حيوية النص في ديوان -خربشات على جدار ميت- منصور الريكان

رائد الحواري
2016 / 10 / 20

حيوية النص في ديوان
"خربشات على جدار ميت"
منصور الريكان
الشاعر الجيد يجذبنا إلى شعره بشكل دائم، يقدم لنا ما هو جديد، ما هو ممتع ـ حتى لو كان قاسي ومؤلم لنا ـ فلغة الشاعر وحدها كافة لتجعلنا نستمتع أولا، ثم نفكر بما أراد طرحه.
هناك اسلوب خاص يمتاز به "منصور الريكان" في كتابة الشعر، فعندما يكون النص متعب ومؤلم له وللمتلقي يستخدم صيغة النداء التي تجعل النص حيوي وحاضرا ويبعده عن طريقة/شكل الخطابة المباشرة، فهذا الشكل يجعلنا نشعر ونتأكد بأن الكاتب يخاطبنا نحن القراء لأننا أقرب الناس عليه، من هنا يستخدم حرف النداء "يا" وهذا يثير اهتمامنا أكثر ويجعلنا نهتم بالنص ونأثر به.
حجم الخراب المتفشي في المنطقة العربية وكثرة الموت فيها خاصة في العراق وسورية، يجعل الحديث عنهما صعب ومؤلم على المتحدث/الكاتب والمستمع /القارئ، من هنا كان لا بد من ايجاد طريقة غير مباشرة، يتحدث فيها الشاعر عن ألمه وألم شعبه ووطنه، فهو كصاحب رسالة لا يستطيع، ولا يقبل أن يكون ما يكتبه في واد والواقع المعاش في واد آخر، وللموضوعية لا يستطيع أي كاتب أن يكون بمنأى عن واقعه، ومهما حاول الابتعاد عن هذا الواقع، إلا أنه يفرض نفسه عليه وعلى ما يكتبه.
فما بالنا إن كان هذا الكاتب يمتاز بالنبل ويتمتع بأخلاق العراقي المعطاء؟
بكل تأكيد سيكون هناك توحد وانسجام بين الشاعر وما يكتبه، بين الواقع المأساوي والأمل الذي يطمح/يدعو له، الكثير منا يمتعضون عندما يشاهدوا واقعنا المؤلم أو يقرأوا عنه، لكن هذا الواقع لا بد من أن يكون حاضرا أمامنا، مهما حاولنا الهروب/الابتعاد عنه، يبقى واقعنا وعلينا أن نفعل لتغيره، من هنا يأتي دور الشاعر النبيل "منصور الريكان" الذي يستخدم طريقة غير مألوفة، يدعو فيها لتغير الواقع، فهو يتحدث عن الألم والقسوة التي يعيشها، لا لكي يجعلنا منا "مازوشيين" بل لكي نتقدم من جديد من ذاتنا، من وطننا الذي منحنا الكثير من خيراته ونحن لم نقدم له إلا الموت والخراب.
عنوان الديوان "خربشات على جدار ميث" قاسي وصعب ومنفر للمتقي، لكن من يقرأ أو مقطع من قصيدة "صرخة الجسد" ينجذب للنص، يشعر بأن محدثه قريب جدا منه، وكأنه يستمع لشخص مهم وقريب منه،:
" (1)
ومكثت منزويا أدوس الجمر وحدي
والعلة أخذت مسار الوهن في جسدي
تسقني من ظمأ العناء
وهن وداء
فمتى الشفاء" استخدام حرف ل"و" في بداية القصيدة جعل الحدث حاضرا وفاعلا، وفي ذات الوقت جعلنا نشعر بأن هناك حديث سابق تم بيننا ـ نحن القراء ـ وبين الراوي، من هنا قال "ومكثت" بهذه الحيوية يجعلنا الراوي نقترب منه ونتفاعل مع حديثه.
الراوي تعمد أن يوضح لنا حالته، ما يعاني منه، فنحن من يجدهم مؤهلين لحديثه، ألسنا أقرب الناس عليه؟، من هنا وجدناه يقتصر الحديث عن ذاته فقط، يتجنب الخوض في أي مسألة أخرى، وبهذا يوطد العلاقة بيننا أكثر، فمثل هذا الألم لا بد أن يؤثر/يجذبنا إليه.
