفرض علينا أن نقول بالمقايسة بين مرامي الأنظار. لا، لأن ما نكتبه، ولو قل مداده، وضئلت مساحة الورقة التي نخاطبها بيراعنا، فإنه شيء له كيان محدد، ووجود مستقل. فحسبنا أن نقول ما أحاط به علمنا، ونقرر ما أطمأن إليه حدسنا. وحيئنذ تبرأ الذمة في العهود، والوعود. لكن ما يرسم الخط في أفق الظهور، هو تلك الرغبة التي أوصلت فاطمة ناعوت إلى مقامها، فصار لاسمها دليل على استحقاق الصوت لمرتبة في موسيقى الطبيعة. وتلك الرغبة توارت عندي، وخاضت في تيه عميق، وسحيق، فنالت هذا اللفظ المعبر عن صوت مختنق في الأعماق، يريد أن ينوح على جدث جدته، ولكنه لم يعثر على طريق بين الجراح، ورجلاه مقيدتان بسلاسل التاريخ، وعيناه مغروستان في نقش رسمه الأجداد، وآماله تخب نحو الوصية التي قالوا بهذا تحمى الديار، والأكوار. وهنا الفرق، ففاطمة ناعوت، جرَت سانيتها بالماء من الأغوار، فسقت الورد، والرياحين، فكان بها منظر البستان جميلا، ولطيفا. تلك هي لغتها، وذلك هو صوتها، وتلك هي المكانة التي نكسبها حين يكون الحرف دالا علينا، لا على غيرنا. فهنيئا لها هذا الشأو في المقام. لكن لن ألام على افتصاص لفظ القصيد من حوزتي، فلم أَرْقَ بطمأنينتي فنناً أحاكي عليه صدى حبارى غارقة في عين نايها. فالشعر هكذا صنع عجيبا، وغريبا. وكل فن من فنون الإفصاح، والإعراب، لا يتأتى منه الصيد الثمين، إلا إذا كانت موجبات حدوثه مستوفيه للشروط في تكوينه. فقد تكون شاعرا، وقد تكون حكيما، وقد تكون طبيبا، ولكل مدار لغته، وصوته، لكن ما يجمعنا جميعا، هو ما نجده عند ائتلاف القلوب على معنى الحياة الجميلة. وما دمنا نبحث عنها باطنا، أو ظاهرا، فنحن في وئام، وسلام، ولو اختلف الصوت المعبر عن حقيقة المحبة، والمودة.
إن رحيل أهل الذوق عندي أعظم من رحيل كل إنسان، ولو كان لكل إنسان في قلبي احترام، وتقدير. لكن انصرام أهل الذوق مضر بتاريخ المعنى في الكون الإنساني. وعلى رغم ألمنا بكل من يضيع من هؤلاء الأفذاذ، وتزول معهم قصة عظيمة في الحياة، قصة الألم القابض على الفؤاد، قصة حزن الجوانح في بهي الألوان، قصة كمد الذوات بين المناكب المتقدة بنيران الصراع، والنزاع، فإن جرحنا يغور حين ندرك أسوياء غزلوا جبة الكفن للذات الكاتبة، وانززوا وراء الخمائل العابثة، لئلا يرسلوا سهما مصيبا في غلبة الأنذال على قبة التبيان. فاعتزال المكان بنعمائه، وبأسائه، هو الموت البطيء للإبداع، والاختراع، لأن اعتزالنا لمفهوم البدعة، هو الذي يسوي نشاز الرماد لخفاف رقيقة، لا تبحث في المعاني إلا عن لقى، أو نوى. فالموت حتمي، ولا يلام عنه من غرس شجرة البقاء بلغته، أو بصوته، بل يلام عليه من رأى الوردة تذبل، وهو لم يشعل في غوره مصباحا لرؤية النياط السارية في الأفنان الونانة. فأنى لهذا أن يعالج النص، لئلا يسمَّد بالرداءة، ثم يكون صوتا مستساغا بين طيات قلوب نكبها السؤال عن اليوم، وعن الغد. فهؤلاء، وأن كانوا جزءا من بيئتنا الاجتماعية المتناسلة في هذا الكون البشري، وهم الأكثرية، وربما بهم تساق الأمم، لأن الحروب بهم تشتعل، والأرزاق بهم تسرق، والأذواق بهم تؤرق، فقصارى الجهد عندهم أن يجعلوا الصوت الرخيم دالا على الفراغ، لا على العطاء. والأغرب أن الصوت في هذا الكسب النافق، لم يكن إلا نباتا مخدرا، يأكله الأوغاد لنسيان بؤس العالم، وفقره.
وعلى هذا يكون الموت سببا لإحياء الأثر الذي يفارقنا حين نكره توديعه، لأن ما نملكه، لا يبدو حقيقة في الأيدي الندية، إلا إذا صارمنا، وصار ملكا لغيرنا. فالنصوص، ومهما كانت لذاذة ما تنسب إليه من فنون، قد تكون مقروءة في صانعها، ومسموعة في حروفها. ولكن هل تطيق البقاء حين تتجرد من روح الكاتب البعيد عنها، لكي تكسب روحها بذاتها.؟ شيء يعني عندي الولادة، وبكل شروطها، ومعاييرها. فلذا، لم يمت كل كاتب ترك لنا نصوصا خالدة، تولدت منه بعد مخاض عسر، ومشاق تكشف معدنه من جوهره، ونشأت في شظف حضنه، وكبرت بين آلامه، وآماله، وحين جهرت بصوتها، أطبق لها الخافقان بالهيبة، والجلال. فهؤلاء لم يموتوا، ولن يموتوا، لأن حبل الوصل فيما بينهم وبين الأجيال اللاحقة بهم، هو خيط النور الذي يصل بين المعاني القديمة، والجديدة. لكن هل نترك الأمر على عواهنه، فنطمئن، ونستهين، ونقول: هذا الوصل كائن، وبقوة غير قوتنا.؟ لو قلنا بهذا، لما استهلمنا من الطبيعة معنى غير ما حكي لنا. فالرضوخ هنا لفكرة العجز المبني على الاطمئنان إلى القوة، لن تصل بنا إلى حقيقة المبتغى الذي نبحث عنه بالحكمة، وبالشعر، وبغيرهما من اللغات التي تجد السير نحو ذلك العالم المفعم بعبق الإنسان.