بعدها يستخدم الراوي عنصر جديد، يوحدنا معه ومع همه، فيستحضر محبوبته ـ وهذا الحديث خاص جدا، ولا يبوح به الشخص إلا لأقرب الناس عليه ـ :
" (2)
قبلت ذاتي واستباحت دماثة الأخلاق منها وارتويت
يا ما على صدر الحبيب قد بكيت" دائما الحديث عن امرأة مثير ويجذب المتلقي، بما بالنا أن كان هذه الحديث عن مرأة قريبة ممن هو قريبنا، ممن نهتم لأمره؟ بالتأكيد سنولي الموضوع أهمية خاصة، وهذا ما أراده الراوي، يحدثنا عن ألم، عن حالته، فكانت طريقته ناجحة وفاعلة ومؤثرة فينا وجعلنا نصيغ السمع له.
بعدها ينقل الراوي حديثه للمرأة، يجعلها هي المخاطبة لا نحن، لكننا نحن نشاهد/نستمع لحديثه معها،:
" (3)
مولاتي لا ترمي مصابك في أساي
غضب يؤجلني ويركن في هوي
أرجوك عودي مثل صحو عمق ذاكرة خبت
وتراهنين بوجهك الضوئي همت" بهذه الخطاب نكون نحن المتلقين للنص ـ قد ابتعدنا ـ شكلا عن الراوي، عن ألمه، عن حديثه، لكننا في حقيقة الأمر أصبحنا في قلب الحديث، أمام المشهد مباشرة، فقد جذبنا حديثه مع محبوبته وجعلنا نهتم بهما.

في قصائد "ما باحة الطير، ما بحة الزنجي، ما باحته الجارية" يحاكي الراوي التراث الأدبي القديم، فيستحضر عالم الجواري والزنوج، ويقدم لنا قصة تراثية شعرية، وعندما نقول قصة فنحن نقصد توفر كافة عناصر القصة، لكنها صيغة بلغة شعرية، فنجد تعدد الأصوات :
"كنت مربوطا على صدر المقام
وغزاني الوهن من جزن الحمام
يا إلهي ما الذي يجري بساقي
قال مهلا أيها البدوي امضي وترجل
قلت يا الله إني من حفاة القوم أجبو ونسيت اختناقي" فالحدث وتعدد الأصوات يعد جزء اساسي في العمل القصصي.
من التأثيرات لحيوية في هذه القصائد استخدام صيغة النداء:
"يا حبيب العمر صلي" وبهذا النداء أراد الراوي أن يقربنا من نصه، يجعلنا نندمج فيه، ويقربنا من تراثنا الأدبي ومن الأفكار الإنسانية التي يحملها ذاك التراث.
رفض الراوي للنظام القبيلة كان واضحا في هذه القصائد، فكان استخدام لفظ "القبيلة، شيخ/القبيلة" يشير إلى السلبية، فها هي الجارية تحدثنا عن نفسها بهذا الشكل:
" (1)
أنا جارية.....
لم أك من الروم أو فارسية
كنت مملوكة من بلاد العرب
هكذا الحال يا رفقتي أغتصب
أبي تاجر للتوابل والعطور
وأمي موسومة بالسرور
أباع بسوق الجواري لشيخ الغجر
هي الحرب سادتي لعنة تكتسب
تفرق أبناءها" حديث الجارية جاء ليثري النص ويعطيه حيوية، فالراوي تعمد أن يسمعنا صوتها ليكون أكثر تأثيرا علينا، كما يعطي ـ هذا الصوت ـ حيوية النص وجمالية، فتعدد الأصوات يعد من جمالية النص الأدبي.
بعد فتح المجال أمام الجارية لتحدثنا بما تعانيه، يعود الراوي لسرد تكملة القصة فيقول:
" (2)
.....
هناك جارية لشيخ القبيلة مهووسة بالتعب
تغني وتطرب عشاقها
الصفاء على وجهها
وتسمو كما وردة مزهرة
والصدى نائم حولها" بهذا الصياغة نكون أمام قصة مكتملة العناصر، فيها الحبكة والحدث والإثارة، وتطرح فكرة، وقدمت لنا بلغة أدبية تراثية شيقة.
نعود إلى مفهوم "القبيلة/الشيخ" السلبي:
" (3)
وشيخ القبيلة مأزوم من ساعة النحس للحروب
بلحظة حزن يبيع جارية من طيوب
ويرسم إيقونة للبكاء
وراحلة الغيد تبكيه وحده
أواه يداه تمسد خذه
ما الذي يرثيه غير الصدى من قوافل مرت هنا
يا بلادا بوسع الخراب
بوسع الجراح وصمت الليالي التي نزفت من حراب
وجارية الشيخ ماتت وهاج التراب" فتقاعس الشيخ يعد مأساة له وللجارية، وهو من تسبب بموتها، وما تحمله القصة من نهاية مفجعة يعد تماثلا مع القصص والنصوص التراثية التي تحفز المتلقي على أخذ العبرة من الحدث، والعمل على تجنب الوقوع بما وقع به شخصيات القصة السلبية.
في قصيدة "جدي والطنبورة" يقدم فيها الراوي صورة الجد المثالية، الناصعة، وكأنه من خلالها يدعونا لنتماثل بما كان عليه الجد من رفعة الأخلاق واستعداده للعطاء، فمن أخلاق هذا الجد:
" (1)
هو لم يحاذي سفيهة مقهورة تندى تفور
أو تاجرا عيار في سوق المرابين يدور
أو عاشقا جوا يخرج من سطور
هو شاخص ومتيم والصبر نز من الأظافر" أهم ما في كلام الراوي الجانب الأخلاقي، فهو يحدثنا كرجل صاحب رسالة، يدعو إلى الخير، لكن دعوته غير مباشرة، فعندما تحدث عن صفات الجد أرادنا أن نتماثل معه، أن نتذكر هذا الجانب الذي نفتقده في حياتنا.
في هذه القصيدة يستخدم الراوي أحرف النداء، فهي من تقرب النص للمتلقي، وتجعله يهتم به أكثر:
" (3)
أيها البيت مالي إليك وما دمغة من سراويل أشتاتكم
إنا لم أك نبيا ولا وكيل بالأمن ولا أخيط (بساطيلكم)
إيه من تكونون دقوا مساميركم"
مثل هذا النداء لا بد أن يجعل النص أكثر حيوية ويقرب المتلقي منه، وهذا الشكل يعم كافة القصائد في الديوان، فالراوي هدفه هو المتلقي، إيصال الفكرة له، فهو يحمل هم المواطن والوطن، ويطرح هذه الهموم إن كان من خلال حديثه عن شخصيات غيبية، أو عن طريقة طرح همومه الشخصية، فهو في النهاية يسعى/يدعو للتقدم إلى الخير والتراجع عن الخراب والقتل.
في قصيدة "بنو قحافة" يحدثنا الراوي عما آلت إليه أحوالنا، فيقول:
" (3)
حبر يجف على الشفاه يسير متكأ يسوء
كنت المعلق من خطوط أصابعي وعلي ضوء
وأراني أطفو والبلاد كئيبة وبنو قحافة ناقمون
لا ضل عند البحر لا نجما تأرجح في السكون" غالبا عندما يتحدث "منصور الريكان" عن الحزن، عن الالم لا يكون هذا الحديث أسود قاتم، بل يكون حزن ناعم، حزن هادئ، حزن إنساني، يدعونا إلى لتقدم من إنسانيتنا، والابتعاد عن الأعمال والأقوال التي تزيد من تفاقم هذا الحزن أو الألم، فهو لا يدعونا إلى الرد بذات السلبية الطريقة على الآخرين، بل أن نكون كما دعنا السيد المسيح نصفح ونسامح، وندعو بالخير حتى لمن آذانا، هذا احدى ميزات شعر "منصور الريكان".
المرأة دائما هي ملاذ الشاعر، هي من تجعله والمتلقي يبتعد عن مآسي الواقع، فهي عنصر الفرح والسعادة، من هنا نجدها حاضرة في العديد من القصائد، في قصيدة "عام مضى" المخاطب، النداء، الحديث يكون للمرأة، فهي من يخاطبها الراوي:
"العمر سيدة القرى ينسل مثل حمامة تركت صغارها بين ذاكرة الشجيرات العتيقة
يا رفيقة....
عام مضى
والليل يطرق بابنا
وصدى العتابا مازح اللحظات والعمر انقضى
ما ظل غير شحوب ذاكرة نمت
بين التجذر والجفاء
وأنا المهاجر صوب الغواية مأربي
وخطوط ذاكرتي خبت
خمسون جرحا واستراقي للتندر بالصور
ما ودعتني حمامة الكلمات لا فزت تسايرني وتبعث في مداي"
يسهب الراوي في حديثة، فهو يتحدث لألطف مخلوق، يريد أن يشكي همه، أن يزيل ما علق بها من شوائب، يريد أن يتخلص من الثقل الذي يحمله، من هنا كان حديثه متواصل ومترابط.
في قصيدة "ما رواه صاحب الخراج" كان الرمز فيها واضحا، فرغم أنها تحكي عن هموم شخصية، هموم الراوي، إلا أن التداخل بين الواقع والرمز اعطاها حيوية، وجاء اسلوبها الساخر يطفي نعومة ويهدئ من قسوة الواقع الذي تتحدث عنه:
"عندي للحمار إن غضب
عندي شيشة
أثمل عند المساء وأصلي في الصباح
في العريشة
وأساوم ما يجول لحماري من حشيشة
عندي كلب للنباح
ويعيش بارتياح
عندي إبريق نحاس
للحواس
...عندي مسبحة يتيمة
أقتنيها كاليتيمة
كوسام للقبيلة كان أهداها غريب لحماري
...ليس من شيني أروي ما أشاء
لكن القهر دعاني
ورماني.." التداخل بين الرمز والواقع، وذكر الحيوانات ـ غالبا ما يجيء ذكرها كتعبير عن حالة القرف والامتعاض التي يمر بها الراوي ـ لكن الاسلوب الساخر جاء لعطي النص حيوية، بحيث يتلقفه المتلقي بكل سهولة وارتياح، ويخفف من حدة الصورة القاسية في القصيدة.
ونجد في هذه القصيدة امتعاض الراوي من النظام القبلي، من هنا تناوله بهذا الشكل: " كوسام للقبيلة كان أهداها غريب لحماري"
من القصائد المميزة في هذا الدوان قصيدة " لحظات للتأمل" فإذا كان هناك استثناء وتميز في استخدام الرمز والاسلوب الساخر في قصيدة " ما رواه صاحب الخراج" نجد في هذه القصيدة تعدد الاصوات بشكل ملفت:
" (3)
أغمضت عليني وفي عبث يزيدون امتعاضي
ولرب نادمة ويبوح اعترضي
قلت الهوى طيفي وكل نكايتي أن لا تزيد عن السماح
قالوا الهداية تستباح
وإذا أراني للمسارات أغلق رايتي
وغوايتي...
وأفز كالمجدور يتبعني العتب
غضب غضب" فهنا يوجد صوات الراوي وصوت الآخرين الذين جاء حضورهم مكثف وواضح، فهم حاضرون في كافة اقسام القصيدة، وكأن الراوي تعمد هذا الأمر بحيث يجعلهم موازين لصوته/لحضوره.
في قصيدة "إيوان جدي" يخصصها الراوي للحديث عن النظام القبلي وسلبياته، وكأنه يريدنا أن ننهي هذه النظام ونتقدم من نظام مدني عصري حديث، فهو يشكل احد المآسي التي نعيشها:
"إيوان جدي مهمل وعليه طرق
وقبيلتي نام العزاء بجانبها
وأنا على حالي بزاوية الجدار
عام مضى..
عامان مرا ربما عمري انقضى
صوتي يسافر للبعيد بلا صدى
قالوا القبيلة قوضت
وتناسخت..
وبطونها تتقاتل بالسيف واللعنات والصوت أختفى" بهذا الشكل يرفض الراوي النظام القبلي، النظام الطائفي، يرفض كل من يتعاضا بمفهوم الأنا. فوجود الرمز في القصيدة جعلها تبتعد عن شكل قصائد الخطابة المباشرة، وتقرب وجهة نظر الراوي حول ضرورة تجاوز هذا النظام القبلي/الطائفي.
في قصيدة "صدى الإنسان" يتوغل الراوي في تاريخ العراق القديم، ثم يندفع بقوة وسرعة نحو الواقع، فيكون تأثير صوته قويا ومدويا فينا. وهذه القصيدة بالذات بحاجة إلى وقفة خاصة، لما فيها من حضور للتاريخ، ولما تحمله من رمز، فالراوي يستحضر شخصية جلجامش من خلال قوله:
"هو الذي تقتاده الرؤيا على تخوم بحر الشك
هو الذي اناخ للزريبة أشاح للحاشية في الملك" فهذا تناص مع ما جاء في بداية الملحة السومرية "هو الذي رأى كل شيء إلى تخوم الدنيا".
اعتقد أن هذا التنوع في اسلوب الخطاب، وشكل تقديم الفكرة، واستحضار أكثر من راوي، والتوغل في التاريخ، واستلهام التراث الأدبي القديم، كل هذا يثري الديوان ويجعله يشكل حالة مميزة.
قصيدة "ترانيم شجرة السرو" يعمل الراوي على التخفيف من حدة السواد من خلال مخاطبة المرأة، من خلال حضورها، ففي هذه القصيد كان السواد قاتم ونحمل صور بشعة، لكن حضور المرأة خفف من هذا الأمر وشكل حالة من التوازن بين السواد البياض:
" (1)
في الأسطورة شجرة السرو يلتحف الموتى يغطيهم
ينموا من أعضاء الدفن ويرويهم.." من اقسى المشاهد التي جاءت في الديوان، فالحديث عن الموتى والدفن يعد حديث منفر للمتلقي، لكن الراوي ما أن يشعر بوجد هذا الامتعاض عند القارئ حتى يخفف من حدة الحدث، ويبدأ بالحديث مع المرأة:
"...
فعلى عينيك تأجل حبي المزان بهيكل روح باحت ستر أناشيد من صوت
الذكرى...
... ابوحك سرا اتلذذ بالصدق وأهدي تجويفي المنحور بحضن المتولد من خاصبة النوح
المتداعي من سنوات
اتمنى من قلبي أن تتمازج الوان الطيف الشمسي بعينك وتدخل في أنفاسي
نخب الحب المهدود لأرفع كأسي
قانون الحب يؤججني
ويداك منافذ أحباب" مما لا شك فيه أن هذا الخطاب حد من قسوة القصيدة، فالراوي يعي تماما ما يثقل كاهل المتلقي، منها عمد على ثنائية الطرح، قسوة وعنف من جهة، وامرأة وسلام من جهة أخرى، ولهذا حدثنا مرة عن القسوة والسواد، وأخرى عن الحب ولمرأة، وما أن تستكين نفوسنا قليلا، حتى يعاود اشعالها من جديد:
" (4)
اعتبريني مرسوما بالصحو تجلى
باح لآخر تابوت مرمي في باحة مفقوء العين
... هذا البحر اللاطم بالموج تداعى وانساب البرد وماء القاع على الردفين
...فأنا مهووس بالنفى
متدلى في حجري تلسعني الدودة في الأرض" هذه القصيدة تحمل أكثر الصور بشاعة، وكأن الراوي أراد من خلالها اخراج غضبه، تفريغ ما في نفسه من قهر، ولهذا كانت صوره في غالبيتها شديدة الوقع على المتلقي، وما يؤكد هذا الأمر نهاية القصيدة التي جاءت بصور سوداء تماما:
"هذي الحفر موبوءة بالجمر النازل في مأساتي
أصداء الموتى لاهثة تلعق من شجر السرو ترنيما نورانيا
...ـ وطن جن
هذا ما يرويه الموتى
وبقايا لحسوا من جن"
الديوان منشور على الحوار المتمدن على هذا الرابط http://www.ahewar.org/m.asp?i=489